آخر الأخبار

لماذا يسعى الحوثيون إلى تعزيز مخزونهم العسكري في هذه المرحلة؟

شارك

ينطلق تقدير الموقف الصادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية من أن سيطرة الحوثيين على مدينة وميناء المخا والشريط الساحلي الممتد باتجاه باب المندب، إلى جانب جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، لا تمثل مجرد توسع جديد في مساحة سيطرة الجماعة، وإنما تحولا أمنيا قد يعيد تشكيل شبكة إمدادها العسكري، ويمنحها موقعا أكثر أهمية في أية مواجهة إقليمية مقبلة.

ويضع تقدير الموقف هذا التطور في سياق يتجاوز الحرب داخل اليمن؛ فالمخا وحنيش والساحل الغربي تقع في مساحة شديدة الحساسية لاتصالها المباشر بباب المندب والبحر الأحمر، وبمسارات تهريب الأسلحة والمكونات العسكرية القادمة من إيران، فضلًا عما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات على القرن الأفريقي وحركة الملاحة والتجارة الدولية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 لبنان أمام المعضلة الأصعب.. هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله؟
* list 2 of 2 من يحمي الرئيس من جيشه؟.. لهذه الأسباب فشل انقلاب النيجر end of list

وتكمن أهمية التحول الجديد، بحسب تقدير الموقف، في أن الجغرافيا نفسها أصبحت جزءا من معادلة القوة. فالحوثيون لم يحصلوا فقط على ميناء أو مدينة جديدة، وإنما على امتداد ساحلي وجزر ومرافئ ومناطق جبلية شديدة الوعورة يمكن أن توفر مجتمعة شبكة أكثر مرونة لاستقبال الشحنات ونقلها وتخزينها وإخفائها وإعادة توزيعها.

السيطرة على المخا وتغير خريطة الإمداد

يشير تقدير الموقف إلى أن السيطرة على المخا تمنح الحوثيين امتدادا ساحليا أكثر اتصالا من الحديدة باتجاه باب المندب، وهو ما يوسع المساحة المتاحة لعمليات الإنزال والنقل والتخزين وإعادة التوزيع. وتستطيع شبكات التهريب المرتبطة بإيران، في ظل هذه الجغرافيا، تغيير نقاط العبور ومسارات الحركة، بما يزيد صعوبة عمليات الرصد والاعتراض.

ولا يتعامل تقدير الموقف مع المخا بوصفها بديلًا مباشرًا للحديدة، وإنما باعتبارها إضافة جغرافية ولوجستية إلى شبكة الإمداد الحوثية؛ فكلما تعددت نقاط الإنزال والتخزين ومسارات النقل، أصبحت الشبكة أكثر قدرة على التكيف مع عمليات الاعتراض، وأصبح تعطيلها أكثر تعقيدا.

إعلان

وتزداد أهمية هذه الجغرافيا مع جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، فضلًا عن المرتفعات الغربية لتعز، بما توفره تضاريسها الجبلية من إمكانات لتوزيع منشآت التخزين والقدرات العسكرية في مواقع متفرقة يصعب رصدها واستهدافها.

ويستند تقدير الموقف في جانب من قراءته إلى معطى ميداني آني؛ إذ يقول مركز المخا، استنادا إلى مصادره وبيانات تتبع الملاحة البحرية، إنه رصد السفينة ALJUSUFI MSV قبالة ميناء المخا عند الساعة 06:06 بتوقيت غرينتش صباح 10 سبتمبر/أيلول 2026، بعد تحركها من منطقة الخليج عبر بحر العرب وخليج عدن. لكنه يتحفظ بوضوح عن ربط السفينة بتهريب السلاح، مؤكدًا عدم التيقن من وجود هذه الصلة.

وتكتسب الواقعة أهميتها، في سياق تقدير الموقف، من تغير البيئة المحيطة بالميناء؛ إذ تصبح أنماط حركة السفن ومساراتها وحمولاتها وهويات ملاكها أكثر أهمية مع وجود قوة مسلحة تسيطر على ساحل يمتد باتجاه واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

مصدر الصورة ضباط حوثيون.(الأوروبية)

من تهريب السلاح إلى بناء شبكة إمداد

لا يحصر تقدير الموقف الخطر في زيادة عمليات تهريب السلاح، وإنما يركز على احتمال تشكل بنية إمداد أكثر استدامة ومرونة.

فالسيطرة الجديدة يمكن أن تسهل وصول الأسلحة والمكونات العسكرية الحساسة التي تعمل إيران على إيصالها إلى الحوثيين، وفي مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيرة وأنظمة التوجيه وقطع الغيار والمكونات اللازمة لتشغيل هذه المنظومات وتطويرها.

ولا يعني ذلك، وفق التقدير، أن ميناء المخا سيصبح بالضرورة محطة تستقبل مباشرة جميع شحنات الأسلحة الإيرانية، وإنما أن السيطرة عليه توسع الخيارات المتاحة أمام شبكات الإمداد، سواء في الإنزال أو النقل أو التخزين أو إعادة التوزيع.

وهنا يصبح تعدد المنافذ في حد ذاته عنصر قوة. ففقدان شحنة أو اكتشاف مسار أو استهداف مخزن لا يؤدي بالضرورة إلى تعطيل الشبكة كلها، لأن السلاح والمكونات يمكن توزيعها على مناطق متباعدة، كما يمكن تغيير طرق الحركة عندما يتعرض أحدها للرصد.

وتظهر أهمية المرتفعات الغربية لتعز مرة أخرى في هذه المعادلة؛ إذ يمكن أن تتكامل وظيفة الساحل مع الجبال: نقاط بحرية للاستقبال والإنزال، ومسارات داخلية للنقل، ومناطق جبلية للتخزين والإخفاء، ثم إعادة توزيع السلاح وفق الاحتياجات الميدانية.

ويتجاوز تقدير الموقف في قراءته حدود اليمن، فيطرح احتمال تحول الساحل الغربي وميناء المخا إلى عقدة لتجميع الأسلحة وإعادة توزيعها، وربما نقل السلاح والخبرات القتالية إلى جماعات وشبكات مسلحة عابرة للحدود في القرن الأفريقي، ولاسيما الصومال ومحيطه.

وفي حال تحقق ذلك، لن تبقى المنطقة مجرد مسار لإمداد الحوثيين، وإنما قد تصبح جزءا من شبكة إقليمية أوسع لتداول السلاح والخبرات العسكرية بين ضفتي البحر الأحمر.

مصدر الصورة أسرى يمنيون موالون للحوثيين لدى وصولهم إلى صنعاء، في 12 سبتمبر، بعد إفراج القوات الحكومية عنهم في الساحل الغربي لليمن (الفرنسية)

باب المندب والاستعداد لمواجهة إقليمية

ينتقل تقدير الموقف من السؤال عن كيفية وصول السلاح إلى سؤال آخر: لماذا يسعى الحوثيون إلى تعزيز مخزونهم العسكري في هذه المرحلة؟

إعلان

فاستمرار وصول الأسلحة النوعية والمكونات العسكرية بالتزامن مع التوسع الساحلي قد يشير، بحسب التقدير، إلى مسعى لإعادة بناء قدرات الجماعة وتجميع مخزون أكبر وأكثر ملاءمة لمرحلة تصعيد مقبلة.

ويضع تقدير الموقف هذا الاحتمال في سياق مواجهة إقليمية أوسع يمكن أن ينخرط فيها الحوثيون إلى جانب إيران. وعندئذ تكتسب المناطق الساحلية القريبة من باب المندب وظيفة تتجاوز تخزين السلاح، لتصبح منصات متقدمة لإسناد العمليات بالصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية.

وهنا تظهر أهمية المخا وحنيش من منظور يتجاوز اليمن. فالقرب من باب المندب يعني أن القدرات العسكرية الموجودة على الساحل يمكن أن تؤثر مباشرة في أحد أهم الممرات البحرية، وأن أية مواجهة واسعة قد تمتد آثارها إلى الملاحة والتجارة الدولية والمنشآت والمصالح الحيوية لدول المنطقة.

ويحذر تقدير الموقف من أن استخدام الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية في هذا النطاق يمكن أن يفتح جبهة من اتجاه البحر الأحمر في أية مواجهة إقليمية، ويرفع كلفة حماية الممرات البحرية ويوسع دائرة الأطراف المتأثرة بالصراع.

ومن ثم، فإن دلالة السيطرة الحوثية لا تقاس فقط بمساحة الأرض التي انتقلت إلى سيطرتهم، وإنما بما توفره هذه الأرض من قدرة على تخزين السلاح ونشره وتشغيله في منطقة ملاصقة لباب المندب.

ولا يجزم تقدير الموقف بأن مواجهة إقليمية وشيكة ستقع، لكنه يقرأ تراكم القدرات وتغير الجغرافيا العسكرية باعتبارهما مؤشرين على استعداد محتمل لمرحلة تصعيد. وإذا وقع هذا التصعيد، فقد يتحول الساحل الغربي من جبهة في الحرب اليمنية إلى إحدى ساحات الصراع الإقليمي.

من اعتراض الشحنات إلى تفكيك شبكة الإمداد

يخلص تقدير الموقف إلى أن خطورة التطورات الجديدة تجعل الاكتفاء باعتراض شحنات الأسلحة بعد تحركها معالجة غير كافية؛ لأن اعتراض شحنة يعالج واقعة منفردة، لكنه لا يعطل البنية التي تسمح بوصول شحنات أخرى.

وتزداد المشكلة تعقيدا عندما تمتلك الجماعة ساحلًا ممتدًا وجزرًا ومرافئ ومناطق جبلية؛ إذ تستطيع تغيير نقطة الإنزال أو طريق النقل أو مكان التخزين كلما تعرض أحدها للرصد، كما تستطيع تعويض ما تفقده من أسلحة ومكونات أثناء العمليات. ومن شأن ذلك زيادة قدرتها على الاستمرار في أية مواجهة وإطالة أمدها وتعقيد جهود احتوائها.

ولهذا يركز تقدير الموقف على منع تثبيت بنية إمداد حوثية مستدامة في الساحل الغربي ومرتفعات تعز الغربية؛ لأن ترسيخ هذا الوجود، في ظل المنافذ البحرية والتضاريس الجبلية المعقدة، قد يحول المنطقة إلى قاعدة متقدمة لتخزين القدرات العسكرية ونشرها وتهريب الأسلحة، وإلى عمق عملياتي متصل بباب المندب.

وبذلك ينتقل التحدي من ملاحقة سفينة أو شحنة إلى مواجهة شبكة تستطيع تغيير السفينة والميناء والمسار والمخزن. وهذا، في قراءة تقدير الموقف، هو ما يجعل السيطرة على المخا وحنيش تطورا يتجاوز قيمته الميدانية المباشرة.

فالتحول الذي يرسمه تقدير الموقف يبدأ من السيطرة على الأرض، لكنه لا ينتهي عندها: ساحل وجزر يمنحان الحوثيين خيارات أوسع، وشبكة إمداد أكثر مرونة تسمح بتراكم الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية، وموقع ملاصق لباب المندب يمكن أن يحول هذه القدرات إلى عنصر في أية مواجهة إقليمية مقبلة.

ومن هنا تصبح القضية أبعد من سؤال السيطرة الحوثية على مدينة وميناء: هل يؤدي تثبيت وجود الحوثيين في المخا والساحل الغربي إلى بناء جغرافيا عسكرية ولوجستية جديدة تجعل باب المندب والبحر الأحمر أكثر اتصالًا بأي تصعيد مقبل بين إيران وخصومها؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا