آخر الأخبار

وقفة تأمل أم نكأ للجراح: مصر أمام أزماتها الإقليمية

شارك

محمد أبوالفضل

القاهرة نجحت في توفير درجة عالية من الهدوء والاستقرار بالداخل لكن ذلك يمكن أن يتهدم في غياب مروحة سياسية أو رؤية واسعة لمواجهة أزمات إقليمية يعتمد النجاح فيها على مستوى المبادرة.

الصبر الإستراتيجي فقد مفعوله

تحتاج مصر إلى وقفة تأمل في الأزمات الإقليمية المتعددة، والتي لها تأثيرات كبيرة على أمنها القومي، فقد نجحت الدولة في تحاشي الكثير من الأخطار الداهمة السنوات الماضية، لكن لم تتم معالجة أيّ منها وحسم التهديدات، ربما بسبب الطبيعة المعقدة لغالبية الأزمات وتشابك العديد من الأطراف الإقليمية والدولية فيها، وربما لأن جُلها انزلق إلى صراعات وحروب مفتوحة، لا يوجد فيها طرف منتصر وآخر مهزوم.

نجاة مصر أمنيا، لا يعني أنها لم تتكبد خسائر مادية أو يمكن أن يلحق بها أذى إستراتيجي، فقد صبرت وانتظرت كثيرا كي تأتيها جثث من أشعلوا الأزمات أو ساهموا في تغذيتها، إلا أن هذه الجثث لم تأت إلى مصر بعد، وقد لا تأتي أبدا، والمخاطر لن تتوقف عند المستوى الذي وصلت إليه، ما يفرض إدخال تعديلات في تكتيكات وخطط التعامل مع الأزمات، والانتقال من مربع تجنب المشكلات المباشرة والاستغراق في معرفة المعلومات الدقيقة إلى تبني رؤى واضحة ومحددة، والقبض على زمام المبادرة وعدم تركها في أيادي جهات أخرى.

لم تظهر القاهرة في جميع الأزمات الخارجية درجة عالية من الصرامة، كتلك التي تتبناها بالداخل في معظم القضايا، ووقَتْها هذه الطريقة من شرور كثيرة، خاصة على المستوى الأمني، ولا تنقص مصر الكفاءة والقدرة والخبرة لتوجيه بعض الأزمات الإقليمية في الاتجاه الذي يخدم مصلحتها. فعندما شعرت بأن الأزمة في قطاع غزة تلقي بحممها عليها في ملف التوطين تحركت عبر إعداد خطة بديلة لما طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن، أي تستطيع مجابهة الأزمات وتخفيف ما تنطوي عليه من تحديات.

تفوّق ترامب في رسم خرائطه لا يعني أن مصر يجب أن تقلده بالطبع، لوجود فوارق كبيرة، لكن الرجل فتح الباب لاجتهادات طموحة وأحيانا لامنطقية، تحدث ارتجاجات في عقول خصومه، وتفضي إلى تحقيق الحد الذي يريده

تبدو فكرة الانتظار أو ما يعرف بالصبر الإستراتيجي قد فقدت مفعولها مع تعدد الأزمات الإقليمية، وتوقيتات انفجاراتها المتزامنة، وسواء أكان المستهدف منها مصر وفقا لنظرية المؤامرة أم ظهرت صدفة وألقت بالنيران في وجهها، ففي الحالتين لا يحتمل الموقف مزيدا من التريث، ورأينا ما حدث في غزة، حيث أيقظ مقترح ترامب المارد النائم، وما حدث في السودان عقب إعلان تشكيل سلطة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وأضيفت إليها مناطق أخرى في جنوب كردفان، ما يعني أن شبح تقسيم السودان يمكن أن يتحول إلى واقع قريبا.

على مصر ألاّ تنتظر كثيرا لتجاوز أزمة التهديدات الأمنية في جنوب البحر الأحمر، والتي أثرت سلبا على الملاحة الدولية، ومن ثم تراجع مداخيل قناة السويس، فهدوء الموقف لا يضمن عودة الملاحة واستئناف رحلاتها بالطريقة المعتادة، لأن حرب غزة التي فجرت الأزمة لم تتوقف، وقد يستغرق ذلك وقتا طويلا.

وفي المحصلة نكأت جرحا تم التغاضي عنه طويلا، وإذا هدأت غزة وتوقفت الحرب تماما التي شنتها إسرائيل، فمنطقة جنوب البحر الأحمر وخليج عدن والمنطقة القريبة منهما في القرن الأفريقي تحوي فائضا كبيرا من التوترات القابلة للانفجار في أيّ لحظة، وحتما ستكون لها ارتدادات قوية على مصر.

تتصل بهذه المسألة أزمة سد النهضة الإثيوبي، فالهدوء الظاهر عليها لا يلغي أنها وضعت منذ سنوات على فوهة بركان، لم تتمكن القاهرة من تجنب حممه التي طفت أو يمكن أن تطفو على السطح، فلا تزال الأزمة معلقة، وفي خضم المواقف المتباينة والمسافات المتباعدة قد تتعرض مصر إلى مخاطر كبيرة، فطريقة الغطرسة التي تتعامل بها أديس أبابا تقول إن شيئا ما يمكن أن يحدث، وكل وسائل الاحتواء الناعم أو الخشن التي قامت بها القاهرة نحو إثيوبيا لم تثن الأخيرة عن مسارها، كأنها لا تستشعر جدية كافية بالخطر أو تملك وسائل تساعدها على التصدي لكل الأدوات المصرية.

كشف تعامل مصر مع الأزمة في ليبيا عن قدرة في تسكينها والتخلص من منغصاتها المباشرة أكثر من حلها بالشكل الذي يضمن الحفاظ على المصالح الإستراتيجية، وعدّلت القاهرة أساليبها وخططها وتكتيكاتها بما قادها إلى منحى تراه مرضيا حتى الآن في خضم تعقيدات لا نهاية لها، وهذا لن يمنع حدوث مفاجآت في المستقبل القريب، فلا تزال تفاعلات الأزمة مفتوحة، وتملك فيها مصر رصيدا جيدا يجعلها عنصرا مؤثرا في مآلاتها وما ينقصها هو صياغة رؤية أو خطة تؤكد أنها تملك أدوات الحل، وليس العقد فقط.

على مصر ألاّ تنتظر كثيرا لتجاوز أزمة التهديدات الأمنية في جنوب البحر الأحمر، والتي أثرت سلبا على الملاحة الدولية، ومن ثم تراجع مداخيل قناة السويس، فهدوء الموقف لا يضمن عودة الملاحة واستئناف رحلاتها بالطريقة المعتادة

تصلح المقارنة بين ما تقوم به تركيا في بعض الأزمات الإقليمية وبين مصر التي يبدو أنها قانعة بسياسة الاحتواء ومنع حدوث خسائر مدوية، فالأولى تسبق منافسيها وخصومها بخطوات، وفي كل الأزمات التي تزعج القاهرة في المنطقة هناك قدم تركية، من ليبيا إلى السودان، ومرورا بسوريا والبحر الأحمر وغزة وشرق البحر المتوسط. هذه القدم أو الأقدام ساعدت أنقرة على أن يخطب ودها الكثير من الدول، الكبرى والصغرى، وعندما تدخل أيّ دولة معها في مشكلة تستطيع بما في حوزتها من أدوات أن تمارس ضغطا عليها، بما يمكّنها من الوصول إلى غاياتها.

تحتاج الطريقة الفاعلة إلى امتلاك رؤية ورغبة وإرادة وإمكانات وقدرات للوصول إلى الغايات النهائية، وهو ما تملكه مصر بشكل نسبي، مقارنة بتركيا، وجعلها تصد تداعيات بعض الأزمات على الفور، وساعدها على تجاوز بعض الصعوبات، لكن النقطة الفاصلة أن مصر منحت أولوية لعلاج المشاكل الداخلية ولم تقم بإصلاحات متوازية مع نظيرتها في الخارج، باعتبار أن الأولى هي مفتاح تواجه به الأزمات في الثانية.

نجحت السلطة في القاهرة في توفير درجة عالية من الهدوء والاستقرار بالداخل، لكن ذلك يمكن أن يتهدم في غياب مروحة سياسية عميقة أو رؤية واسعة لمواجهة أزمات إقليمية يعتمد النجاح فيها على مستوى المبادرة.

وبدلا من أن تتلقف مصر العصيّ التي يضعها البعض في دواليب الأزمات التي تحيط بها، تقوم هي بوضعها وتجعل الآخرين يبحثون عن وسائل لتلقفها. فالمؤهلات الجيوستراتيجية التي تملكها وساعدتها دوما كفيلة بأن تمنحها مزايا نوعية تؤهلها للقيام بدور أكثر فاعلية، إذا تخلت عن الاستغراق في التفاصيل ومنحت فرصة للخطط الطموحة. فمن يلقي حجرا في المياه يترقب الكثيرون انعكاساته. وقد أوجد الرئيس ترامب سقفا مرتفعا في آليات التعاطي مع القضايا المتفجرة.

تفوّق ترامب في رسم خرائطه لا يعني أن مصر يجب أن تقلده بالطبع، لوجود فوارق كبيرة، لكن الرجل فتح الباب لاجتهادات طموحة وأحيانا لامنطقية، تحدث ارتجاجات في عقول خصومه، وتفضي إلى تحقيق الحد الذي يريده، ولن يضير القاهرة إذا رسمت خطوطها على الأرض في غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر ومع إثيوبيا، ليس على سبيل التهديد والوعيد عند تعرض مصالحها للخطر فقط، بل من قبيل ما تريد تحقيقه بالفعل مستقبلا. ولتجرب وقد ترى نتائج مبهرة.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا