تقرير : أحمد عصمت _ رفقة عبدالله _ عمر أرباب _ ام كلثوم التاج الطيب

شهد شهر أغسطس من العام ٢٠٢٢، غرق العديد من القرى المجاورة لمدينة المناقل بولاية الجزيرة في السودان. خلفت هذه الكارثة تضرر اكثر من ١٥ ألف منزل بحسب إحصاءات الدفاع المدني، ما سبب ضررا لأكثر من ١٣٦ ألف مواطن، بحسب الأمم المتحدة.
وتقع مدنية المناقل في ولاية الجزيرة وسط السودان ، وتعتبر مدينة زراعية وصناعية ومركزاً تجارياً، الأمر الذي ساهم في زيادة الكثافة السكانية فيها . وتتكون المناقل من ٥٤٥ قرية تتبع لها، حيث شهدت هذه القرى في ٢٠٢٢ أوضاعاً مأساوية سببتها السيول والفيضانات التي اجتاحت عدداً كبيراً من قرى المناقل حتى أعلنتها السلطات منطقة كوارث.
أسباب فيضان المناقل
ادعى العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، أن سبب الفيضان هو فتح “ترعة” المناقل، التي تستمد المياه من خزان سنار، بالتزامن مع هطول كبير للامطار. ورأى فريق آخر، أن سبب الفيضان هو كثافة الأمطار على هضبة المناقل و “جبل موية”. نعمل في هذا التقرير على التحقق من أسباب الفيضان، مستفيدين من أدوات المصدر المفتوح، بالإضافة لآراء الخبراء في مجال التغير المناخي، والمجالات المتعلقة به.
تحقيق وراء سبب الفيضان
للتحقق من إدعاءات سبب الفيضان، استخدمنا أدوات المصدر المفتوح، بداية بـ”قوقل ايرث”. وجدنا أن آخر صور من الاقمار الصناعية للمنطقة، كانت في العام ٢٠٢٠. وعليه، اتجهنا لاستخدام منصة “سنتنل هب”، التي تتيح صورا حديثة متجددة كل عدة أيام.
بالرغم من أن هذه المنصة لا تقدم صورا عالية الجودة، إلا أنها فعالة في التعرف على مناطق تواجد المياه، فهي توفر ميزة التعرف على المياه وتحددها بلون معين عبر دمج الصور مع بيانات الأشعة تحت الحمراء ذات ​​الموجة القصيرة. تظهر هذه الميزة، المياه باللون الأزرق الداكن، حيث يمكن ملاحظة تواجد المياه من عدمه.
باستخدام المنصة، أظهرت المنصة صورة التقطت في ١٥ أغسطس ٢٠٢٢ -وهو نفس اليوم الذي بدأ فيه تداول منشورات على وسائط التواصل عن الفيضان والسيول- أن “ترعة المناقل” كانت تحوى مياه كالمعتاد، ولم تتوقف كما ذكرت وزارة الري والموارد المائية.

صورة توضح وجود مياه في بداية بوابة ترعة المناقل بتاريخ ١٥ اغسطس ٢٠٢٢

إفادات الخبراء عن آثار التغير المناخي على السودان
يرى بعض الخبراء الذين تحدثنا معهم، أن السبب الجذري لفيضان المناقل يكمن في التغير المناخي. أجمع جميع الخبراء، أن الفيضانات في السودان، تعتبر إحدى التأثيرات الرئيسية للتغير المناخي في المنطقة، حيثُ يتميز السودان بتشكيلاته المائية الوفيرة مثل الأنهار العديدة كأنهار النيل الأزرق والنيل الأبيض، ونهر ستيت، ونهر عطبرة وغيرها، بالاضافة لمخزون المياه الجوفية الوفير. كما يمتاز بموقعه الجغرافي المنبسط، الذي يضمن له تدفق كمية كبيرة من المياه من الهضبة الحبشية.
وقال رئيس وحدة الانذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية، دكتور أبوالقاسم إبراهيم إدريس: ” يؤدي التغير المناخي إلى تزايد شدة الظواهر الجوية المتطرفة، مثل العواصف الرعدية والأعاصير والأمطار الغزيرة. هذه الأحداث الجوية المتطرفة تساهم بشكل كبير في حدوث الفيضانات في السودان.” يشير إدريس، أن الفيضانات في السودان تؤثر على العديد من الجوانب الإقتصادية والبيئية والاجتماعية، فهي تتسبب في تدمير المحاصيل الزراعية والمنازل، وتؤدي إلى خسائر كبيرة في البنية التحتية والممتلكات، وعلى صحة السكان؛ حيث تزيد من انتشار الأمراض المعدية وتحد من إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية.
لمواجهة تحدي الفيضانات المرتبطة بالتغير المناخي، اقترح إدريس على الحكومة السودانية اتخاذ تدابير وقائية وبناءية، بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين. تشمل هذه التدابير بناء السدود والحواجز، وتحسين أنظمة التنبؤ المبكر والاستجابة، وتطوير البنية التحتية لمقاومة الفيضانات.
من زاوية أخرى، أوضح إدريس أن التغيرات المناخية العالمية أثرت على السودان بعدة طرق، منها:
ارتفاع درجات الحرارة، مما يؤدي إلى زيادة تبخر المياه واحتمالية هطول الأمطار الغزيرة.
تغير نمط هطول الأمطار، مما يؤدي إلى زيادة تكرار ومدة هطول الأمطار الغزيرة.
زيادة تكرار العواصف الرعدية، والتي يمكن أن تتسبب في هطول أمطار غزيرة واسعة النطاق.
وخير دليل على ذلك هو كارثة المناقل في العام ٢٠٢٢.

تأثيرات مستقبلية
بالنسبة للتوقعات المستقبلية للتغييرات المناخية في السودان والعالم، قال دكتور إدريس، أن هناك نماذج مناخية حديثة ودراسات بحثية لتصور كيف يكون المناخ في المستقبل. وبشكل عام تشير العديد من التوقعات المناخية إلى أن الظواهر الجوية المتطرفة، بما في ذلك هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات، من المرجح أن تصبح أكثر تواترا. ومع ذلك، يمكن أن تختلف التأثيرات الدقيقة حسب المنطقة وتتأثر بتفاعل معقد من العوامل والظروف المناخية المحلية لكل منطقة.
وقال إدريس: ” أتوقع زيادة الفيضانات خلال الأعوام القادمة في السودان، مبرراً أن حدوث ذلك يعتمد على عدة عوامل مرتبطة ببيانات المناخ الحالية. و تشير الدراسات الحديثة، إلى أنه من المرجح أن تزداد تكرارية الفيضانات في المستقبل بسبب تأثير التغير المناخي، حيث توقعت تقارير المناخ أنه قد يزداد هطول الأمطار في شمال شرق إفريقيا حتى نهاية القرن الحادي والعشرين على الرغم من أن البيانات الدقيقة غالبًا ما تكون صعبة التحديد، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى زيادة في حدوث الفيضانات في المستقبل في تلك المناطق ومع زيادة استمرار التغير المناخي تصبح توقعات زيادة الفيضانات في السودان أكثر قلقاً”.
وعلى غير ما توقعه دكتور أبوالقاسم إدريس، فقد أشارت دراسة أصدرها مركز (إيقاد) للتنبؤات المناخية والتطبيقات في نوفمبر ٢٠٢٢، أنه من المتوقع أن يزداد إجمالي هطول الأمطار خلال موسم الأمطار القصيرة في معظم أنحاء دول إيقاد وهي السودان وجنوب السودان واريتريا واثيوبيا وجيبوتي وكينيا والصومال ويوغندا. ومن المتوقع أن يزداد إجمالي هطول الأمطار سنويًا في الأجزاء الشرقية من هذه الدول، وأن يقل في أجزاء من جنوب السودان والسودان.

السيناريوهات المتوقعة للتغيرات الموسمية في هطول الأمطار على شرق أفريقيا
وقال رئيس قسم الفلك والأرصاد الجوية سابقاً، الأستاذ اسماعيل عبد الله إدريس، والباحث في الأرصاد الجوية: “التغير المناخي في العصر الحالي هو تغير على مستوى العالم ولا يتقصر على السودان فقط. فأصبح واضحاً الآن أن آثار التغير المناخي في مواعيد الأمطار والفيضانات، إضافة إلى أسباب إرتفاع معدلات الأمطار في السودان خلال السنوات الأخيرة لا شك أنه بسبب التغير المناخي، كما أشارت الدراسات أن السودان قد دخل في حزام الأمطار الغزيرة التي تُحدث فيضانات كبيرة ومدمرة بسبب التغير المناخي. يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى تغييرات في أنماط هطول الأمطار، مما يتسبب في هطول أمطار أكثر كثافة وتركيزاً، ويمكن أن يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة على مدى فترات قصيرة، مما يؤدي إلى إرباك أنظمة الصرف وزيادة خطر الفيضانات”.
وتنبأ إسماعيل أن السودان سوف يكون من البلدان التي تعاني بشدة من تغيرات المناخ نسبة لافتقاره للبنى التحتية لمواجهة آثار الفيضانات كمثال. أي أن السودان من أكثر بلدان العالم عرضة لآثار التغير المناخي وأقل إستعداداً للتكيف مع هذه الآثار.
تجدر الإشارة إلى أن حزام الأمطار هو منطقة من الأمطار النشطة التي يتمركز معظمها حول المناطق الاستوائية. وقد آشارت بعض التقارير الصحفية، أن السودان قد دخل حزام الأمطار قبل ثلاث عقود، إلا أننا وجدنا دراسة قد صدرت في العام ١٩٤٩، ذكرت أن حزام المطر يغطي شمال السودان.
في هذا التقرير، وجدنا أن ترعة المناقل، كانت تحوي مياه كالمعتاد في ذات اليوم الذي تم التبليغ فيه عن الفيضان في ١٥ أغسطس. هذه الحقيقة، لا تنفي تأثر قرى المناقل بالسيول الناتجة من كثافة الأمطار، الذي قد يتسبب في زيادة كم المياه الفائضة. وكذلك، أجمع بعض الخبراء، أن زيادة كم الأمطار ناتج عن التغير المناخي الذي يشهده العالم.