"رجل البخار".. خيال علمي ياباني بروح أمريكية
تحاول منصة نتفليكس طوال الوقت اجتذاب شرائح مختلفة من المشاهدين، وتفعل ذلك عبر تقديم محتوى متنوع بشدة، فمن المسلسلات الأمريكية إلى الكورية ذات الشعبية الهائلة، ومؤخرا قدمت مسلسلا يابانيا بعنوان "رجل البخار" (Human Vapor)، وهو من ثماني حلقات، وينتمي إلى الخيال العلمي والإثارة، ومن إنتاج شركة "توهو" (Toho)، بالتعاون مع شركة الإنتاج الكورية "واو بوينت" (WOWPOINT).
ويجمع في فريقه الإبداعي بين المخرج الياباني شينزو كاتاياما، والكاتب والمنتج التنفيذي الكوري يون سانغ-هو، بمشاركة ريو يونغ-جاي في كتابة السيناريو. ويضم العمل في بطولته شون أوغوري ويو أوي وسوزو هيروسي، إلى جانب كينتو هاياشي ويوتا ويوتاكا تاكينوتشي.
قصص مقترحة
list of 4 items* list 1 of 4 لن يرى النور قبل 2028.. "باتمان: الجزء الثاني" يتعثر مجددا
* list 2 of 4 "الحساب الاجتماعي".. فيسبوك في محكمة السينما للمرة الثانية
* list 3 of 4 السينما الفلسطينية في الدوحة.. "حوار مع البحر" و"غزة 13″ يستحضران الحرب والنزوح
* list 4 of 4 الحرب كما يراها الأطفال.. أفلام أنيميشن عن الخوف والفقد end of list
يمثل المشروع أول تعاون بين نتفليكس وتوهو، كما يمثل التجربة التمثيلية الأولى للمغني يوتا الذي يؤدي أحد الأدوار الرئيسية في المسلسل.
من كلاسيكية يابانية إلى مسلسل إثارة تقليدي
نتعرف في الحلقة الأولى من "رجل البخار" على المحقق كينجي أوكاموتو والصحفية كيوكو كونو، اللذين تتقاطع طرقهما خلال التحقيق في سلسلة جرائم غامضة يرتكبها رجل يُعرف باسم "رجل البخار"، يمتلك القدرة على تحويل جسده إلى غاز واختراق الحواجز والظهور والاختفاء دون أن يتمكن أحد من الإمساك به. مع تقدم التحقيق، تتكشف صلات بين الجرائم الحالية ومشروع قديم يُعرف باسم "وايت سنتر"، ارتبط باستغلال أشخاص من الفئات المهمشة وإجراء تجارب خطرة عليهم، لتتسع القضية تدريجيا من مطاردة قاتل غامض إلى شبكة من الأسرار تمتد إلى مؤسسات نافذة وشخصيات سياسية. وفي الوقت نفسه، يستعيد المسلسل ماضي كيوكو وعلاقتها برجل البخار، لتصبح القضية مرتبطة بتاريخ شخصي يتجاوز التحقيق الصحفي والشرطي.
تلك الحكاية ليست جديدة تماما؛ فالمسلسل بالفعل مقتبس من فيلم "رجل البخار" الذي أخرجه إيشيرو هوندا، أحد أبرز الأسماء في تاريخ أفلام الوحوش اليابانية، لكن الفارق الأساسي أن النسخة الجديدة لا تحاول إعادة إنتاج الفيلم القديم أو نقل أحداثه إلى التلفزيون، وإنما تستخدم فكرته المركزية نقطة انطلاق لحكاية جديدة.
في الفيلم الأصلي، ارتبطت فكرة الإنسان القادر على التحول إلى غاز بازدهار أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحوش في اليابان خلال تلك الفترة، بينما يضيف المسلسل إليها عناصر التحقيق البوليسي، والمؤامرات السياسية، والإعلام الرقمي، ومؤسسات الدولة.
توسيع الفكرة لا يعني بالضرورة تطويرها. فبينما يملك مسلسل "رجل البخار" أصلا سينمائيا يسمح له بالاستفادة من تقاليد الخيال العلمي الياباني وأفلام الوحوش، تبدو المعالجة الجديدة في كثير من أجزائها أقرب إلى نموذج مألوف من مسلسلات الإثارة والجريمة الحديثة، يعتمد بشكل أساسي على تراكم الأسرار ومؤامرات المؤسسات المتورطة والشخصيات التي تخفي معلوماتها.
لماذا يبدو المسلسل أمريكيا رغم جذوره اليابانية؟
منذ الحلقات الأولى، يقترب "رجل البخار" في بنيته من مسلسلات الجريمة والإثارة الأمريكية أكثر منه إلى إعادة صياغة معاصرة لعناصر الخيال العلمي الياباني. فالمسلسل يبدأ من تحقيق بوليسي، يوسع فيه محقق الشرطة دائرة الاشتباه، فتشمل مؤسسات وأطرافا أكثر نفوذا، والشخصيات الرئيسية مبنية وفقا لوظائف مألوفة في هذا النوع من الأعمال، مثل المحقق الذي يلاحق الحقيقة، والصحفية التي تصر على الوصول إليها وتمتلك حلولا أكثر مرونة من الشرطة الملتزمة باللوائح والقوانين، ومجموعة من الشخصيات التي تعرف أجزاء مختلفة من السر، ثم تُقتل قبل أن تتمكن من كشف ما تعرفه للمحقق والصحفية.
يتبع المسلسل كذلك التقليد الحديث في المسلسلات الغربية التي تشير بأصابع الاتهام إلى المؤسسات الحكومية والأفراد في مواقع المسؤولية الذين يحاولون حماية النظام، والسياسيين الذين يبحثون عن فرص لتعزيز مواقعهم، وهي عناصر تنتمي إلى قاموس الإثارة السياسية المعاصرة.
بينما يتبع تصعيد الأحداث المنطق المألوف نفسه، من الكشوفات المتتالية، ومشاهد الحركة والانفجارات والمطاردات التي تمنح المسلسل شكلا عالميا يسهل التعرف عليه.
على الجانب الآخر، لا تستفيد معالجة المسلسل من أحد أهم تقاليد أفلام الوحوش اليابانية الكلاسيكية، التي لم تكن مجرد أعمال تركز على الكائنات الخارقة، بل استغلت هذه الكائنات وسيلة للتعبير عن مخاوف اجتماعية وأخلاقية مرتبطة باللحظة التي أُنتجت فيها تلك الأعمال.
مصدر الصورة
عندما تتقدم الصورة على الكتابة
هناك جانب يصعب إنكار نجاح مسلسل "رجل البخار" فيه، وهو قدرته على تحويل الفكرة الأساسية للشخصية إلى عرض بصري مبهر. أهم ما يميز المسلسل قدرة رجل البخار على التحول بسهولة إلى غاز، وهو ما حرص صناع العمل على تقديمه كل مرة بشكل مثير ومتجدد، سواء في اختراق الحواجز أو المطاردات أو الظهور في أماكن يستحيل الوصول إليها.
يرجع ذلك إلى حد كبير إلى التحضير الطويل الذي قامت به شركة "شيروغومي" (Shirogumi) المسؤولة عن المؤثرات البصرية، والتي عملت على شكل رجل البخار قبل التصوير بعام ونصف، واستعانت بفناني مانغا (القصص المصورة اليابانية) لإنتاج نحو 200 تصور بصري للشخصية، قبل تطوير عدد مماثل تقريبا من التصورات باستخدام المؤثرات الرقمية، كما تولى ماسانوري تاكاهاشي الذي عمل مشرفا على المؤثرات البصرية في "غودزيلا ناقص واحد" (Godzilla Minus One) المهمة نفسها في المسلسل.
ونتيجة لذلك التحضير، تظهر مشاهد الحركة بمستوى تقني لافت بالنسبة إلى إنتاج تلفزيوني ياباني، فمشاهد المطاردات والانفجارات و"الأكشن" صُممت عناصر رئيسية في تجربة المشاهدة، لكن ارتفاع مستوى التنفيذ التقني لهذه التتابعات يجعل من السهل ملاحظة بساطة المادة الدرامية التي تقدمها الحلقة بالكامل.
الصورة في "رجل البخار" أكثر تعقيدا وإحكاما من أفكاره، وطبقة الإبهار تخفف مؤقتا من محدودية السيناريو، لكنها لا تخفيها بالكامل، ونتيجة لذلك لا يتبقى أمام المتفرج سوى تجربة يابانية متأمركة ابتعدت عن روح العمل الأصلي، وتستعير من مسلسلات الإثارة السياسية الحديثة، مثل "سجل إجرامي" (Criminal Record) و"خيول بطيئة" (Slow Horses)، بنية المؤامرة وتدرج كشفها، من دون أن تمتلك الإحكام الفني والسياسي نفسه الذي يميز هذه الأعمال.