في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس المحتلة- تغيبت القضية الفلسطينية عمليا عن الأجندة السياسية والانتخابية لمعظم الأحزاب اليهودية والصهيونية في إسرائيل، فيما تحولت، خصوصا لدى أحزاب اليمين، إلى أداة انتخابية لتعبئة الشارع وحشد الأصوات وتحقيق المكاسب السياسية.
وبالتوازي مع تصاعد خطاب القوة والانتقام منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تراجعت في الخطاب الحزبي الإسرائيلي الطروحات المتعلقة بتسوية الصراع أو حل الدولتين، وحتى منح الفلسطينيين حكما ذاتيا، في ظل خشية الأحزاب من خسارة أصوات الناخبين لصالح قوى أكثر تطرفا.
وفي ظل هذا المسار، يبرز سجال بشأن مستقبل الضفة الغربية، بين المؤسسة الأمنية والعسكرية ممثلة برئيس هيئة الأركان إيال زامير والمؤسسة السياسية ويمثلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب لل محكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة.
فالمؤسسة الأمنية تحذر من أن الوضع في الضفة يقف على شفا الانفجار، وأن استمرار الضغوط والإجراءات قد يقود إلى تصعيد واسع يصعب احتواؤه. بينما ترى المؤسسة السياسية أن الإجراءات المتخذة، بما فيها تعزيز السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل الجغرافيا، تخدم أهدافا سياسية وانتخابية بعيدة المدى.
لا يدور الخلاف داخل إسرائيل فقط حول كيفية إدارة الضفة، وإنما حول الغاية النهائية من هذه السياسة: هل تستهدف احتواء الصراع وإدارته، أم استغلال المرحلة الراهنة لفرض وقائع تقود عمليا إلى حسمه وضم أجزاء واسعة من الضفة؟.
يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي، أنطوان شلحت، أن تغييب القضية الفلسطينية يعكس تحولات عميقة طرأت على السياسة والمجتمع الإسرائيليين خلال العقدين الأخيرين، موضحا أن القضية لم تعد تحظى بموقع فعلي في برامج الأحزاب، التي باتت تتعامل معها في الغالب باعتبارها ورقة انتخابية لحشد الجمهور، لا ملفا سياسيا يستدعي طرحا لتسوية الصراع.
ويشير شلحت في حديث -للجزيرة نت- إلى أن هذا التحول لا يقتصر على اليمين، إذ إن اليسار الصهيوني الذي وقع اتفاق أوسلو لم يكن يتبنى بالضرورة تسوية تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وإنما سعى إلى تسوية تخدم المصالح الإسرائيلية، مع وضع خطوط حمراء حالت دون قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة.
وحسبه، فإن التسوية السياسية لم تعد مطروحة واقعيا على الأجندة الإسرائيلية، بعدما انتقلت الحكومات المتعاقبة من إدارة الصراع إلى محاولة تقليصه، فيما تتجه حكومة نتنياهو إلى مقاربة مختلفة تقوم عمليا على السعي إلى حسم الصراع على الأرض، وإن لم تعلن ذلك رسميا.
ويتمثل ذلك، وفق المحلل السياسي في مأسسة سلسلة من الإجراءات التي تكرس ضم أجزاء من الضفة وتحول الوقائع الميدانية إلى حقائق سياسية وجغرافية يصعب التراجع عنها، بما يكرس، بحسب توصيفه، نظاما قائما على الفصل والتمييز في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ويأتي ذلك في ظل غياب طرح سياسي جدي داخل المنظومة الحزبية الإسرائيلية بشأن مستقبل الصراع، الأمر الذي يفتح المجال أمام توسيع السيطرة على الأرض باعتبارها بديلا عن التسوية السياسية.
يربط شلحت تصاعد خطاب الانتقام بعد أحداث " طوفان الأقصى" بالإخفاقات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في الحرب متعددة الجبهات، من غزة و لبنان إلى إيران و الضفة الغربية.
ويقول إن حكومة نتنياهو وأحزاب اليمين توظف فكرة "حسم الصراع" مع الفلسطينيين باعتبارها إنجازا سياسيا وعسكريا، وتحاول من خلالها تعويض الإخفاقات الأمنية والعسكرية واستنفار الناخبين حول خطاب القوة والانتقام.
ومن هذا المنطلق، تسابق هذه الحكومة الزمن لفرض وقائع جديدة في الضفة، حيث لا تقتصر الإجراءات على التوسع الاستيطاني أو النشاط الأمني، وإنما تتخذ، بحسب شلحت، طابعا أشمل يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا وفرض أنماط جديدة من السيطرة على الأرض.
ويلفت شلحت، إلى محاولات إسرائيلية لاختراق مناطق مصنفة "أ" و"ب" وفق اتفاق أوسلو، والخاضعة لإدارة فلسطينية، معتبرا أن ذلك يمثل تجاوزا للترتيبات التي أقرها ذلك الاتفاق، ويدفع باتجاه تحويل السيطرة الإسرائيلية إلى واقع دائم.
من جانبه، يؤكد الباحث في مركز "تقدم" للسياسات، أمير مخول، أن التطورات في الضفة الغربية باتت تتجاوز كونها مجرد ورقة انتخابية، إذ تحولت إلى عنصر أيديولوجي يعيد تشكيل عقيدة الأحزاب الصهيونية.
ويضيف في حديثه- للجزيرة نت- إن خطاب الانتقام الذي ترسخ بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم يعد مجرد وسيلة لتعبئة الناخبين، بل أصبح جزءا من الخطاب السياسي والأيديولوجي لأحزاب إسرائيلية عدة، مع انتقال مركز الثقل تدريجيا من غزة إلى الضفة.
وبرأيه، فإن استهداف الوجود الفلسطيني بات ركنا متزايد الحضور في فكر وممارسة أقصى اليمين، فيما أصبحت الضفة ساحة لفرض وقائع تتجاوز الحسابات الانتخابية الآنية.
وفي السياق، يبرز دخول الجنرال المتقاعد عوفر وينتر المعترك السياسي عبر حزب صهيوني ديني جديد يدعم نتنياهو، في خطوة تعكس، وفق مخول، أزمة داخلية في معسكر اليمين ومحاولة لإعادة ترتيب صفوفه. ويشير مخول إلى أن وينتر يسعى إلى استقطاب ناخبين من اليمين يخشون قيادة بتسلئيل سموتريتش للتيار، مقدما نفسه كخيار جديد للناخبين الباحثين عن قيادة مختلفة، لكن ضمن خطاب أكثر تشددا.
ويرتبط اسم وينتر أيضا بإرث عسكري مثير للجدل، إذ كان قائدا لـ" لواء غفعاتي" خلال الحرب على غزة عام 2014، وارتبط اسمه آنذاك باستخدام عقيدة " هانيبال"، التي تقوم على استخدام قوة نارية مكثفة لمنع أسر الجنود، حتى مع احتمال تعريض حياة الأسرى للخطر.
ويرى مخول أن ظهور وينتر يعكس إدراكا داخل اليمين المتطرف لحاجته إلى إعادة صياغة نفسه انتخابيا، عبر إنشاء أطر حزبية جديدة قادرة على جذب شرائح من الناخبين من دون التخلي عن جوهر الخطاب المتشدد.
ويحذر الباحث مخول من أن الأحزاب الجديدة التي تظهر في أقصى اليمين لا تمثل بالضرورة بديلا أقل تطرفا، بل إن بعضها يتبنى مواقف أكثر تشددا من القوى الموجودة في الحكومة الحالية، مع اتساع نطاق استهداف الوجود الفلسطيني ليصبح جزءا مركزيا من المشروع السياسي لهذه الأحزاب.
وفي المقابل، تعاني المعارضة الإسرائيلية من عدم التوافق وغياب برنامج سياسي موحد يمكن أن يشكل بديلا واضحا، بينما تواجه الأحزاب العربية تحديات متزايدة في ظل تصاعد الاستهداف السياسي للوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر.
وفي قراءته لطبيعة الخطاب الإسرائيلي، يرى مخول أن مفهوم "الفوقية اليهودية" يمكن أن يصف جوانب من العنصرية والتمييز البنيوي داخل إسرائيل، لكنه لا يختزل جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولا يقدم إجابة عن مسألة حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
وبحسب مخول، فإن اختزال القضية في هذا المفهوم يغفل واقع الفلسطينيين في غزة والضفة واللاجئين، الذين تتمحور قضيتهم حول الحقوق الوطنية والإنسانية، وفي مقدمتها العودة وتقرير المصير. ويخلص إلى أن "الفوقية اليهودية" هي نتاج لواقع سياسي وأيديولوجي قائم، وليست وحدها أساس هذا الواقع.
وفي المحصلة، يتفق شلحت ومخول، من زاويتين مختلفتين، على أن القضية الفلسطينية لم تعد تحظى بموقع مركزي في الحسابات السياسية الإسرائيلية بوصفها قضية تحتاج إلى حل، وإنما يجري توظيفها ضمن صراع داخلي على السلطة والهوية، في وقت تتحول فيه الضفة إلى ساحة لإعادة رسم الجغرافيا وترسيخ وقائع جديدة.
ومع وصول السياسة الإسرائيلية إلى هذا المسار المسدود، يرى مخول أن نتائج الانتخابات وحدها لا تكفي للتعويل على تحول جوهري، وأن الحراك الفلسطيني والعربي والدولي سيظل عاملا أساسيا في مواجهة مسار يتسع فيه استهداف الوجود الفلسطيني في غزة والضفة وداخل إسرائيل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة