لا تشير التحركات المسجلة في إيران إلى موجة احتجاجات واسعة وشيكة، لكن تحذيرات صادرة من أعلى المستويات الأمنية والسياسية تكشف أن انتقال الضغط الاقتصادي إلى الشارع أصبح احتمالا حاضرا في حسابات السلطة.
وجاء أوضح هذه التحذيرات على لسان قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان، الذي قال إن "العدو يسعى إلى إثارة الفوضى في مكان ما من البلاد أو في جميع أنحاء البلاد"، محددا المعيشة والوقود والاقتصاد والبطالة بوصفها القضايا التي يمكن استغلالها.
اللافت في تصريح رادان، الذي أوردته وكالة مهر الإيرانية، هو جمعه أبرز أزمات الحياة اليومية في قائمة واحدة، خلال اجتماع مع قادة أمنيين دعاهم فيه إلى التخطيط والاستعداد وعدم الوقوع في "الإهمال".
ويستخدم المسؤولون الإيرانيون عادة خطاب "العدو الخارجي" عند الحديث عن الاحتجاجات، لكن تسمية هذه الملفات تحدد نقاط الضغط التي تراقبها المؤسسة الأمنية: أسعار السلع، البنزين، تراجع الدخل وفرص العمل.
الريال عند قاع جديد
تأتي التحذيرات فيما فقد الريال أكثر من نصف قيمته خلال عام، وانخفض في السوق الحرة إلى نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار، في مستوى قياسي جديد، وفق وكالة أسوشيتد برس.
ولا يبقى انهيار العملة داخل أسواق الصرف، إذ ينتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والنقل. وأظهرت أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي أوردتها الوكالة وصول التضخم السنوي إلى 53.7 في المئة، بينما تجاوز تضخم الغذاء 115 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ورصدت أسوشيتد برس ارتفاع سعر الدجاج واللحوم بنحو 45 في المئة منذ فبراير، والأرز بنسبة 31 في المئة، والبيض بنحو 60 في المئة. ولا تعاني المتاجر والصيدليات في طهران نقصا شاملا في السلع، لكن القدرة على شرائها تراجعت بشدة، وبات بعض الزبائن يشترون بالدين أو يكتفون بالاحتياجات الأساسية.
وبذلك، لا تقوم الأزمة على اختفاء السلع وحده، بل على اتساع المسافة بين الأسعار والدخول، وهي أزمة يصعب على الحكومة احتواؤها بتوفير المخزون فقط.
البنزين يعود إلى الواجهة
ازدادت الطوابير أمام محطات الوقود في طهران خلال الأسابيع الأخيرة، ووصل الانتظار في بعضها إلى ساعتين، وسط مخاوف من نقص الإمدادات أو خفض الدعم ورفع الأسعار.
كما دفعت المخاوف إيرانيين إلى شراء الوقود والغذاء وتخزين بعض السلع، فيما تحدثت تقارير عن نقص متقطع في الأرز وزيت الطهي، رغم تأكيد الحكومة أن مخزون المواد الأساسية كاف.
وتتجاوز حساسية البنزين قيمته الاقتصادية. فقد أشعل رفع أسعاره بصورة مفاجئة احتجاجات واسعة في نوفمبر 2019، امتدت إلى عشرات المدن وقوبلت بحملة أمنية دامية. كما كانت أزمة العملة وارتفاع الأسعار في خلفية الاحتجاجات التي شهدتها إيران مطلع عام 2026.
ولهذا حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من معالجة نقص البنزين بطريقة تثير الغضب الشعبي. وقال إن خفض الاستهلاك ينبغي أن يحقق "أكبر قدر من العدالة وأقل قدر من الاستياء"، داعيا إلى شرح أي إجراءات للرأي العام قبل تنفيذها، بحسب وكالة إرنا الرسمية.
احتجاجات صغيرة ومتفرقة
بالتوازي مع هذه الضغوط، عادت تجمعات مهنية محدودة للظهور بعد تراجعها خلال الحرب. وذكرت "وول ستريت جورنال" أن عمالا في النفط والغاز ومتقاعدين ومعلمين نظموا تحركات احتجاجية على تراجع الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتأخر المستحقات.
وتجمع عمال في المنشآت البحرية للنفط والغاز بمدينة عسلويه، مركز صناعة الطاقة الإيرانية، مطالبين بتحسين الأجور والمساعدة في تحمل الإيجارات. كما احتج نحو 100 عامل بعد تسريحهم من مجمع شادغان للصلب، وسبق ذلك تحرك لعشرات العاملين في قطاع البتروكيماويات بمدينة بندر ماهشهر.
وتظل هذه التحركات محدودة ومحلية، وتدور مطالبها حتى الآن حول الأجور والتسريح والتأمين والمعاشات. ولا توجد مؤشرات موثوقة على تنسيق وطني بينها أو انتقالها إلى حركة سياسية موحدة.
لكن أهميتها تأتي من القطاعات المشاركة فيها. فعمال النفط والغاز والبتروكيماويات والاتصالات والمعلمون والمتقاعدون يمثلون شرائح قادرة، إذا اتسعت تحركاتها أو تزامنت، على نقل أزمة المعيشة من شكاوى متفرقة إلى ضغط اجتماعي أوسع.
القلق يصل إلى قمة السلطة
لا يقتصر الحديث عن الخطر الداخلي على الشرطة. فقد قال الرئيس مسعود بزشكيان إن خصوم إيران لم يعودوا يعتمدون على الوسائل العسكرية وحدها، وإنما يراهنون على إثارة الانقسام من الداخل، داعيا المسؤولين إلى التركيز على المعيشة والتوظيف والسكن والعلاج.
كما طالب قاليباف بمنع القرارات التي تؤدي إلى زيادة الاستياء العام، محذرا من أن خصوم إيران ينتظرون فرصة للجمع بين الضغط الاقتصادي والاضطرابات الداخلية.
تكشف هذه التصريحات تقاربا بين الرئاسة والبرلمان والمؤسسة الأمنية في تشخيص الخطر، حتى مع تحميل القوى الخارجية مسؤولية تأجيجه. فالقيادة الإيرانية تدرك أن العقوبات والحصار لا يتحولان تلقائيا إلى احتجاجات، لكن أثرهما المتراكم على الأسعار والوظائف والوقود قد يخلق الشرارة التي يصعب ضبط مسارها.
لا تزال أمام اندلاع احتجاجات واسعة حواجز مهمة، بينها القبضة الأمنية، وغياب قيادة موحدة، وتفرق المطالب المهنية، وخشية قطاعات من المجتمع من تكرار حملات القمع السابقة.
ومع ذلك، فإن تحذير قائد الشرطة بهذه الصراحة، واستدعاء البنزين والمعيشة والبطالة في خطاب أمني واحد، يعني أن خطر الشارع لم يعد مجرد توقع يطرحه مراقبون من الخارج. لقد أصبح بندا واضحا في استعدادات السلطة، من دون أن يكون ذلك دليلا على أن الانفجار قريب أو حتمي.
المصدر:
سكاي نيوز