آخر الأخبار

تباين المواقف حول شروط العطا… هل يقترب مسار التفاوض أم تتسع الهوة؟

شارك

تقرير: رشا حسن

أعاد عضو مجلس السيادة ومساعد قائد الجيش، الفريق ياسر العطا، الجدل حول مستقبل قوات الدعم السريع، بعد تأكيده استعدادهم للتفاوض مع أي جهة، دون التنازل – بحسب قوله – عن قرار الدولة والشعب والمؤسسة العسكرية بشأن وضع القوات.

وقال العطا في خطاب عسكري بمدينة الأبيض إن أي مفاوضات قادمة لن تتم قبل تجميع قوات الدعم السريع في ولايتي جنوب وشرق دارفور خارج المدن، وتسليم سلاحها للقوات المسلحة، وإبعاد “المرتزقة” إلى بلدانهم، ومحاسبة المتورطين، ثم دمج وتسريح من تبقى. وأضاف حاسمًا: “لا وجود لقيادتها في حاضر أو مستقبل البلاد”.

حل شامل

من جانبه، قال أحمد حضرة، عضو قوى الحرية والتغيير وعضو المكتب السياسي للتجمع الاتحادي – الأمانة العامة، إن أي مبادرة للجلوس والتفاوض لحل أزمة الحرب السودانية يجب أن تأتي في إطار حل سياسي شامل، يضع حدًا لجذور الصراع لا مظاهره فقط.

وأوضح حضرة في حديثه ل”الراكوبة” أن الشعب السوداني أعاد تقييمه لمليشيات الدعم السريع بصورة مختلفة عن السابق، ولن يقبل مطلقًا بعودتها للعيش وسط المجتمع أو منحها المساحة والنفوذ والصلاحيات التي مُنحت لها في الماضي، نتيجة أخطاء ارتكبها من نالوا ثقة الثورة وتفويضها. وأضاف أن الدعم السريع استغل المشهد السياسي بحسابات خاطئة قادت إلى هذه النتائج الكارثية للحرب، التي دفع الشعب والوطن ثمنها الباهظ.

وأكد أن الدعم السريع، بعد كل ما ارتكبه من فظائع وانتهاكات، لا يمكن التعامل معه وكأن شيئًا لم يكن، وأن أي تسوية سياسية لن تستطيع فرضه أو فرض حاضنته السياسية طرفًا أساسيًا في الحلول القادمة، بعد انكشاف حقيقته وتركيبته بالكامل. وقال إن ما قامت به مليشياته من قتل واغتصاب وسرقة ونهب وتهجير وتدمير متعمد للبنى التحتية يكشف طبيعتها الحقيقية، معترفًا بأن البعض أخطأ في مراحل سابقة بحسن الظن بها أو بتصديق ادعائها بأنها ستأتي بالديمقراطية.

وأشار حضرة إلى أن تصريحات الفريق ياسر العطا بشأن حل وتفكيك الدعم السريع وإبعاد المقاتلين الأجانب ومحاسبة المتورطين في الجرائم، ليست موقفًا شخصيًا أو تشددًا تفاوضيًا، بل تمثل مطلبًا جماعيًا يعبر عن غالبية السودانيين. وأضاف: “شعارات الثورة ما زالت حية: الجنجويد ينحل… والجيش للثكنات. ولو استُفتي الشعب السوداني اليوم لبصم بالعشرة على ذلك”.

وقال إن المجتمعين الإقليمي والدولي، وبعد الإدانة الواسعة للانتهاكات والمجازر الجماعية التي شهدتها الفاشر، أدركا أخيرًا أن ما ارتكبه الدعم السريع يمثل انتهاكًا لكل القيم الإنسانية والأعراف الدولية في جرائم الحرب والانتهاكات الموثقة بشكل كبير، والتي لا يمكن نكرانها أو تبريرها.

وكشف حضرة أن النقاشات الدولية تتجه حاليًا للنظر في تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية، في ظل حجم الجرائم التي ارتكبها واتساع نطاق التوثيق لها.

تشدد ومواقف أيديولوجية

في المقابل، يرى المحلل السياسي ماهر أو الجوخ أن تصريحات العطا تمثل استمرارًا لموقف متشدد يعارض السلام والقوى المدنية الديمقراطية، مضيفًا أن العطا يعبر دائمًا – على حد وصفه – عن “النوايا الحقيقية” للخط العسكري الإسلامي أكثر من قائده نفسه.

وقال أو الجوخ في حديثه ل”الراكوبة” إن مساعد قائد الجيش يطرح شروطًا تبدو غير قابلة للتحقيق، مستشهدًا بالمثل الشعبي: “فيهما متورك وليس تركيا… الأكثر اشتطاطًا من أصحاب الموقف الأصيل”.

إعادة إنتاج المنظومة القديمة

أما القيادي في حزب الأمة القومي، فيقول إن تصريحات الفريق ياسر العطا تبدو للوهلة الأولى وكأنها تمثل موقفًا تفاوضيًا رسميًا للمؤسسة العسكرية، غير أنها في جوهرها امتدادٌ لسردية أيديولوجية تتبنى خطاب الحزب المحلول وعقيدة الحركة الإخوانية، التي ظلت تنظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإعادة إنتاج المنظومة القديمة، لا باعتبارها مأزقًا وطنيًا يهدد بقاء الدولة نفسها.

وأشار الصادق في حديثه لـ“الراكوبة” إلى أن العطا لا يتحدث من منصة جيش يسعى للسلام وبناء دولة تستوعب الجميع، وإنما من منصة سياسية مؤدلجة تحاول تطويع المؤسسة العسكرية لخدمة مشروعٍ يهدف إلى إقصاء الدعم السريع، ليس عبر مسار إصلاح وهيكلة شاملة، بل عبر تصفية انتقائية تُبقي الباب مفتوحًا أمام تفريخ مليشيات حزبية وقبلية موازية، كما كان الحال في عهد البشير.

وأوضح أن الشروط التي قدمها العطا —من تجميع قوات الدعم السريع خارج المدن، وتسليم السلاح، وإبعاد الأجانب، ومحاسبة المطلوبين— ليست في حقيقتها رؤية لحل جذري، وإنما محاولة لعزل الدعم السريع وإعادة هندسة المشهد العسكري بما يسمح بإعادة التموضع الإخواني داخل مؤسسات الدولة، مع غضّ الطرف عن وجود مجموعات مسلحة أخرى مرتبطة بالحزب المحلول، يجري تدريبها وتمويلها في أكثر من مكان، في استنساخ واضح لتجربة ما قبل 2019، حين كانت السلطة تصنع أدواتها الأمنية وتحتكر السلاح لخدمة الحكم لا لخدمة الوطن.

وأضاف أن هذه الرؤية لا تصنع دولة ولا تقود إلى سلام، لأنها تقوم على فكرة الإقصاء لا التأسيس. فالحل الواقعي، بحسب الصادق، يبدأ بالاعتراف بأن السودان لن يخرج من دائرة الحرب ما لم يُفتح الباب أمام عملية شاملة لإصلاح القطاعين الأمني والعسكري، لا تستهدف قوة بعينها، بل تسعى لتوحيد كل السلاح تحت سلطة مدنية شرعية، وفق مقاربة لا تُبقي مجالًا لقوات حزبية أو مليشيات قبلية أو منظومات اقتصادية مسلحة.

ويرى الصادق أن ما قاله العطا يمثل في جوهره رسالة سياسية لا رؤية تفاوضية، هدفها رفع سقف الخطاب العسكري وتكريس فكرة أن المؤسسة العسكرية وحدها هي صاحبة القرار في تحديد مصير البلاد، متجاهلة أن الأزمة أعقد من صراع بين جيش ودعم سريع، وأن السودان يحتاج إلى مشروع تأسيس جديد يوقف الحرب، وينزع الطابع الأيديولوجي عن السلاح، ويمضي نحو دولة واحدة وجيش واحد تحت قيادة مدنية.

وأكد أن الطريق ليس في شروط انتقائية تستهدف طرفًا وتستبقي آخرين، وإنما في إرادة شجاعة تتجه فورًا إلى وقف الحرب والدخول في عملية إصلاح وهيكلة كاملة تعيد تعريف دور القوات المسلحة، وتضع حدًا لحكم البندقية، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وما عدا ذلك، لا يعدو كونه ذرًّا للرماد في العيون وتدويرًا للأزمة بطريقة أشد خطورة من استمرار الحرب نفسها.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل سوريا حماس

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا