آخر الأخبار

بين الاختراق والتثبيت.. كيف تُقاس السيطرة العسكرية في اليمن؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لعل المتابع للمشهد اليمني يواجه صعوبة حيال خريطة السيطرة الميدانية، خاصة في ظل موجة التصعيد العسكري التي اندلعت منذ مطلع سبتمبر/أيلول الجاري بين جماعة أنصار الله ( الحوثيين) والقوات الحكومية في جبهات عدة أبرزها في الساحل الغربي من جنوبي الحديدة وغربي تعز.

نحاول هنا تقديم معالجة وشرح لمفهوم "السيطرة العسكرية" ميدانيا في اليمن، والفرق بين الوجود المؤقت والاستقرار، بالنظر إلى المعطيات والوقائع الأخيرة والإشارة إلى حدود السيطرة ومناطق النفوذ والتماس خلال السنوات الماضية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بساط الريح.. عملية نقل يهود اليمن إلى إسرائيل
* list 2 of 2 معتمدا على اللمس والشم.. ضرير يحضر وجبة "الربيس" في المهرة end of list

ماذا نعرف عن السيطرة العسكرية ميدانيا؟

في البيئة الجغرافية والسياسية المعقدة لليمن، لا يمكن قياس السيطرة العسكرية بالاعتماد فقط على المساحات الشاسعة، بل بفعالية ذلك الوجود العسكري وفق محددات عدة، تكتيكية وإستراتيجية منها:


* السيطرة النارية والارتفاعات الحاكمة: في جغرافيا جبلية مثل تعز ومأرب، تعني السيطرة الاستيلاء على قمم الجبال (مثل جبلي قرفان ونعمان)، فمن يسيطر على القمة يمتلك قدرة الرصد والاستهداف الناري للمناطق المحيطة وطرق الإمداد دون الحاجة للوجود البشري المكثف في الوديان.
* تأمين خطوط الإمداد اللوجيستي: السيطرة الحقيقية لا تكتمل بمجرد دخول منطقة ما، بل بالقدرة على ربطها بخطوط إمداد آمنة ومستمرة وغياب هذا التأمين يحول القوة المتقدمة إلى جيوب معزولة يسهل حصارها.
* الوجود الإداري والمؤسسي: القدرة على تفعيل المكاتب التنفيذية، وتأمين التحركات المدنية، وفرض السيطرة الأمنية عبر نقاط التفتيش الثابتة.

كيف نميز السيطرة المؤقتة والوجود المستقر؟

شهدت الجبهات خلال الأيام الماضية معارك كرّ وفرّ وتبادلا متكررا للمواقع في أعقاب تقدم الحوثيين وسيطرتهم على المخا ووصولهم إلى مضيق باب المندب ومحاولتهم تأمين المناطق الجبلية الخلفية، وهو ما يستدعي التمييز هنا بين السيطرة التكتيكية المؤقتة والوجود العسكري المستقر.

إعلان

فالتقدم الميداني -وفق خبراء- لا يعني بالضرورة تغيرا دائما في خريطة السيطرة، ما لم يتمكن الطرف المتقدم من تثبيت مواقعه وتأمين خطوط إمداده وصد الهجمات المضادة.

كما يُقصد بالسيطرة التكتيكية المؤقتة تحقيق اختراق سريع أو الاستيلاء على مواقع متقدمة، مثل التباب والمرتفعات وخطوط التماس، من دون القدرة على تحصينها وتأمينها لفترة طويلة.

وينطبق ذلك على احتدام المواجهات في بعض مناطق جبهات مرتفعات كهبوب والوازعية والكدحة ومقبنة وغربي تعز، حيث تشهد المعارك تبادلا متكررا ومحدودا للسيطرة على عدد من المواقع والمرتفعات.

أما الوجود العسكري المستقر، فيعني تمركزا طويل الأمد يستند إلى قواعد خلفية وخطوط إمداد مؤمنة، وتحصينات دفاعية وهندسية، فضلا عن قدرة القوات على الاحتفاظ بالمواقع في مواجهة الهجمات المضادة.

ويمثل ذلك، على نحو عام، نمط السيطرة المستقرة للحوثيين على العاصمة صنعاء ومحافظات المرتفعات الشمالية قبل أن تستكمل سيطرتها مؤخرا على كل الحديدة، مقابل تمركز القوات الحكومية لسنوات في المحافظات الشرقية والجنوبية وبعض مناطق مأرب والجوف.

وعليه، فإن السيطرة على موقع خلال معركة لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تحول جغرافي مستدام، فالمعيار الأهم هو قدرة الطرف المسيطر على الاحتفاظ بالموقع وتثبيت خطوطه الدفاعية والإمدادية لفترة ممتدة.

مصدر الصورة القوات التابعة للحكومة اليمنية تخوض مواجهات مع الحوثيين في غربي محافظة تعز (الأناضول)

ما مناطق مواجهات سبتمبر/أيلول 2026؟

اتسعت رقعة القتال الأخيرة لتشمل ما يشبه قوسا جغرافيا واسعا يمتد على عدة محافظات رئيسية عبر محاور أبرزها:


* محور الساحل الغربي وباب المندب: شهد هذا المحور تقدما لافتا ومفاجئا من الحوثيين نحو مناطق غرب تعز (المخا وصولا إلى الجزر المطلة على مضيق باب المندب) وجنوب الحديدة (حيس والخوخة).

وتزداد أهمية هذا التحرك بالنسبة للحوثيين في الاقتراب والسيطرة على ممر الملاحة الدولي عبر مضيق باب المندب. وردا على ذلك، أعادت القوات الحكومية ترتيب صفوفها وأنشأت مركز قيادة جديدا في منطقة ذو باب لصد الهجمات وإطلاق عمليات برية مضادة مدعومة بغارات جوية مكثفة.


* محور تعز (قلب المواجهة البرية): تدور معارك متقطعة في جبهات مقبنة، الكدحة، الوازعية، وجبل حبشي. استطاعت القوات الحكومية تحقيق مكاسب تكتيكية مهمة بالسيطرة على "جبل قرفان " الإستراتيجي في مديرية الشمايتين لتأمين المرتفعات المطلة على لحج والساحل.
* محور الجوف ومأرب (شمال شرق): فتحت القوات الحكومية جبهات لتخفيف الضغط عن الساحل الغربي؛ حيث أحرزت تقدما نوعيا بالسيطرة على معسكر اللبنات شرق مدينة الحزم (مركز محافظة الجوف)، وتستهدف مواقع حوثية محيطة، بينما تتركز معارك مأرب في المحاور الجنوبية (حريب والجوبة) لإفشال محاولات التسلل الحوثية.
* محور البيضاء والضالع (الوسط والجنوب): أطلقت القوات الحكومية هجوما في جبهة الزاهر بالبيضاء مسيطرة على مواقع مثل "حيد الخزان والناصفة"، في حين يشن الطيران ضربات مركزة ضد التحصينات الحوثية هناك لتثبيت هذا التقدم.
مصدر الصورة مرتفعات جبل كهبوب تمثل الحصن الدفاعي المتقدم ونقطة حاكمة مطلة على باب المندب والساحل الغربي (الجزيرة)

كيف سيطر الحوثيون على الساحل الغربي؟

في قراءة عسكرية سابقة، أوضح الخبير العسكري العميد حسن جوني للجزيرة أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي وجزيرة ميون تحققت عبر اندفاع سريع من اتجاه الشرق نحو الغرب، مما أدى إلى قطع طريق الإمداد على القوات الحكومية وتراجعها إلى الخلف، وتشكيل خط تماس جديد ينحصر تقريبا في محيط "جرداد- الوازعية- لحج".

مصدر الصورة لقطة من فيديو بثته قناة "المسيرة " التابعة للحوثيين تظهر مقاتلين تابعين للجماعة في شوارع مدينة المخا بعد سيطرتهم عليها (الفرنسية)

ويرى العميد جوني أن المرحلة الراهنة تشكل "الوقت الأنسب" للقوات الحكومية لشن هجوم مضاد واسترداد المناطق التي خسرتها، وذلك قبل أن يتمكن الحوثيون من تثبيت تمركزهم الدفاعي.

إعلان

وعلل ذلك بأن انتشار الحوثيين على امتداد ساحلي يصل إلى 100 كيلومتر يمثل "تمددا جغرافيا كبيرا" يتطلب تجهيزات وجهودا لوجيستية واسعة تستغرق وقتا.

وأعرب عن اقتناعه -من واقع الجغرافيا العسكرية- بأن السيطرة على المرتفعات الشرقية في تعز تُعد "المفتاح الحقيقي" للتحكم في الشريط الساحلي.

وخلص الخبير العسكري إلى أن الاستهدافات والغارات الجوية التي تشنها القوات الحكومية على طرق الإمداد تسهم في إعاقة وتأخير التثبيت الدفاعي للحوثيين، لكنها تقتضي الإسراع بالإعداد لمناورة برية تحقق روح الهجوم المضاد.

مصدر الصورة خريطة توضح مناطق السيطرة في اليمن (الجزيرة)

ما واقع السيطرة خلال سنوات التهدئة؟

خلال سنوات التهدئة التي بدأت مع الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022، دخل الصراع اليمني مرحلة من "اللاحرب واللاسلم"، اتسمت بجمود نسبي في خطوط التماس وغياب التحولات الجغرافية الكبرى. وانتقل ثقل الصراع تدريجيا من محاولات الحسم العسكري إلى التنافس الاقتصادي وتعزيز المواقع الدفاعية.

جمود الجبهات: توقفت العمليات الهجومية واسعة النطاق، ولا سيما حول مأرب وفي تعز والساحل الغربي، وحلت محلها مناوشات وقصف متقطع وعمليات قنص ومسيرات، من دون تغيرات ميدانية واسعة في خطوط السيطرة.

تثبيت مناطق النفوذ: حافظ الحوثيون على سيطرتهم على صنعاء ومعظم المرتفعات الشمالية والغربية ومراكز سكانية رئيسية، بينما احتفظت الحكومة والقوى التابعة لها بمناطق واسعة في الجنوب والشرق، بما فيها مأرب وشبوة وحضرموت والمهرة وعدن وأبين ولحج، إلى جانب مواقع في تعز والساحل الغربي. وظلت بعض المناطق، خصوصا تعز والساحل الغربي، مجزأة السيطرة.

الاستعداد العسكري: لم تتحول الهدنة إلى تسوية سياسية نهائية؛ بل استُخدمت فترة التهدئة للحفاظ على المواقع وتعزيز القدرات العسكرية والتحصينات في عدد من الجبهات. لذلك بقيت خطوط التماس مستقرة نسبيا، لكنها ظلت قابلة للاشتعال مع أي انهيار للترتيبات السياسية أو الأمنية.

تصاعد الصراع الاقتصادي: مع تعذر تحقيق اختراق عسكري حاسم وخلال سنوات التهدئة، برزت أدوات الضغط الاقتصادي، ولا سيما استهداف منشآت تصدير النفط، والانقسام النقدي والمصرفي بين صنعاء وعدن، وما ترتب عليه من ضغوط على إيرادات الحكومة وقدرتها المالية.

وبذلك، يمكن وصف الفترة بين عامي 2022 و2026 بأنها تجميد نسبي لخريطة السيطرة أكثر من كونها سلاما مستقرا، إذ لم تُحسم الحرب عسكريا، ولم تتغير موازين السيطرة الجغرافية بصورة جوهرية، بينما انتقل جانب مهم من التنافس إلى الاقتصاد والتحصين والاستعداد لجولات جديدة من التصعيد.

ما "صندوق القتل" الذي أعلنته قوات الحكومة؟

يُعرَّف "صندوق القتل" بأنه تكتيك عملياتي عسكري، وهو ما اعتمدته القوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي مطلع سبتمبر/أيلول 2026 لتسريع استهداف عناصر وآليات الحوثيين عبر تنسيق النيران الجوية والسطحية ويمتد الحيز الجغرافي للصندوق من المخا إلى ذو باب، مرورا بطريق تعز/المخا، ويقترب من مديريتي حيس والخوخة بالحديدة.

ويعتمد على تقسيم المنطقة لإحداثيات تمنح المقاتلات والمدفعية تفويضا بالاستهداف الفوري دون حاجة لإذن مسبق، مع حظر دخول القوات الحليفة منعا للنيران الصديقة.

وتهدف القوات الحكومية من ذلك إلى تدمير خطوط إمداد الحوثيين المكشوفة بعد اندفاعهم نحو الساحل وباب المندب، وعزل مسرح العمليات لتطهيره عسكريا ومحاولة استعادة المبادرة.

هل ما يجري الآن محاولات سيطرة أم مناورات؟

ما يحدث اليوم ليس مجرد مناوشات تكتيكية عادية، لكنه لم يرقَ بعد إلى تغيير جذري ونهائي في خريطة السيطرة، باستثناء تقدم الحوثيين على الساحل الغربي (حيس-الخوخة-المخا) وإحكام قبضتهم على باب المندب.

إعلان

لذا فإننا أمام "ديناميكية تماس"؛ إذ يسعى الحوثيون من خلالها إلى فرض واقع جيوسياسي جديد عبر خنق الساحل الغربي والمضيق الإستراتيجي كأوراق ضغط إقليمية، في حين ترد القوات الحكومية بهجمات معاكسة محدودة وضربات جوية، ومحاولات صد الحوثيين للسيطرة على المناطق المطلة الحاكمة غربي تعز إلى جانب هجمات في جبهات أخرى بتعز ولحج وكذا جبهات مأرب والجوف، والبيضاء.

إن ثبات هذه التغيرات من عدمه مرهون بقدرة القوات الحكومية على تحويل اختراقاتها الأخيرة إلى مكاسب تستعيد ما فقدته وتحافظ على سيطرتها، وبمدى قدرة الحوثيين على استيعاب الضربات الجوية وتثبيت وجودهم في مناطق سيطرتهم لا سيما تلك الجديدة في الساحل الغربي وباب المندب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا