يشهد السودان تصاعدًا خطيرًا في أزمته السياسية والعسكرية، وسط اشتباكات دامية في الفاشر، وإعلان حكومة موازية بقيادة قوات الدعم السريع في نيالا، إلى جانب قرارات عسكرية جديدة للجيش لتنظيم قواته المساندة، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية متباينة.
في المقابل، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش عن جزعه إزاء الهجمات المتواصلة التي تشنها قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور بالسودان.
ودعا الأمين العام – في بيان منسوب للمتحدث باسمه صدر الجمعة – إلى وقف فوري لإطلاق النار في منطقة الفاشر وما حولها، مشددا على ضرورة اتخاذ خطوات فورية لحماية المدنيين وتمكين إيصال المساعدات الإنسانية إلى المنطقة بشكل آمن ودون عوائق ومستدام، والسماح لأي مدني يرغب في مغادرة المنطقة طواعية بمغادرتها بأمان.
وأفاد غوتيريش بأن مدينة الفاشر تخضع لحصار خانق منذ أكثر من 500 يوم، حيث يُحاصَر مئات الآلاف من المدنيين في المنطقة، مضيفا أن الأسابيع الأخيرة شهدت قصفا شبه متواصل للمنطقة، وتوغلات مميتة متكررة في مخيم أبو شوك للنازحين، حيث تم الإعلان عن ظروف المجاعة هناك في كانون الأول/ديسمبر 2024.
ومنذ 11 آب/أغسطس، وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 125 مدنيا في منطقة الفاشر، بما في ذلك عمليات إعدام بإجراءات موجزة، ومن المرجح أن يكون عدد القتلى الفعلي أعلى من ذلك.
وأعرب غوتيريش عن قلقه إزاء المخاطر الجسيمة المتمثلة في وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فضلا عن انتهاكات وتجاوزات للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الانتهاكات ذات الدوافع القبلية.
ولفت البيان إلى أنه تم تجهيز الإمدادات مسبقا في مكان قريب، لكن جهود الأمم المتحدة وشركائها لنقلها إلى الفاشر لا تزال تواجه عراقيل. وأضاف أن الأشهر الأخيرة شهدت هجمات متكررة على العاملين في المجال الإنساني وأصول المساعدات الإنسانية في شمال دارفور.
وأفاد البيان بأن المبعوث الشخصي للأمين العام، رمطان لعمامرة، مستمر في التواصل مع الأطراف المتحاربة، وهو على أهبة الاستعداد لدعم الجهود الصادقة لوقف العنف وإقامة عملية سياسية شاملة يطالب بها شعب السودان.
شنت قوات الدعم السريع هجمات مكثفة على مدينة الفاشر، في محاولة للسيطرة على مواقع حيوية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير منازل وأحياء سكنية.
وزارة الخارجية السودانية أكدت مقتل ألف طفل في الفاشر، مع الإشارة إلى أن 250 ألف مدني يعيشون أوضاعًا مأساوية داخل المدينة. كما استشهد الطبيب ضوالبيت أحمد موسى مدير مركز صحي عبدالسلام، بعد استهدافه برصاص المليشيا أثناء أداء عمله الإنساني.
الانتهاكات لم تتوقف عند القتل، إذ كشفت مصادر محلية عن استخدام المليشيا دماء مدنيين قسرًا كـ “بنك دم بشري”، إضافة إلى سرقة أعضاء من الجرحى لعلاج مقاتليها، في جريمة وصفت بأنها “انتهاك صارخ لحقوق الإنسان”.
هذه التطورات دفعت المملكة العربية السعودية إلى وصف ما يحدث في الفاشر بـ “المأساة الإنسانية”، داعية الأمم المتحدة للتدخل العاجل لفك الحصار.
وفي مشهد سياسي موازٍ، أدى أعضاء ما يُعرف بـ “حكومة تأسيس” القسم في نيالا، بعد أسابيع من الإعلان عن تشكيلها بقيادة قوات الدعم السريع.
ووفق مصادر مطلعة، تولى محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئاسة المجلس الرئاسي، فيما عُيّن عبدالعزيز الحلو نائبًا له، ومحمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء. كما تم تعيين الهادي إدريس حاكمًا لإقليم دارفور، ومبروك مبارك سليم حاكمًا لإقليم الشرق، وفارس النور حاكمًا لولاية الخرطوم.
الجيش رفض هذه الحكومة واعتبرها محاولة لتقسيم البلاد، مما يعكس عمق الانقسام السياسي والميداني.
ميدانيًا، أعلن الجيش السوداني بدء تنفيذ قرارات القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القاضية بإخضاع القوات المساندة لقانون القوات المسلحة.
قيادة الفرقة (19) مشاة بمروي بالولاية الشمالية بدأت في إعادة هيكلة قوات درع النخيل المكونة من ست كتائب، وإصدار ضوابط جديدة لضمان الانضباط العسكري تحت إمرة الجيش.
بالتوازي، عقد تحالف “صمود” المدني الديمقراطي ورشة في كمبالا حول حقوق الإنسان في السودان، بمشاركة بعثة تقصي الحقائق الأممية وخبراء إقليميين ودوليين. التقرير الأولي للبعثة وصف الوضع في السودان بأنه “كارثي”، مؤكدًا توثيق جرائم وانتهاكات ممنهجة ضد المدنيين.
على الجانب الدبلوماسي، أعلن سفير السودان بالقاهرة عماد الدين عدوي استجابة السلطات المصرية لمطالب الجالية السودانية، عبر تسريع إصدار الإقامات، والسماح بتسجيل الطلاب قبل صدور أوراق الإقامة، وتقليص فترة الموافقات الأمنية إلى ثلاثة أيام فقط، في خطوة وُصفت بأنها دعم مباشر للأسر السودانية المتضررة من الحرب.
“المدينة التي كانت نابضة بالحياة، أصبحت الآن مدينة أشباح”، وصفٌ كررت إديم وسورنو مديرة قسم العمليات والمناصرة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية استخدامه لرسم الصورة التي شاهدتها لما آل إليه حال العاصمة السودانية التي زارتها مؤخرا.
كانت وسورنو تتحدث للصحفيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك اليوم الخميس، مذكرة بأن السودان يشهد إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج 30 مليون شخص إلى مساعدات طارئة، بينما فر أكثر من أربعة ملايين شخص من بيوتهم.
ونبهت إلى أن 638 ألف شخص يعانون من ظروف جوع كارثية وهي المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، فضلا عن تفاقم سوء التغذية الحاد في البلاد، مضيفة: “لا يزال السودان يعاني من أزمة حماية. قوانين الحرب غائبة في بعض المناطق”.
وعن زيارتها إلى الخرطوم في وقت سابق من هذا الشهر وهي الأولى لها منذ نيسان/أبريل 2023، قالت وسورنو: “حجم الدمار الهائل مروع. الشوارع والمباني مليئة بمخلفات الحرب المتفجرة. الخدمات الأساسية غائبة إلى حد كبير. وهناك شعور ملموس بالصدمة في كل مكان”.
ورغم الدمار، قالت إنها وجدت بصيص أمل قائلة: “رأيت الناس يكنسون الشوارع، وسكانا مصممين على العودة. لكن الأمر سيستغرق سنوات طويلة جدا”.
وأشادت المسؤولة الأممية بالعاملين في المجال الإنساني الذين يواصلون تقديم المساعدات في ظل ظروف محفوفة بالمخاطر. وقالت: “أعتقد أنه من الجيد أن نشيد بشركائنا من المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة التي تقدم المساعدة في هذه الأوقات العصيبة”.
وتحدثت المسؤولة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن زيارتها إلى تشاد التي تستضيف الآن 1.4 مليون لاجئ، بمن فيهم 850 ألف لاجئ سوداني.
وحذرت من ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية هناك، فضلا عن مرض الكوليرا الذي يعد انتشاره مثار قلق ليس في الخرطوم فحسب، بل وفي دارفور وتشاد أيضا.
وقالت وسورنو عن المجتمعات المضيفة: “أولئك الذين ليس لديهم سوى القليل لمشاركته يدعون إلى شيء واحد وهو: من فضلكم لا تنسونا”.
واختتمت تصريحاتها بدعوة المجتمع الدولي للضغط من أجل تحسينات مستدامة في وصول المساعدات إلى السودان.
ودعت كذلك إلى مزيد من التمويل مضيفة أن “ما نحتاجه هو 55 سنتا يوميا للشخص الواحد في السودان. هذا كل شيء”.
وشددت المسؤولة الأممية على الحاجة للتوصل إلى سلام شامل، وإنهاء هذه الحرب.
ما بين معارك الفاشر الدامية، وتشكيل حكومة موازية في نيالا، وسعي الجيش لإحكام قبضته على قواته، يبدو السودان أمام مرحلة جديدة من الانقسام الجغرافي والسياسي، وسط أزمة إنسانية متفاقمة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات عاجلة تجاه المدنيين.