سوريا.. هل تهدد تركة الاستملاك مشاريع الإعمار؟
تحول ملف الاستملاكات القديمة في سوريا إلى عنوان بارز في الشارع وعلى أجندة الحكومة الأسبوع الماضي، في وقت تشهد فيه مناطق سورية متفرقة احتجاجات المتضررين من استملاك أراضيهم، داعين لتسوية أوضاعها مع بدء تنفيذ مشروعات استثمارية على بعض تلك الأراضي، المستملكة منذ عقود.
احتجاجات في ريف دمشق وحمص
وشارك عشرات الأشخاص من ريف دمشق الغربي، في 26 سبتمبر/أيلول الجاري، في وقفة احتجاجية تخللها قطع للطرقات في منطقة قدسيا، وإيقاف آليات الحفر والتمهيد التابعة لمشروعي "شام فيو" و"أبيات هيلز" السكنيين في منطقتي قدسيا والمعضمية.
وأطلقت شركة "أبيات" السعودية للاستثمار والتطوير العقاري مع المؤسسة العامة للإسكان في يونيو/حزيران الماضي مشروع "أبيات هيلز" في ضاحية قدسيا بمساحة تصل إلى نحو 380 ألف متر مربع.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 قوات الاحتلال تعتقل شابا بالقنيطرة وتتوغل في وادي اليرموك غربي درعا
* list 2 of 2 انفجارات تهز مطار تفتناز العسكري بريف إدلب end of list
كما أعلنت شركة "ثرا" السعودية للتطوير والاستثمار العقاري بالشراكة مع المؤسسة العامة للإسكان في 25 أغسطس/آب الماضي عن مشروع "شام فيو" غربي دمشق على مساحة 1.78 مليون متر مربع.
كما نظَّم عدد من أهالي حي القرابيص في مدينة حمص، وقفة احتجاجية أمام مبنى المحافظة، يوم 28 سبتمبر/أيلول الماضي، اعتراضاً على ارتباط أراضٍ مستملكة في المنطقة، بمشروع "بوليفارد" مطالبين بمراجعة أوضاع حقوق أصحاب العقارات المستملكة.
ومشروع "بوليفارد" أطلقته محافظة حمص في أغسطس/آب الماضي، وهو مشروع سكني وتجاري وسياحي وإداري متكامل، يضم نحو 2500 وحدة سكنية، ضمن مساحة تبلغ نحو 500 ألف متر مربع للمباني.
استرداد العقار المستملك
ويؤكد القانونيون أحقية ملاك الأراضي باستعادة أراضيهم المستملكة بعد مضي خمس سنوات على مرسوم الاستملاك "دون الاستفادة منها للغرض المستملكة من أجله".
وتعود معظم الاستملاكات هذه لعهد حافظ والد الرئيس المخلوع بشار الأسد، لكن سقوط النظام نهاية عام 2024، أحيا آمال الكثير من أصحاب هذه الاستملاكات الذين يقولون في احتجاجاتهم، إنهم خسروا أراضيهم لصالح قوانين استملاك لم تمنحهم حقهم.
وقال المحامي أحمد إبراهيم – كبير المستشارين في المركز السوري للاستشارات القانونية والإستراتيجية- إنه يحق للمالك الأصلي وورثته المطالبة باسترداد العقار المستملك، ضمن شروط انتفاء صفة النفع العام أو عدم البدء جديا بتنفيذ المشروع، وإعادة بدل الاستملاك الذي قبضه المالك سابقا للجهة التي استملكت العقار.
وأضاف إبراهيم لـ"سوريا الآن"، أنه لا يجوز تغيير غرض الاستملاك، موضحا أن "الاستملاك هو استثناء على حرمة الملكية الفردية، وهو مرتبط حصرا بالمشروع المذكور عبر مرسوم الاستملاك"، مضيفا أنه إذا غيّرت المؤسسة المختصة غرض استعمال الأراضي المستملكة لغرض آخر، خاصة إذا كان استثماريا أو تجاريا من دون صدور مرسوم جديد أصولا، فإن هذا "التصرف غير مشروع".
وقال إن هذا التغيير يمنح الحق لصاحب العقار، بالطعن أمام القضاء الإداري لإلغاء التخصيص الجديد والمطالبة باسترداد أرضه.
وأكد أن قانون الاستملاك أعطى الجهة المستملكة مهلة 5 سنوات، بعد صدور مرسوم الاستملاك، لتسديد قيمة الاستملاك مباشرة أو عبر إيداعه في المصرف للمالكين.
وأضاف إذا مضت 5 سنوات دون دفع المبلغ لا تعود ملكية الأرض تلقائيا بمجرد انقضاء المدة، موضحا أنه لا بد من اتخاذ مجموعة إجراءات ورفع دعوى أمام القضاء الإداري لإثبات تقاعس الإدارة واستصدار حكم إداري باسترداد العقار.
أضرار بالاستثمار
بدورهم، يلفت أكاديميون وخبراء اقتصاديون إلى احتمالية تأثر الاستثمارات جراء عدم حسم ملف ملكية الأراضي في بعض المشاريع العقارية، ونبه الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم، إلى أن الاستثمار العقاري يقوم على "الوضوح والاستقرار في حقوق الملكية"، بحيث تكون الملكية واضحة ومعروفة، وحقوق الدولة والمستثمر والتعويضات المحددة لأصحاب الأرض وقابلية تنفيذها قانونيا دون أن تتحول إلى موضوع للنزاع.
وقال عبد الكريم في تصريح لـ"سوريا الآن"، إن المستثمر قد ينظر بعين "عدم اليقين" مع مشاهدة احتجاجات على ملكية الأراضي في منطقة استثماره، لأن "المستثمر هنا لا يعرف ماذا سوف يحصل، وما إذا كانت المشكلة ستنتهي، مما يجعله قلقا على مشروعه".
الأولوية لثقة المستثمرين
في السياق ذاته، أكد الخبير الاستثماري الدكتور خالد الحمدي، أن الاحتجاجات تؤثر على خطط الاستثمار العقاري خصوصا إذا بقي ملف الملكيات والاستملاك "دون حسم"، مضيفا في تصريح لـ"سوريا الآن"، أن تلك الاحتجاجات لا تعني بالضرورة تعطيل مشاريع إعادة الإعمار بالكامل.
وأضاف الحمدي أن "جوهر العملية الاستثمارية يكمن في ثقة المستثمر"، مضيفا:"عندما تكون ملكية الأرض محل نزاع، قد يتردد المستثمر أو يتأخر التمويل والتنفيذ، كما حدث مع توقف آليات العمل في مشاريع بقدسيا".
بدوره، حذر عبد الكريم من أن وصول الاعتراضات المرتبطة بالاستملاك إلى موقع المشروع، وإيقاف آليات العمل "ينقل القضية من إطارها القانوني إلى الخسارة المالية المباشرة"، مضيفا أن فترة التوقف تعني تكلفة زائدة مرتبطة بالتمويل بالدرجة الأولى ثم تكاليف الأجور والمعدات والإيجارات وارتفاع سعر مواد البناء، موضحا أنه "كلما ارتفعت مخاطر النزاعات العقارية طالب المستثمر بعوائد أكبر أو علاوة المخاطر".
وقال إن الضرر يتجاوز حدود مشروع واحد ليفرض حالة من المخاطر على المشاريع المنفذة في السوق السورية جراء هذا الملف.
مصدر الصورة
تثبيت الملكيات والتعويض
ودعا الحمدي إلى مراجعة ملفات الاستملاك، وتثبيت الملكيات والتعويضات، وتسوية النزاعات قبل إطلاق أي مشروع استثماري، مضيفا أن هذه الطريقة "تحمي المستثمر والدولة وتحفظ حقوق الأهالي في الوقت نفسه".
لكنه أكد وجود "صعوبة بالتعويض المالي المباشر على خزينة الدولة في ظل تعثر بالسيولة، ووجود أولويات تستنزف الخزينة على رأسها كتلة الرواتب والمخيمات وإعادة بناء المؤسسات الحكومية".
وقال الحمدي إن معالجة ملف الاستملاك بسرعة وشفافية ليست عائقا أمام إعادة الإعمار، بل قد تكون شرطا لجذب استثمارات عقارية كبيرة ومستدامة، مؤكدا أن المستثمر لا يحب الضبابية.
حصص بالمشاريع الاستثمارية
من جهته، يرى عبد الكريم أن "الحل النقدي مكلف جدا لأن الأمر يتعلق بآلاف الاستملاكات"، وهناك "التزامات مالية كبيرة على الدولة"، داعيا للتركيز على البدل العيني.
وقال عبد الكريم إن "البدل العيني أكثر منطقية اقتصاديا عبر تخصيص صاحب الأرض بحصة عادلة من المشروع موضع الاستملاك"، موضحا أن الأولوية اليوم هي لتحويل الأراضي موضع الخلاف من أصول مجمدة إلى أصول منتجة.
وأوضح الخبير الاستثماري أن "تسوية الحقوق يجب أن تتم بأقل ضغط على الخزينة وتخفيف المخاطر على المستثمر وتحويل الأراضي المجمدة إلى منتجة"، مضيفا أنه إذا تحققت هذه المعادلة "فستحمي الدولة حقوق الملاك وتخفض تكلفة الاستثمار وتحرك سوق العقارات".
"شرعية الاستملاك"
ودافعت وزارة الأشغال والإسكان السورية عن شرعية الاستملاك مؤكدة أنه "أداة قانونية وشرعية تعتمدها جميع دول العالم لتنفيذ الطرق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية والمدن والمشاريع السكنية".
وأضافت في بيان توضيحي – حول الأراضي المستملكة والمشاريع العمرانية الجديدة الأسبوع الماضي – أن وجود اعتراض على حالة محددة لا يعني بطلان الاستملاك بوصفه أداة ولا يلغي جميع القرارات والإجراءات المتخذة بموجبه.
وعلى الأرض، أعلنت الوزارة بالتعاون مع محافظة ريف دمشق عن افتتاح مكتب في بلدية ضاحية قدسيا لـ"استقبال شكاوى المواطنين وطلباتهم المتعلقة بهذا الملف ودراستها".
بدورها، أعلنت المؤسسة العامة للإسكان عن فتح باب التعويض لأصحاب الأراضي ممن "لم يحصلوا على البدل العيني لقاء أراضيهم المستملكة".
وقال مدير عام المؤسسة تمام الدبل – في مقابلة مع الإخبارية السورية- إن هذا البديل "يتمثل بمساحات طابقية تمنح لأصحاب الأراضي المستملكة، بمعايير وشروط حددتها المؤسسة".