لم يكد المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر يغادر إسرائيل، عقب لقائه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تل أبيب للدفع بتنفيذ خريطة الطريق في قطاع غزة، حتى تصاعدت الغارات الإسرائيلية في القطاع، مخلفة 17 شهيدا خلال أقل من 24 ساعة.
ويضع هذا التصعيد إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام اختبار جديد، بعد أن بذلت بلاده جهودا من أجل التوصل إلى تفاهمات بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، المبرم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وكان ترمب قد أعلن الشهر الماضي أن " مجلس السلام" توصل إلى اتفاق مع حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) بشأن نزع سلاحها، يتضمن التزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها بموجب الاتفاق، الذي دعا إلى الوقف الفوري للهجمات الإسرائيلية.
لكن حسابات نتنياهو -في نظر مراقبين- لا تتوقف عند حدود العلاقة مع الولايات المتحدة، بل تمتد إلى الاعتبارات الانتخابية، لافتين إلى سعيه المحموم لسفك المزيد من دماء الفلسطينيين، باعتباره ورقة انتخابية تعزز حظوظه، إذ لا تمنح استطلاعات الرأي حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو إمكانية واسعة لتشكيل الحكومة المقبلة.
ولدى انتهاء اللقاء الذي جمع كوشنر ونتنياهو مساء الاثنين، والذي لم يحدث اختراقا يُلزم إسرائيل بتنفيذ خريطة الطريق التي وافقت عليها حماس، صعّد الجيش الإسرائيلي من هجماته على القطاع، لتسفر في يومي الثلاثاء والأربعاء، عن 17 شهيدا.
فقد أعلنت وزارة الداخلية في قطاع غزة استشهاد 8 من ضباطها وطفلة نازحة، جراء استهداف إسرائيل مقرا للشرطة بمدينة غزة، اليوم الأربعاء، معتبرة أن ذلك يأتي في إطار مساعي الاحتلال إلى تغييب جهاز الشرطة ونشر الفوضى في القطاع. وقبل نحو أسبوع، اغتالت إسرائيل مدير شرطة محافظة غزة جمال أبو كميل.
وأفاد مصدر في مستشفى العودة باستشهاد فلسطيني إثر غارة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية في مخيم النصيرات وسط القطاع.
وأمس الثلاثاء، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة استشهاد 7 فلسطينيين، بينهم طفل، وإصابة عدد آخر بجروح جراء غارة إسرائيلية استهدفت منطقة الميناء بمدينة غزة.
وفي أعقاب هذه الاستهدافات التي أدانتها فصائل فلسطينية، اتهمت حركة حماس رئيس الحكومة الإسرائيلية بتقويض جهود الوسطاء والدفع نحو إعادة إشعال حرب الإبادة في غزة.
وحذّر رئيس المكتب السياسي للحركة خليل الحية من تداعيات التصعيد الإسرائيلي على اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، محمّلا الوسطاء والضامنين مسؤولية وقفه وحماية الاتفاق من الانهيار.
وقال الحية، في بيان، إنه يستنكر "الإجرام المتواصل والقتل المتعمد من جانب الاحتلال والذي تصاعد منذ أمس الثلاثاء، وطال اليوم الأربعاء قيادات أولى في الشرطة الفلسطينية"، معتبرا أن ذلك يؤكد أن إسرائيل غير عابئة بكل الوساطات والضمانات.
وتبرر الحكومة الإسرائيلية ما يجري في غزة بأنها تستهدف عبر الجيش الإسرائيلي، خطرا يتهدد الجنود الإسرائيليين، ومن شاركوا في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واليوم، كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن الغارات التي شنها الجيش جاءت وفق السياسة التي وضعتها القيادة السياسية الإسرائيلية، وأن نتنياهو هو من صدّق عليها.
وكان نتنياهو، أعلن رفضه لخريطة الطريق التي أقرها مجلس السلام ووافقت عليها حركة حماس، متمسكا بشرط نزع سلاح الحركة قبل أي انسحاب إسرائيلي من القطاع.
وقبل إعلان رفضه، كان وزراء إسرائيليون دعوا -خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر "الكابينت"ـ إلى رفض الخريطة واستئناف الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في القطاع.
ويأتي التصعيد الإسرائيلي، غداة زيارة المبعوث الأمريكي كوشنر للمنطقة، من أجل المضي قدما في خطة وقف إطلاق النار بغزة، والضغط على نتنياهو للحيلولة دون وضع العراقيل أمام خريطة الطريق المكونة من 15 بندا، تشمل انسحاب إسرائيل من القطاع، وإدخال المساعدات وبدء الإعمار.
وعقب سلسلة لقاءات عقدها كوشنر في مصر مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحركة حماس، كشفت شبكة "سي إن إن" أن نتنياهو، الذي يسعى -وفق الشبكة- إلى استمالة قاعدة الناخبين اليمينيين بسبب تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي الأخيرة، لم يكن مستعدا لتقديم تنازلات بشأن غزة قبل الانتخابات.
وبدلا من ذلك، قال نتنياهو لكوشنر والمدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف إن على حركة حماس اتخاذ خطوات أولا لنزع سلاحها بالكامل قبل أن تبدأ إسرائيل بسحب قواتها من غزة، وفقا لما نقلته "سي إن إن".
وتقول حركة حماس إنها مستعدة لإجراءات حصر وتخزين السلاح فقط إذا تزامن ذلك مع انسحاب إسرائيلي متدرج ومنظم من القطاع.
بدورها، كشفت القناة الـ12 الإسرائيلية، نقلا عن مصدر مطلع، أن كوشنر ونتنياهو اتفقا على عدم تنفيذ أي أعمال لإعادة الإعمار في قطاع غزة قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل.
وأضافت أن الطرفين اتفقا على أن تكون الخطوة الأولى لنزع سلاح قطاع غزة تسليم حماس جميع أسلحتها تمهيدا لتدميرها، تحت إشراف أمريكي، وأوضحت القناة أن التفاهم الإسرائيلي الأمريكي بشأن نزع السلاح يشمل عملية فعلية لنزع الأسلحة الثقيلة والخفيفة.
كما اتفق الطرفان، بحسب القناة الـ12، على "حرية عمل الجيش الإسرائيلي" ومواصلته "سياسة الاغتيالات"، ووفق ما نقلته القناة عن نتنياهو، لن يوقف الجيش الإسرائيلي عمليات اغتيال من شاركوا في عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأمام هذه المعطيات، يشير محللون إلى جملة من الرسائل التي تتطلع إسرائيل إلى إيصالها عبر زيادة وتيرة القتل في قطاع غزة.
وبالنسبة للكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، فإن استهدافات اليوم، تؤشر بوضوح إلى أن كوشنر لم يستطع في زيارته الأخيرة تثبيت خريطة الطريق، وبالتالي يمثل التصعيد رسالة تؤكد الرفض الإسرائيلي للخريطة، كما تعلن رفض الضغوط التي حاولت فرضها الإدارة الأمريكية.
من جهته، يعبّر مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل، إمطانس شحادة، عن دهشته من سرعة الانتقال الإسرائيلي إلى توسيع عملية الاغتيالات في قطاع غزة، والتنكر لأي تفاهم.
ويشير شحادة للجزيرة إلى التحدي الذي تعلنه إسرائيل بمواصلة سياسة التصعيد ذاتها في القطاع، مؤكدا أن استهدافات اليوم تُعد ردا غير مباشر على الإدارة الأمريكية، وردا كذلك على زيارة كوشنر، والاتفاق الذي جرى التوصل إليه في مصر قبل أيام.
ويخلص شحادة إلى القول إن إسرائيل لا تأبه لأي تفاهمات واتفاقيات، مؤكدا أنها تتطلع للاستمرار في استعمال الأدوات الأمنية والعسكرية فقط في غزة، مضيفا أنها لا تريد أي تغيير في واقع القطاع، وترغب في استمرار الحصار والتجويع والتحكم بإدخال المساعدات، وأن تعم الفوضى القطاع، نظرا لأن ذلك كله يخدم مصالح إسرائيل، وفق تقديره.
أما الرسالة الأخرى وربما الأهم وراء التصعيد، فهي بالنسبة للمحلليْن، موجهة للداخل الإسرائيلي، في ظل الموسم الانتخابي في إسرائيل.
ويلفت الكاتب عفيفة للجزيرة إلى أن التصعيد يحمل رسالة انتخابية مفادها أن نتنياهو يرفض كل الضغوط الأمريكية، ويفرض في المقابل الواقع، وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
ويوضح عفيفة، أن الحكومة الإسرائيلية تتطلع إلى القول إنها الأقدر على الاستمرار في المسار والنهج التصاعدي، "في ظل المزايدات الداخلية الإسرائيلية"، مشيرا إلى أن جميع الأطراف "تزايد الآن على الدم الفلسطيني"، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
بدوره، يرى شحادة أن نتنياهو لا يريد أن يُصوَّر على أنه يخضع لإملاءات أو لضغوطات الرئيس ترمب، لأن ذلك -وفق شحادة- ألحق به ضررا، و"صُوّر وكأن نتنياهو ينصاع، وكأنه دمية لدى الرئيس ترمب".
وحتى لو أدى الأمر إلى تصدع وخلاف علني مع ترمب -يتابع شحادة- فإن ذلك على العكس، ربما يخدم الحملة الانتخابية لنتنياهو، "غير أن من سيدفع ثمنه هم الغزيون، عبر استمرار القتل والتدمير في القطاع".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة