قبل أن تضغط "مشاركة".. ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي بقراراتك؟
قبل أشهر قليلة، وقف باحثون أمام لجنة المناقشة في جامعة السوربون، للدفاع عن أطروحة ماجستير انطلقت من سؤال بدا يومها بسيطا: لماذا يضغط الناس زر "المشاركة"؟ كان البحث يركز على الدوافع الخفية وراء تلك النقرة الصغيرة التي قد تحمل خبراً صادقاً أو كذبة متقنة، وعلى الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في هذه المعادلة.
لكن أخبار الأسابيع الأخيرة أعادت طرح السؤال من زاوية مختلفة. لم يعد السؤال فقط: لماذا نشارك ما لم نتحقق منه؟ بل أصبح: ماذا لو كانت الأداة التي نستعين بها في التحقق هي ذاتها التي تتعلم كيف تخفي طريقة تفكيرها عنا؟
ما قالته الشركات عن نفسها
في 3 سبتمبر، أطلقت " أوبن إيه.آي" نموذجها الجديد "أسترا"، ووصفته بأنه الأفضل حتى الآن. لكن اللافت لم يكن في قدراته، بل في اعتراف الشركة نفسها بأن النموذج يميل بدرجة أكبر إلى إخفاء أو تمويه خطوات استدلاله، ما يصعب على البشر تقييم ما فعله لاحقا، وهو الأمر الذي نبهت إليه مخرجات أطروحة الماجستير من ضرورة أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي واستخدام نتائجه تحت المراقبة والحكم والمراجعة البشرية.
وقال كبير علماء "أوبن إيه.آي"، ياكوب باتشوكي،إن فهم ما تستطيع النماذج فعله بدقة يزداد صعوبة كلما ازدادت قدرتها، وإن التقدم في الذكاء لا يضمن التقدم في المواءمة مع القيم البشرية.
وسبق ذلك حادث يوليو، حين تمكن وكلاء ذكاء اصطناعي من الخروج من بيئة اختبار آمنة والوصول إلى أنظمة منصة "هاغينغ فيس"، في محاولة لإخفاء آثارهم، ثم توالت استقالات وتحذيرات علنية من باحثين داخل كبرى المختبرات، ودعا الرئيس التنفيذي لـ" أنثروبيك"، داريو أمودي، إلى إبطاء وتيرة تطوير القدرات، وأيده في ذلك سام ألتمان وإيلون ماسك.
في المقابل، لا يجمع الجميع على هذه القراءة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف المخاوف بأنها مبالغ فيها وحذر من أن الإبطاء يخدم الصين، ورفض رئيس " إنفيديا"، جينسن هوانغ، دعوات التعليق، فيما ترى "ميتا" أن كل مختبر يحدد وتيرته بنفسه. هذا الانقسام بحد ذاته جزء من القصة.
ما قاله الناس قبل أن تقوله الشركات
حين أُجريت 25 مقابلة معمقة واستُطلع 110 مشاركين في بحث أطروحة الماجستير، لم تكن هناك نبوءة بما سيحدث، لكن المشاركين وضعوا أيديهم، بحس فطري لافت، على الشرط الذي تهتز اليوم أركانه.
قال أحد المشاركين عن أدوات الذكاء الاصطناعي في التحقق: "سأستخدمها، ولكن كخطوة أولى فقط. سأظل أرغب في مراجعة المصادر بنفسي". وقال إعلامي آخر: "الذكاء الاصطناعي ليس معصوما، ويعمل بأفضل صورة حين يقترن بالحكم التحريري البشري".
والأرقام قالت الشيء نفسه بلغة أخرى. فقد نال الذكاء الاصطناعي تقديرا مرتفعا لفائدته، لكن المخاوف من أخطائه وضعف فهمه للسياق والإفراط في الاعتماد عليه حصلت على درجات أعلى. وحين سُئل المشاركون عن مصادفتهم لمنشورات مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي، قال 32 بالمئة إنهم يصادفونها كثيرا، بينما أجاب 20 بالمئة بأنهم "غير متأكدين". وتكشف هذه النسبة جانبا لافتا: فأن لا يعرف الشخص إن كان قد خُدع هو في ذاته شكل من أشكال فقدان السيطرة.
وخلص البحث إلى أن الذكاء الاصطناعي يعمل "داخل إطار يحكمه الإنسان"، وأنه "مكون داعم وتابع" في عملية التقييم، وأن القرار الأخير يبقى للبشر. كانت هذه خلاصة مطمئنة، لكنها كانت تقوم على افتراض ضمني لم يُختبر: أن الأداة شفافة بما يكفي لكي يحكم عليها الإنسان.
من يراقب المراقب؟
في الفصل النظري من الأطروحة، استُعرضت دراسات تحذر من أن غياب الشفافية في القرارات الخوارزمية يضعف المساءلة، وأن الانحيازات الكامنة في بيانات التدريب قد تتسرب إلى أحكام الآلة دون أن ينتبه إليها، كان الحديث آنذاك عن "صندوق أسود" لا يفهم محتواه بالكامل.
ما تغير اليوم أن الصندوق لم يعد أسود فقط، بل قد يتعلم كيف يرسم على جدرانه صورة غير ما في داخله، فحين تقول الشركة المطورة إن نموذجها يتحسن في إخفاء آثاره، ينتقل الأمر من مشكلة الغموض إلى مشكلة المراوغة، ومعادلة التحقق التي بني عليها العمل الصحفي لعقود، "لا تصدق حتى تتحقق"، تواجه سؤالا جديدا: كيف تتحقق من المتحقق؟
وإذا كانت الأطروحة قد وجدت أن الناس يثقون بالأداة كخطوة أولى ثم يعودون إلى حكمهم الخاص، فإن الخطر الحقيقي ليس في أن تخطئ الآلة، بل في أن تقنع مستخدمها بأنها لم تخطئ.
السرعة في مواجهة المصداقية
ما يلفت في المشهد الحالي تشابه لم يكن متوقعا، فقد انتهت الأطروحة إلى أن منصات التواصل مصممة لتكافئ السرعة والانتشار على حساب الدقة، وأن الثقافة الرقمية الناضجة تتجه، ولو ببطء، نحو تقديم "المصداقية على الانتشار".
واليوم، يدور الجدل داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها حول المعضلة ذاتها بمقياس أكبر: هل نبطئ التطوير ونخاطر بالتخلف عن المنافسين، أم نمضي قدما ونخاطر بفقدان السيطرة؟ إنه السؤال الذي يواجهه أي مستخدم أمام خبر عاجل لم يتأكد منه، لكنه مطروح الآن على شركات تتسابق نحو تقييمات بتريليونات الدولارات.
وتشير نتائج البحث إلى أن التريث ليس ضعفا، بل هو جوهر المسؤولية. وربما يصح هذا الدرس على المختبرات كما يصح على الأفراد.
ماذا بقي في يد الإنسان؟
لا ينتهي هذا الطرح بنبرة تشاؤم. فقد رصدت الأطروحة نفسها ثقافة رقمية تنضج، ومستخدمين يتحققون ويصححون ويفضلون المصادر المؤسسية الموثوقة.
لكن توصياتها تكتسب اليوم إلحاحا جديدا: محو أمية رقمية يتجاوز تقنيات التحقق إلى فهم الانفعالات والانحيازات الإدراكية وطريقة عمل الخوارزميات، ومعايير أخلاقية للذكاء الاصطناعي تضعها جهات مستقلة، ومؤسسات تتحلى بالشفافية حول استخدامها لهذه الأدوات. ويبدو لافتا أن مقترحات أمودي، من مراجعين مستقلين داخل الشركات إلى تنسيق معايير السلامة، تتقاطع مع هذا المنطق نفسه: لا ثقة دون رقابة، ولا رقابة دون شفافية.
وخلصت الأطروحة إلى أن الذكاء الاصطناعي أداة واعدة لكنها محدودة، وأن فاعليتها تعتمد على مستخدمين مستعدين للتوقف والتفكير قبل التصرف. واليوم، يبدو أن معنى هذه الخلاصة قد اتسع. فقد كان الحديث عن لحظة التوقف قبل زر "المشاركة"، بينما يبدو السؤال الأكبر الآن هو ما إذا كان البشر سيحتفظون بالقدرة على الضغط على زر "الإيقاف".