نجم الدين غوتسينسكي.. الإمام الأخير في وجه الجيش الأحمر
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حين انهارت الإمبراطورية الروسية عام 1917، لم تكن الثورة التي أطاحت بالقياصرة مجرد تحول في السلطة داخل موسكو وبتروغراد (سانت بطرسبورغ حاليا)؛ فقد امتدت ارتداداتها إلى جبال القوقاز حيث استيقظت تطلعات قديمة إلى الاستقلال وعادت إلى الواجهة فكرة "الإمامة الإسلامية" التي ارتبطت في الذاكرة الداغستانية بمقاومة الإمام شامل للتوسع الروسي في القرن التاسع عشر.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برز اسم نجم الدين غوتسينسكي عالم الدين الداغستاني الذي عرف مؤسسات الحكم القيصري من الداخل، قبل أن يجد نفسه في قلب صراع تتنازع أطرافه الشريعة والثورة والاستقلال، وتتداخل فيه مصالح البلاشفة والجيش الأبيض والعثمانيين والقوى المحلية. فكيف تحول رجل الدين الداغستاني إلى أحد أبرز قادة الحركة الإسلامية والوطنية في شمال القوقاز؟ وما طبيعة المشروع الذي حمله لإحياء الإمامة؟ وكيف تشابكت طموحاته مع التحولات الكبرى التي أعادت رسم الخريطة السياسية للمنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى؟
قصص مقترحة
list of 3 items* list 1 of 3 ممر "أرس" طريق تراهن عليه إيران لتغيير قواعد اللعبة في القوقاز
* list 3 of 3 جبال الـ40 لغة.. لم يكن سهلا علينا كروس استيعاب القوقاز end of list
النشأة واضطرابات عام 1917
برز نجم الدين غوتسينسكي بوصفه إحدى الشخصيات الدينية والسياسية المؤثرة في داغستان وشمال القوقاز خلال المرحلة التي أعقبت ثورة فبراير/شباط 1917 وتفكك السلطة الإمبراطورية الروسية. فقد جمع بين التكوين الديني والخبرة الإدارية والمكانة الاجتماعية الموروثة، قبل أن يصبح من أبرز أنصار إحياء مشروع الإمامة الإسلامية المستند إلى الشريعة. غير أن مشروعه لم يكن محل إجماع؛ إذ تنازع المجال السياسي في داغستان وشمال القوقاز تيارات إسلامية ومحلية وقومية واشتراكية متنافسة.
وُلد غوتسينسكي في قرية غوتسو في ناحية الآفار بداغستان. وتورد المصادر عام 1859 تاريخا مرجحا لمولده، فيما تذكر مصادر أخرى عامي 1862 و1865. وكان والده محمد دونوغو من نواب الإمام شامل خلال الحرب القوقازية في القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل لاحقا إلى العمل في الإدارة القيصرية، وقد عُرف الأب بعلمه باللغة العربية ومكانته الواسعة بين أهالي داغستان، وكافأته السلطات الروسية على خدماته بمنحه رتبة عسكرية وأراضي زراعية، الأمر الذي أسهم في تكوين ثروة عائلية كبيرة ورث نجم الدين جانبا منها عن والده وأخيه.
مصدر الصورة
وفي عام 1903 سافر، بإذن من الحاكم العسكري في داغستان، إلى الدولة العثمانية وأمضى فيها عدة أشهر اطلع خلالها على مؤلفات ومعارف دينية ومدنية، وبعد عودته إلى داغستان عمل بالتدريس في المدارس الدينية، غير أن رحلته أثارت ريبة السلطات القيصرية التي فتحت بحقه ملفا أمنيا للاشتباه في كونه "مواليا" لتركيا العثمانية التي كانت تعتبرها روسيا منذ القدم عدوا تقليديا لها.
ومع سقوط النظام القيصري إثر الثورة، وجد غوتسينسكي نفسه أمام واقع سياسي جديد أتاح له الانتقال من النشاط الديني والإداري إلى المشاركة المباشرة في تشكيل مستقبل داغستان، خاصة مع الفراغ الأمني والسياسي الذي نشأ في القوقاز. حينها انضم إلى اللجنة التنفيذية الإقليمية، وإلى المفوضية المحلية التابعة للحكومة الروسية المؤقتة، التي تشكلت في مدينة تيمير خان شورا في 9 مارس/آذار من العام نفسه، كما شارك في اللجنة الوطنية الإسلامية الداغستانية وجمعية الإسلاميين.
وفي 5 مايو/أيار 1917، أصبح عضوا في اللجنة المركزية لاتحاد الجبليين المتحدين في شمال القوقاز وداغستان، وتولى رئاسة الإدارة الدينية التابعة للاتحاد، وقد مثّل ذلك تحولا مهما في مسيرته إذ بات يجمع بين النفوذ الديني والمشاركة في المؤسسات السياسية الناشئة بعد انهيار السلطة الإمبراطورية. وفي تلك الأثناء رصدت صحيفة "كاسبي" التي كانت تصدر من أذربيجان هذا التطور، فنقلت عن المشاركين في المؤتمر قولهم: "أفاد المشاركون في مؤتمر الجبليين المتحدين بأنه قد جرى انتخاب المفتي نجم الدين غوتسينسكي وتسعة مساعدين له في المؤتمر العام لشعوب الجبال من أجل وضع أحكام الشريعة موضع التنفيذ".
مصدر الصورة
غوتسينسكي ومشروع إحياء الإمامة
كان غوتسينسكي يرى أن المرحلة الجديدة تستلزم توحيد المسلمين بعيدا عن الفوارق الطبقية والاجتماعية والمناصب الموروثة، وقد عبّر عن طبيعة أهدافه بقوله: "كلمتي الأخيرة إليكم أيها المسلمون أنني رجل جئت لإحياء ما اندثر من أحكام شريعة الله". ولم تكن الدعوة إلى الشريعة منفصلة عن الخطاب السياسي الذي تبنته الحركة القوقازية آنذاك؛ فقد رفع مؤتمر فلاديقوقاز الراية الخضراء وهي شعار الإسلام، واتخذت شعارات "الحرية" و "الشريعة" و "المساواة" و "العدالة"، في تعبير عن محاولة الجمع بين المطالب السياسية الحديثة والمرجعية الإسلامية التي احتفظت بحضور قوي في المجتمعات الجبلية القوقازية.
وفي 10 أغسطس/آب 1917، شهدت قرية أندي في داغستان انعقاد المؤتمر الثاني لمندوبي الجبليين المتحدين، حيث أُعلن غوتسينسكي إماما لشمال القوقاز وذلك بحضور ممثلين عن شعوب المنطقة إلى جانب وفود من أذربيجان وجورجيا وأوكرانيا والقوزاق، حينها تولى الشيخ أوزون حاجي السالتيني مراسم إعلان الإمامة، فيما طُرحت خلال الاجتماعات مسألة تأسيس إمامة جديدة لشمال القوقاز.
"كشف مشروع الإمامة عن خلاف عميق داخل الحركة القوقازية بشأن طبيعة النظام السياسي المنشود"
غير أن هذا الإعلان كشف عن خلاف عميق داخل الحركة القوقازية بشأن طبيعة النظام السياسي المنشود؛ إذ انقسم قادتها بين من أراد إقامة سلطة تستند إلى الشريعة والإمامة، ومن فضّل تأسيس نظام سياسي مدني، وفي ظل ذلك الانقسام وافق غوتسينسكي على الاكتفاء بمنصب المفتي رغم اعتراف قطاع من رجال الدين في شمال القوقاز به إماما.
وفي مطلع سبتمبر/أيلول من ذلك العام انضم نجم الدين إلى اللجنة الوطنية الإسلامية الداغستانية التي تأسست في مدينة تيمير خان شورا، ثم عاد المؤتمر الثاني لشعوب الجبال الذي انعقد في فلاديقوقاز (عاصمة أوسيتيا الشمالية اليوم) بين 20 و29 سبتمبر/أيلول 1917، ليقر منصبه مفتيا ورئيسا للإدارة الدينية لمسلمي شمال القوقاز بدلا من اعتماد مشروع الإمامة بوصفه الصيغة السياسية الجامعة للمنطقة.
ولم تقتصر المعارضة التي واجهت مشروع نجم الدين غوتسينسكي على القوى العلمانية، بل امتدت إلى داخل الأوساط الدينية نفسها، فعندما وصلت إلى مدينة تيمير خان شورا الداغستانية أخبار الحملة التي أطلقها نجم الدين بالاشتراك مع أوزون حاجي في المناطق الجبلية لحشد التأييد للإمامة، وتنظيم قوة عسكرية تحت شعار الجهاد، سارع الاشتراكيون إلى التواصل مع الشيخ علي حاجي الأكوشي أحد الشخصيات الدينية المؤثرة في محاولة لإيجاد ثقل ديني مقابل لنفوذ غوتسينسكي.
مصدر الصورة
وقد عكست هذه المواجهة طبيعة الانقسام الذي شهدته داغستان بعد الثورة البلشفية الروسية؛ فلم يكن الصراع يدور بين رجال الدين والاشتراكيين وحدهم، وإنما شمل أيضا خلافات بين العلماء والمشايخ بشأن شرعية الإمامة وموقع الشريعة في النظام السياسي المقترح، وطبيعة العلاقة مع القوى الجديدة التي ظهرت عقب انهيار الحكم القيصري.
وفي الوقت نفسه شهدت الشيشان وداغستان وإنغوشيا ظهور تنظيمات دينية متعددة تبنت الشريعة مرجعية لها، ورفعت شعارات إسلامية في مواجهة القوات المتدخلة والقوزاق البيض وقوات الجنرال أنطون دينيكين وغيرها من القوى العسكرية التي تنازعت السيطرة على شمال القوقاز في ظل الفراغ العسكري والأمني الحاصل يومئذ.
وهكذا غدت الراية الإسلامية الخضراء أحد أبرز رموز التعبئة السياسية والعسكرية في المناطق الجبلية، بينما تحول غوتسينسكي إلى شخصية محورية في الصراع حول مستقبل داغستان؛ ممثلا لمشروع إحياء الإمامة الإسلامية في مواجهة التصورات المدنية والاشتراكية التي أخذت تتنافس على السلطة في أعقاب الثورة الروسية.
وقد سعى الإمام نجم الدين غوتسينسكي بكل قوته إلى إقامة دولة إسلامية في شمال القوقاز تستند إلى الشريعة بالفعل، داعيا مختلف فئات المجتمع إلى المشاركة في تحقيق مشروعه، كل بحسب إمكاناته، حيث خاطب العلماء والمشايخ والأثرياء وأصحاب النفوذ العسكري بقوله: "أعينوني كل بحسب استطاعته وقدرته في هذه المهمة الجسيمة؛ فليُسهم العلماء بعلمهم، والمشايخ بدعائهم ومشورتهم، وأهل العقل بحكمتهم، والأغنياء بأموالهم، والشجعان بشجاعتهم… أعينوني جميعا".
"لم يقتصر مشروع غوتسينسكي على الدعوة الدينية، بل شمل تأسيس إدارة تتولى تطبيق الشريعة وتعيين مسؤولين مختصين بشؤونها في الأقاليم"
ولم يقتصر مشروعه على الدعوة الدينية، بل شمل تأسيس إدارة تتولى تطبيق الشريعة وتعيين مسؤولين مختصين بشؤونها في الأقاليم، وتشكيل قوات عسكرية لحماية الدولة المنشودة، ومع تصاعد التهديدات القادمة من القوات الروسية البيضاء المعارضة للبلاشفة والحمراء المؤيدة لهم، انصرف بصورة أساسية إلى تنظيم جيش يتولى الدفاع عن مسلمي القوقاز.
وفي خطابه السياسي دعا غوتسينسكي إلى تجاوز الانقسامات المذهبية والجغرافية، مؤكدا ضرورة توحيد المسلمين من الشافعية والحنفية والشيعة وسكان شمال القوقاز وجنوبه في مواجهة الأخطار المشتركة سواء من الجيش الأبيض أم الأحمر.
مصدر الصورة
ومن اللافت أن الإمام نجم الدين كان يتابع التطورات الدولية في عصره، ولا سيما من خلال الصحف التركية التي كان يجيد لغتها، ويذكر سيفينغ علييف وعلي عسكر في دراستهما "محاولات الإمام نجم الدين غوتسينسكي إقامة دولة دينية في القوقاز وعلاقاته بالدولة العثمانية" أن تكوينه العلمي ومهاراته السياسية أسهما في توسيع دائرة مؤيديه، حتى أصبح أحد أبرز الزعماء الذين التفّت حولهم القوى المناهضة للبلاشفة في داغستان بمن فيهم عدد من الضباط.
ومع ذلك تعرض غوتسينسكي لانتقادات بسبب موقفه من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تئن تحته طبقات كثيرة من القوقازيين؛ إذ رأى بعض معاصريه أنه لم يسعَ إلى إزالة الفوارق الطبقية على غرار الإمام شامل الذي عمل على تقويض الامتيازات الاجتماعية، كما تجنب غوتسينسكي التدخل المباشر في قضايا الأراضي الإقطاعية مقترحا إحالتها إلى مؤتمر يضم علماء من بخارى وقازان والقرم والدولة العثمانية.
لقد كان شغله الشاغل منصبا على تأسيس دولة إسلامية في شمال القوقاز وتقويتها أمام خطر الجيشين الأحمر والأبيض الروسيين، غير أن التراجع عن مشروع الإمام والقبول بلقب المفتي أثار غضب عضيده وأحد أبرز المتحمسين للإمامة الشيخ أوزون حاجي ودفعه إلى سحب قواته من المدينة. وقد استغل خصومه هذا الانقسام لإلغاء انتخاب غوتسينسكي، وتعيين الشيخ علي حاجي الأكوشي مفتيا لداغستان.
المواجهات العسكرية أمام الجيوش الروسية
وسرعان ما تحول الصراع إلى مواجهة عسكرية؛ إذ سيطرت قوات نجم الدين غوتسينسكي على تيمير خان شورا في يناير/كانون الثاني، ثم على بتروفسك في 23 مارس/آذار 1918، بعد اشتباكات مع البلاشفة الذين بدأوا في التدخل بصورة قوية في المنطقة منذ ذلك الحين، كما قطعت القوات الجبلية طرق اتصال البلاشفة أو الجيش الأحمر بمناطق الحبوب في شمال القوقاز. وهناك أعادت القيادة البلشفية حشد قواتها مستعينة بتشكيلات مسلحة أرمينية ووحدات من أسطول بحر قزوين والحرس الأحمر، استعدادا لاستعادة مواقعها ومواجهة القوى المناهضة لها.
مصدر الصورة
وفي امتداد لتحركاته العسكرية المناهضة للبلاشفة في داغستان، اتجه نجم الدين غوتسينسكي إلى مساندة مسلمي أذربيجان عقب أحداث العنف التي شهدتها باكو في مارس/آذار 1918، فقد تلقّت القيادات الداغستانية نداءات استغاثة من شخصيات أذربيجانية بارزة تطالبها بالتدخل لإنقاذ المسلمين من الهجمات التي نُسبت إلى البلاشفة وقوات الطاشناق الأرمينية الموالية لهم.
وعقدت اللجنة الوطنية الداغستانية اجتماعا لبحث الموقف وقتئذ انتهى إلى إقرار التدخل العسكري، رغم معارضة بعض الاشتراكيين الذين طالبوا بعدم الانخراط في صراعات جنوب القوقاز، وفي أواخر مارس/آذار من ذلك العام حشد غوتسينسكي أنصاره في خاسافيورت، معلنا أن نجدة مسلمي باكو باتت أولوية، ثم تحركت قوات داغستانية بقيادة الجنرال ب. لازاريف والعقيدين م. جعفروف وج. موسالاييف، وانضم إليها مريدو غوتسينسكي ومتطوعون من شعوب داغستان مثل الكوميك والتاباسارانيين واللزجين لإنقاذ إخوانهم الأذر من ظلم الجيش الأحمر.
وبالفعل تقدمت هذه القوات جنوبا والتحقت بها تشكيلات محلية من شمال أذربيجان حتى وصلت إلى محطة خيردالان القريبة من باكو، وهناك اندلعت مواجهات عنيفة مع القوات البلشفية يومي 7 و8 أبريل/نيسان 1918، بعدما فشلت محاولة للتفاوض بين الطرفين؛ غير أن تفوق البلاشفة في المدفعية والتعزيزات العسكرية حال دون وصول القوات الداغستانية إلى المدينة، واضطرها إلى الانسحاب نحو نقطة داربند في 10 أبريل/نيسان.
وهكذا انتهت محاولة الإمام غوتسينسكي التدخل عسكريا في باكو دون تحقيق هدفها، لكنها كشفت عن امتداد نشاطه خارج داغستان، وسعيه إلى توظيف الروابط الدينية والتضامن بين مسلمي القوقاز في مواجهة السلطة البلشفية الجديدة.
"انتهت محاولة الإمام غوتسينسكي التدخل عسكريا في باكو دون تحقيق هدفها"
وعقب إخفاق حملته على باكو في أبريل/نيسان 1918، عاد الإمام نجم الدين غوتسينسكي إلى داغستان لمواصلة مقاومة البلاشفة الذين تمكنوا وقتها من استعادة مدينة بتروفسك أو محج قلعة العاصمة التاريخية لداغستان، وفي مايو/أيار تحالف الإمام مع الشيخ أوزون حاجي وعدد من الزعماء والضباط المحليين، وأعلنوا في منطقة غونيب إعادة تشكيل حكومة برئاسته وتنظيم جيش للمقاومة والجهاد، غير أن محاولاتهم لاستعادة مدينة تيمير خان شورا لم تنجح، فانسحبت قواتهم إلى المناطق الجبلية الوعرة للحماية والكرة من جديد.
ومع وصول القوات العثمانية إلى القوقاز خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها، نسّق غوتسينسكي عملياته معها وتمكنت القوات العثمانية والأذربيجانية من السيطرة على داربند وبتروفسك في خريف 1918، وانتقلت السلطة إلى حكومة الجمهورية الجبلية التي شارك فيها الإمام، لكن هذا التحالف لم يدم طويلا؛ إذ فرضت هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وانتهاء القتال في أكتوبر/تشرين الأول 1918 انسحاب قواتها من القوقاز الأمر الذي حرم الجمهورية الجبلية الوليدة من سندها العسكري الخارجي.
وفي مطلع عام 1919، تقدمت قوات الجيش الأبيض المناوئ للبلاشفة بقيادة الجنرال أنطون دينيكين نحو شمال القوقاز، وكان الجيش الأبيض يضم تشكيلات روسية عسكرية ضمت ضباطا من الجيش القيصري السابق وقوى سياسية وعسكرية مختلفة، وكان دينيكين يرفض الاعتراف باستقلال الجمهورية الجبلية، كما كان يرفض الاعتراف بسلطة الشيوعيين البلاشفة.
وفي أبريل/نيسان 1919، شارك غوتسينسكي في مفاوضات مع دينيكين في غروزني عاصمة الشيشان، لكن الأخير رفض الاعتراف بالحكومة الجبلية أو استقلالها، ومع انهيار مشروع الدولة الوليدة انسحب غوتسينسكي إلى جبال داغستان، وواصل نشاطه السياسي والعسكري وأرسل ممثلين إلى باريس للدفاع عن مطلب الحكم الذاتي للإقليم، غير أنه في سبتمبر/أيلول 1919 تجددت المقاومة في شمال القوقاز بقيادته وبتضامن الشيخ أوزون حاجي في الشيشان، وكذلك سلطان قليتش غيراي في شمال غرب القوقاز.
وفي تلك الأثناء برز دور نوري باشا شقيق أنور باشا وزير الحربية العثماني، والقائد السابق لجيش الإسلام القوقازي، الذي قاد التدخل العسكري العثماني في أذربيجان عام 1918، وأسهم في دخول باكو في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، ورغم انسحاب القوات العثمانية النظامية عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، استمر نوري باشا في نشاطه بالقوقاز محاولا توحيد القوات الإسلامية والوطنية المحلية لمواجهة البلاشفة.
"شارك غوتسينسكي في مفاوضات مع دينيكين في غروزني عاصمة الشيشان"
ولهذا السبب عينه أجرى اتصالات مع الإمام الأخير غوتسينسكي وعلي حاجي الأكوشي وعدد من قادة المقاومة القوقازية المحليين، واعدا بتقديم مساعدات عسكرية من أذربيجان، لكن الخلافات بين الزعماء حالت دون تشكيل قيادة موحدة.
ومع عودة الجيش الأحمر إلى بسط سيطرته على المنطقة، قاد غوتسينسكي بالاشتراك مع العقيد عليخانوف انتفاضة واسعة جديدة بدأت أواخر صيف 1920 وامتدت إلى مناطق وسط وغرب داغستان مثل الآفار وأندي وغونيب وأجزاء من الشيشان، وتمكن المقاتلون من السيطرة على عدد من القرى والمواقع العسكرية وحاصروا مناطق خونزاخ وغونيب كما حاولوا استعادة مدينة تيمير خان شورا الإستراتيجية التي كان قد استولى عليها البلاشفة، وبحلول يناير/كانون الثاني 1921، أقرت التقارير السوفياتية بأن الانتفاضة القوقازية شملت نحو خمسي داغستان، وشارك فيها أنصار الجمهورية الجبلية وقوى وطنية ودينية جمعتهم معارضة الحكم البلشفي رغم اختلاف أهدافهم.
ولقد اعتمد الإمام نجم الدين غوتسينسكي في تحركاته وقتئذ على المناطق الجبلية والحدودية مع جورجيا التي شكلت قاعدة مهمة للدعم والإمداد، غير أن سقوط الحكومة الجورجية أمام الجيش الأحمر في فبراير/شباط 1921 حرمه من هذا الدعم الخارجي، وأسهم في انهيار الهجوم الرئيسي لقواته بحلول منتصف مارس/آذار، وأعقبت ذلك حملات عسكرية سوفياتية في داغستان والشيشان، اضطرته إلى الاختباء والتنقل بين القرى الجبلية.
خريطة داغستان – محج قلعة (الجزيرة)نهاية الإمام الأخير!
ورغم ذلك التضييق لم يتخلَّ غوتسينسكي عن مشروعه السياسي؛ إذ أوفد مبعوثه أحمد خان الآفاري الداغستاني إلى الخارج عام 1922 طلبا للاعتراف بمشروع استقلال شمال القوقاز وتأمين الدعم له، كما أجرى اتصالات بممثلين أجانب كان من بينهم ضابط بريطاني يدعى ويليامز الذي تشير إفاداته أثناء التحقيق إلى أنه ناقش معه مساعدات محتملة مقابل امتيازات اقتصادية واسعة، شملت حقول النفط والمناجم والمواصلات، دون أن يثبت من هذه الإفادة وحدها التوصل إلى اتفاق رسمي.
وفي عامي 1923 و1924 حاول غوتسينسكي إحياء المقاومة بالتعاون مع الشيخ الشيشاني علي ميتاييف، مستفيدا من اتصالاته بالشخصيات والمنظمات المناهضة للسوفيات في تركيا وجورجيا وأذربيجان، غير أن السلطات السوفياتية كثفت حملاتها العسكرية والأمنية لملاحقته، وتمكنت من اعتقال الشيخ علي ميتاييف في أبريل/نيسان 1924، ففقد غوتسينسكي أحد أبرز حلفائه في الشيشان، وتزامنت هذه التطورات مع الانتفاضة الجورجية المناهضة للسوفيات في أغسطس/آب من العام نفسه، التي حاول منظموها توسيع نطاقها إلى شمال القوقاز لكنها أُخمدت سريعا.
ومع انحسار حركة المقاومة وتزايد الضغط العسكري والأمني السوفياتي، اضطر الإمام نجم الدين غوتسينسكي إلى التنقل بين المناطق الجبلية في داغستان والشيشان للاختباء، ولكن في النهاية تمكنت السلطات السوفياتية من تعقّب مخبئه في منطقة تسمى شاتوي، واعتقاله في 5 سبتمبر/أيلول 1925، وذلك خلال حملة واسعة استهدفت نزع سلاح السكان وإنهاء ما تبقى من المقاومة المسلحة.
وتورد بعض الروايات التي يذكرها كل من علي عسكر وعلييف في دراستهما السابقة أن نجم الدين غوتسينسكي وافق على تسليم نفسه مقابل الإفراج عن ستة عشر شيشانيا اعتُقلوا بسبب صلتهم به، وعقب اعتقاله نُقل إلى مدينة روستوف على نهر الدون حيث خضع للتحقيق، قبل صدور قرار بإعدامه رميا بالرصاص، الذي تذكر بعض المصادر أنه نُفذ في 28 سبتمبر/أيلول 1925، بينما ترجح مصادر أخرى تاريخ 15 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
وبذلك أُسدل الستار على مسيرة أحد أبرز الزعماء الدينيين والسياسيين في شمال القوقاز خلال سنوات الثورة الروسية والحرب الأهلية، بعدما ارتبط اسمه بمشروع إقامة حكم إسلامي مستقل في داغستان، وبالمقاومة المسلحة للسلطتين الروسية البيضاء والسوفياتية، في صراع امتد قرابة ثمانية أعوام، محاولا إحياء الإمامة القوقازية على خطا الإمام شامل.