يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن العلاقات مع الصين لم تكن في أي وقت أفضل مما هي عليه الآن. لكن السؤال هو إن كانت هذه الأجواء الودية قادرة على مساعدة واشنطن في إيجاد مخرج من الحرب مع إيران.

وقد أسفرت القمة الودية التي عقدها ترامب في البيت الأبيض مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الخميس، عن تأييد من بكين لاستئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها لم تتضمن أي التزامات باستخدام النفوذ الصيني لدفع طهران نحو تسوية.

ويرجع ذلك إلى أن الصين، رغم امتلاكها نفوذا كبيرا على إيران، لا ترى حافزا كبيرا لاستخدام هذا النفوذ لصالح واشنطن، في وقت تستنزف فيه الحرب اهتمام الولايات المتحدة وتزيد في الوقت نفسه من اعتماد طهران على بكين، وفقا لما قاله محللون لـ “الحرة”.

وقال غرانت روملي، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية ومدير برنامج التنافس بين القوى الكبرى والشرق الأوسط في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى:

“من المؤكد أن الصين تمتلك قدرا كبيرا من النفوذ على إيران.”

وأضاف: “لكن لم تظهر أي مؤشرات على استعداد الصين لاستخدام هذا النفوذ. ويبدو أن شي مرتاح تماما لترك الولايات المتحدة غارقة في هذا الصراع”.

مبررات بكين للتعاون

قالت البيانات الرسمية الصينية عن القمة إن شي يؤيد العودة إلى مذكرة إسلام آباد التي وقعت في 17 يونيو، والتي أوقفت الأعمال القتالية مؤقتا وأدت لفترة وجيزة إلى فتح مضيق هرمز. كما يؤيد شي إجراء محادثات أميركية-إيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني.

لكن بكين لم تتعهد بخفض دعمها لإيران، أو بالضغط على القادة الإيرانيين للتوصل إلى تسوية. وبدلا من ذلك، أبقت تركيزها على عودة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.

ولا تزال الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، بما يوفر لطهران مصدرا حيويا للإيرادات خلال الحرب. كما قامت شركات صينية بتوريد مكونات أسلحة إلى الحوثيين المدعومين من إيران والذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية، وفقا لما ذكرته وزارة الخزانة الأميركية .

وقال روملي إنه يعتقد أن بإمكان بكين، إذا أرادت ذلك، التأثير بدرجة كبيرة على نهج طهران تجاه الحرب، من خلال خفض دعمها الاقتصادي والحد من عمليات نقل المواد الأولية المستخدمة في صناعة الصواريخ والمكونات ذات الاستخدام المزدوج إلى الجيش الإيراني.

لكن العقبة، بحسب قوله، تكمن في استعداد الصين لاستخدام نفوذها.

وقال روملي لـ “الحرة”: “روسيا تعتمد الآن بصورة هائلة على الصين لمواصلة حربها ضد أوكرانيا، والنظام الإيراني يعتمد بصورة متزايدة على الصين للبقاء في السلطة. وهذا ترتيب مواتٍ للغاية لدولة ترى نفسها قوة عظمى على قدم المساواة مع الولايات المتحدة.”

واستخدم شي تصريحاته العلنية في البيت الأبيض، الخميس، للتأكيد على أن الصين والولايات المتحدة، باعتبارهما القوتين الرئيسيتين في العالم، يمكنهما السعي وراء طموحاتهما الجيوسياسية من دون الدخول في مواجهة. ودعا إلى إجراء حوار عسكري منتظم بين البلدين، وإلى التركيز على تعزيز العلاقات الثنائية.

وقال شي قبل مأدبة العشاء: “من دون تعاوننا، سيكون من الصعب حل العديد من مشكلات العالم.”

ويرى راش دوشي، مدير مبادرة استراتيجية الصين في مجلس العلاقات الخارجية، أن إحجام ترامب عن تعكير صفو العلاقات الثنائية يصب في مصلحة بكين.

وقد أشار دوشي إلى تأجيل صفقات الأسلحة الموجهة إلى تايوان، ورد واشنطن المحدود على الدعم الصيني لطهران، باعتبارهما دليلين على ذلك. وكتب أن بكين تعتقد أن مكانتها الجيوسياسية النسبية آخذة في التحسن.

وكتب: “تريد بكين تمديد ما تعتبره نهج ترامب القائم على خفض التصعيد إلى ما تبقى من ولايته. وبعد ذلك، يتراجع نفوذ واشنطن أكثر.”

تكاليف تتجاوز الشرق الأوسط

ويرى رايان بروبست، نائب مدير مركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ومقرها واشنطن، أن التكاليف العسكرية للحرب مع إيران تضعف أيضا موقف واشنطن في آسيا.

وقال بروبست لـ “الحرة” إن مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الضربات بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية الدفاعية استُنزفت بشدة جراء الحرب الممتدة في الشرق الأوسط. وحذر من أن هذا الضغط قد يؤثر حتى في حسابات بكين بشأن تايوان.

وقال: “الخطر يتمثل في أن ترى الصين في ذلك فرصة لاتخاذ إجراء ضد تايوان. ومن المهم أن تعمل الولايات المتحدة على معالجة هذا الأمر بأسرع ما يمكن”.

وتعتبر الصين الجزيرة جزءا من أراضيها، وتعارض مبيعات الأسلحة الأميركية لجيشها. وفي مسعى لتخفيف حدة التوتر مع بكين، أفادت تقارير بأن إدارة ترامب كانت تدرس تأجيل الإعلان عن صفقات أسلحة كبيرة لتايوان إلى ما بعد قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في شنتشن في نوفمبر، واجتماع مجموعة العشرين في ميامي في ديسمبر.

آمال في الحصول على مساعدة صينية

بالنسبة إلى حكومات دول الخليج، يبقى التساؤل الأكثر إلحاحا هو ما إذا كانت بكين تستطيع أن تجد سببا يدفعها إلى المساعدة في إنهاء القتال في الشرق الأوسط. وقال روملي إن من المرجح أن تكون هذه الحكومات قد أصيبت بخيبة أمل بسبب غياب مبادرة صينية أكثر جوهرية.

وقال: “مرارا وتكرارا، تتطلع دول المنطقة غير الراضية عن السياسات الأميركية إلى الصين كي تستخدم نفوذها وتحقق نوعا من التوازن في مواجهة الولايات المتحدة. ومرارا وتكرارا، تشعر هذه الدول بخيبة الأمل، بينما تواصل الصين التحرك بطريقة ضيقة تركز فقط على مصالحها الذاتية.”

وقد توفر قمتا أبيك ومجموعة العشرين لشي وترامب فرصتين إضافيتين للقاء هذا العام. وهما فرصتان إضافيتان أمام ترامب لطلب المساعدة بشأن إيران، وكذلك لاختبار ما الذي تريده بكين في المقابل.

وقال ترامب خلال مأدبة العشاء، الخميس، في كلمة ترحيبية بالرئيس الصيني: “لم نكن يوما على وفاق أفضل من الآن.”

لكن بروبست يرى أن الاختبار الحقيقي يكمن في معرفة ما الذي تحصل عليه واشنطن من العلاقات الودية.

وقال: “الأمر يتعلق بالتغييرات في السياسات التي تستطيع الولايات المتحدة الحصول عليها من الصين”.

ساهمت فيفيان لي في إعداد التقرير.