في تطور جديد ومفاجئ يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد السياسي التركي، أعلن رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش استقالته من "حزب الشعب الجمهوري"، مؤكداً أنه سيواصل عمله السياسي بشكل مستقل.
وقال عمدة أنقرة، الذي كان ينتمي لأكبر حزب معارض في البلاد، إن قرار استقالته لم يكن وليد الغضب أو خيبة أمل، بل جاء بعد تفكير طويل ومراجعة متأنية، مؤكداً تحمله مسؤولية قراره أمام الشعب التركي، وفق ما أورد في بيان نشره على حسابه الرسمي على منصة "إكس".
وأشار رئيس بلدية أنقرة إلى أن التطورات السياسية والقانونية التي بدأت في التاسع عشر من مارس (آذار) الماضي، وما تبعها من جدل حول مستقبل حزب الشعب الجمهوري وشرعية قيادته، دفعت السياسة التركية إلى مرحلة وصفها بالمؤسفة.
وتأتي استقالة يافاش في وقت يعيش فيه "حزب الشعب الجمهوري"، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، واحدة من أكثر أزماته الداخلية تعقيداً التي نقلته من الترتيب الأول كحزبٍ معارض في البرلمان إلى مستوياتٍ متدنية بعدما استقال رئيسه من الحزب مع قرابة 100 نائب قبل أشهر.
وذكر مصدر تركي مطلع لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت" أن عمدة أنقرة لم يحسم بعد مسألة انضمامه إلى "الحزب الجديد" الذي يقوده أوزغور أوزال الزعيم السابق لـ"حزب الشعب الجمهوري".
وتفجّرت أزمة الحزب المعارض بصورةٍ أكبر بعد قرار قضائي ألغى نتائج مؤتمر الحزب الذي انعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وهو المؤتمر الذي أوصل أوزال إلى قيادة الحزب خلفاً لكمال كيليتشدار أوغلو الذي هُزم أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في آخر انتخابات رئاسية شهدتها البلاد.
وبموجب القرار، عاد كيليتشدار أوغلو إلى الواجهة باعتباره رئيساً للحزب، بينما رفض معسكر أوزال عملياً التخلي عن قيادته، لتظهر بذلك قيادتان ومركزان للقرار داخل الحزب.
ولم ينحصر الخلاف داخل أروقة الحزب، بل تحول إلى مواجهة سياسية وقانونية، وسط اجتماعات متنافسة وتحركات من أنصار الطرفين.
وفي مايو (أيار) الماضي، تصاعدت الأزمة إلى حد تدخل الشرطة في مقر الحزب بالعاصمة أنقرة لتنفيذ تداعيات القرار القضائي، في مشهد عكس عمق الانقسام داخل أكبر أحزاب المعارضة التركية.
لاحقاً، واصل أنصار أوزال تحركاتهم داخل مؤسسات الحزب، فيما سعى معسكر كيليتشدار أوغلو إلى تثبيت عودته إلى القيادة. كما استقال عدد من أعضاء مجلس الحزب المحسوبين على أوزال في محاولة للضغط باتجاه عقد مؤتمر استثنائي قبل أن يشكلوا حزباً جديداً.
وفي خضم هذه الأزمة، برز منصور يافاش باعتباره أحد أبرز الأسماء السياسية داخل المعارضة التركية.
لكن علاقة رئيس بلدية أنقرة بقيادة الحزب شهدت خلال الفترة الأخيرة توتراً متزايداً، خصوصاً بعد لقائه الرئيس التركي في التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري.
وأثار اللقاء نقاشاً داخل "حزب الشعب الجمهوري"، لا سيما مع غياب يافاش عن فعاليات ذكرى تأسيس الحزب في اليوم نفسه.
كما انتقد متحدث الحزب مسلم صاري موقف يافاش، معتبراً أن المسؤول الحزبي لا ينبغي أن يتجاوز قيادة الحزب في مثل هذه الاتصالات. وجاء إعلان يافاش استقالته بعد هذه التصريحات مباشرة.
وشدد يافاش في بيان استقالته على أن الخلافات داخل المعارضة لا ينبغي أن تتحول إلى صراع يستهلك قوى المعارضة نفسها، معتبراً أن تغيير السلطة عبر الطرق الديمقراطية يحتاج إلى تعاون بين قوى المعارضة وليس إلى استنزافها في خلافات داخلية.
وتأتي استقالة يافاش أيضاً وسط نقاش مستمر حول مرشح المعارضة المحتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويُعد عمدة أنقرة من أبرز الأسماء المطروحة في السباق الرئاسي المقبل، إلى جانب رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو، الذي يواجه بدوره مساراً قضائياً معقداً.
وكان أوزغور أوزال قد تحدث سابقاً عن إمكانية ترشح يافاش للرئاسة إذا تعذر ترشيح إمام أوغلو، ما جعل مستقبل رئيس بلدية أنقرة موضع اهتمام متزايد داخل الساحة السياسية التركية.
لكن يافاش، بإعلانه الاستقالة من حزب الشعب الجمهوري، يضع مساره السياسي خارج الإطار التنظيمي للحزب في الوقت الحالي، ويترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول طبيعة دوره المقبل.
المصدر:
العربيّة