تحيي مدينة داريا في ريف دمشق">العاصمة دمشق، اليوم الثلاثاء، الذكرى الـ 14 للمجزرة الوحشية التي ارتكبتها قوات النظام المخلوع في أغسطس/آب 2012، في واحدة من أبشع الفصول الدموية التي شهدتها الثورة السورية.
في صيف 2012، لم تكن داريا تعلم أنها على موعد مع واحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها نظام الأسد المخلوع، وتصبح علامة فارقة في تاريخ الثورة والمدينة التي عُرفت بحراكها السلمي واللافت.
ونفذت قوات النظام المخلوع والمليشيات الموالية المجزرة في 25 أغسطس/آب 2012 بحق سكان مدينة داريا، إلا أنه قبل نحو 5 أيام بدأت الحملة بقطع الكهرباء، ثم توالت القذائف على المدينة بكثافة، لتتحول الشوارع إلى ساحات موت، والمنازل إلى قبور جماعية، وفق شهادات سكان المدينة.
وبدأت العملية العسكرية بفرض طوق محكم على مدينة داريا، قطعت بعده قوات النظام الكهرباء والاتصالات، قبل أن تطلق العنان لقصف عنيف، تزامن مع هجوم بري منسق عبر محاور رئيسية، عزلت من خلالها أحياء داريا عن بعضها وعن المناطق المجاورة، في خطة منهجية لإخضاع المدينة التي كانت تشكل رمزاً للمقاومة المدنية.
خديجة هدلة، من سكان المدينة تقول إن الأهالي يصفون المجزرة بـ"المجزرة الكبرى" على اعتبار أنها سجلت العدد الأكبر من الضحايا في المدينة، واستخدم النظام فيها كل أنواع القتل والتدمير بدءا من القصف العنيف إلى الاقتحام الأمني والعسكري، وعمليات تصفية جماعية داخل الأبنية السكنية والأقبية والشوارع وحرق البيوت وإتلاف المزارع وسرقتها.
وتضيف لـ"سوريا الآن": "هناك عائلات فقدت أعدادا كبيرة منها مثل آل قفاعة والسقا والنكاش ونمورة وخشيني وهدلة، كما أن سكانا من خارج المدينة كانوا ضحايا للمجزرة.. في ذلك اليوم كانت رائحة الدماء بكل مكان، والجثث بكل مكان".
ووثق أهالي داريا أكثر من 700 قتيل في المجزرة، في حين تقول هدلة إن نحو 200 شخص فُقدوا تماما من المدينة بعد المجزرة ولم يوجد لهم أثر بينهم أشخاص تحت السن القانوني.
تروي آمنة العبار، التي كانت ممرضة في أحد المستشفيات الميدانية، تفاصيل تلك الأيام المرعبة، قائلة: "لجأنا أنا وعائلتي إلى ملجأ قريب، وفي صباح اليوم التالي، طرق أخي الذي استُشهد لاحقاً الباب وطلب مني الذهاب معه إلى مستشفى ميداني في الجهة المقابلة للشارع، فالإصابات كانت بالعشرات، وكانت لدي خبرة بالإسعافات الأولية. توجهنا إلى المستشفى وسط اشتداد القصف، وكانت شبكات الاتصالات مقطوعة".
تصف آمنة لـ"سوريا الآن" المشهد المروع في المستشفى، الذي لم يكن سوى شقتين سكنيتين: "لا أستطيع وصف هول المشهد الذي رأيته. عند مدخل الشقة كان يرتمي شاب في آخر الثلاثين، الدم ينزف من رأسه، وأصوات البكاء والصرخات تتعالى، الجرحى على الأرض وفي كل مكان. لا أنسى ضياء، شاب كان قد فقد قدميه بسبب القصف، وآخرون ملقون على الأرض يتلقون العلاج".
ومع حلول المساء من اليوم ذاته، جاء أمر الإخلاء المفاجئ، تقول آمنة، وتضيف: "بدأ المسعفون يصرخون علينا بضرورة إخلاء المستشفى بالحال، قوات الأمن باتت قريبة". وفي مشهد يعكس الروح الإنسانية رغم الفظائع، تتذكر: "صرخت صديقتي وقالت: لن نخرج قبل الجرحى، الجرحى أولاً، ليصرخ أحد الشبان ويقول: النساء أولاً".
بعد خروجها من المستشفى، وصلت آمنة إلى منزل عائلتها، لكن القصف لم يتوقف. تقول: "بدأنا نخرج في عتمة الليل وبين الحواري الضيقة جداً، ودون أي إضاءة خوفاً من الاستهداف، نقدم الإسعافات الأولية قدر المستطاع بأدوات بدائية جداً".
ومع فجر اليوم التالي، وصل الخبر المخيف: "قوات النظام باتت قريبة من منزل عائلتي وسط البلدة وتحديداً قرب ‘ساحة شريدي’، فطلب والدي من شقيقي الأكبر أن يصطحبني أنا ووالدتي وصديقتي الطبيبة لخارج داريا. لكن جميع الطرق كانت مغلقة ولا أحد يستطيع الخروج من المدينة المحاصرة".
بعد محاولات عديدة، تمكن شقيق آمنة من الخروج عبر طريق فرعي بين داريا وصحنايا، وبقوا في البساتين ليلة كاملة قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى منطقة دير خبية في ريف دمشق، لكن الاتصال بوالدها وشقيقها الآخر انقطع تماماً.
في قبو البناء السكني المجاور، شهد والد آمنة مشهداً مروعاً: "أعدمت قوات النظام ابن جيراننا، كان قد تزوج قبل فترة قصيرة، والتهمة وجود علم صغير للثورة السورية في منزله. رأى والدي قوات النظام يقتادونه إلى قبو البناء، وفجأة سمع صوت إطلاق رصاص، فعلم حينها أنه تم إعدامه ميدانياً".
وتضيف آمنة: "وصف لنا والدي مشهد جارتنا أم محمد التي توسلت إلى الضابط مراراً وتكراراً وبكت عند قدميه لكي لا يقتاد ابنيها إلى المقتل، ولكن لم يشفع ذلك لهم. اعتقلت قوات النظام من حينا أكثر من 10 شباب وسط عجز كل من كان شاهداً".
في هذا السياق، تقول هدلة التي كانت عاملة في المستشفى الوطني في داريا، إن متطوعين من أهالي المدينة بقوا 3 أيام وهم يعملون على انتشال الجثث من الشوارع والأقبية والمزارع وحمامات المنازل، ليدفنوها ضمن مقابر جماعية.
أما آمنة فتقول في ختام شهادتها: "اليوم لا نريد شيئاً… جرح المجزرة جرح لن يندمل مهما طال الزمن. لكننا نريد العدالة، ونريد محاسبة كل من كان لديه يد في قتل الأطفال والنساء والشباب وكبار السن بكل وحشية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة