نابلس – قد يزعجك جدا، وتشعر بالضجر إذا فتحت الصنبور ذات صباح ولم تجد ماء لتشرب أو تغتسل، لكنّ هذا حال المواطن الفلسطيني زاهر حمدان في قريته بيت إيبا غرب مدينة نابلس للأسبوع الثالث على التوالي، بعد أن قطع الاحتلال المياه عنهم وعن مناطق كثيرة.
وتعيش البلدة و11 بلدة مجاورة منذ أسابيع أزمة شديدة نتيجة انقطاع المياه، مما حول حياتهم إلى معاناة يومية في ظل موجة صيفية حارة ووضع اقتصادي صعب، بالكاد يستطيع المواطنون فيه توفير طعامهم واحتياجاتهم الأخرى الكثيرة.
ويقول المواطن الفلسطيني زاهر حمدان للجزيرة، إن بيته يفتقد للمياه في كل الاحتياجات؛ الشرب والاستحمام والغسيل وتنظيف الأواني، وكل شيء، حتى إن والده المسن الذي يعاني أمراضا عدة، لا يكاد يجد الماء ليتوضأ.
ويؤكد أنه يسعى بكل قوته لتوفير المياه عبر شرائها من الصهاريج الخاصة. لكنه، كما حال الكثيرين، لم يعد يطيق ذلك في ظل غلاء المياه وانعدام القدرة المالية لهم، بفعل قلة العمل واستفحال البطالة وأزمة الرواتب.
ويقول حمدان إن المجلس المحلي كان يوفر لهم المياه بسعر 4.5 شواكل للكوب الواحد، (الدولار = 3 شواكل)، "لكنْ اليوم أدفع ثمن الكوب الواحد بين 50 و60 شيكلا، وأنا أستهلك كوبا كل نحو 4 أيام".
وبحسبة بسيطة يحتاج حمدان إلى نحو 500 شيكل شهريا ثمنا للمياه، فضلا عن الالتزامات الأخرى في الحياة.
ويتساءل: كيف سيتدبر المواطن الذي لا يعمل حاله؟ أو كيف سيوفر الموظف الذي يتقاضى نصف راتب منذ أكثر من 5 سنوات أمره؟ مما يعني أن "الموظف أصبح يحتاج لإنفاق ربع أو نصف راتبه لشراء المياه فقط".
وما يزيد في قهر المواطن حمدان ومن يعانون من أمثاله من الفلسطينيين، أن البئر التي تزودهم بالماء تقام فوق أراضيهم، وفي منطقة يصنفها الاحتلال بأنها "أ" أي خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة، وفق اتفاق أوسلو، لكنّ الاحتلال يضع يده عليها بقرار عسكري، منذ سنوات طويلة ويبيعهم المياه عبر شركة المياه الإسرائيلية "ميكوروت".
ويضيف "الماء في بلدنا ونشتريه بأموالنا وبأسعار عالية، في الوقت الذي من المفترض أن تكون فيه بسعر تفضيلي، وأن نكون نحن أصحاب الحق فيه، سواء كبلد أو كمدينة"، ويضيف "نحن شبه موتى بلا ماء".
وهنا، يوجه حمدان العتب واللوم إلى سلطة المياه الفلسطينية من جهة، وإلى المستوى السياسي الفلسطيني من جهة أخرى بأن "يكون مطلبنا الوحيد الحرية في استخدام مياهنا، والتحكم بها. لا أن تتعلق حياتنا ومصير الآلاف بخراب مضخة البئر، ولا أحد يكترث بنا".
ومثل حمدان تطرح المواطنة ناهدة سماعنة، من قرية بيت إيبا، معاناتها، وتؤكد أن انقطاع المياه حرمها من تنظيف البيت واحتياجات ضرورية أخرى، قائلة "حياتنا صعبة بلا ماء".
وقبل أكثر من أسبوعين أبلغتْ سلطات الاحتلال الإسرائيلي عبر سلطة المياه الفلسطينية مجلس قروي بيت إيبا وأكثر من 11 قرية تستفيد من مياه "بئر بيت إيبا" بأن مضخة البئر أصابها عطل فني، وأنها تحتاج لإصلاح يستغرق شهرا أو أكثر، ما أحدث حالة من القلق والمعاناة يمتد تأثيرها يوما بعد آخر.
وبين احتجاجات محلية وأخرى ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، ارتفعت انتقادات المواطنين وتذمرهم من انقطاع المياه الموجودة أصلا في أراضيهم ولا يستطيعون الوصول إليها بفعل الاحتلال وإجراءاته العسكرية.
من جهتها تقول نائبة رئيس مجلس قروي بيت إيبا، إيمان إسماعيل -للجزيرة- إنهم يعيشون هذه الأزمة منذ أكثر من أسبوعين.
وتضيف أنهم يواجهون يوميا شكاوى عديدة من المواطنين نتيجة انقطاع الماء، ونقلت عن إحدى زميلاتها قولها: إنها لا تملك أن تشتري صهريج مياه بثمن 150 شيكلا شهريا، فكيف بها إذا صارت تحتاجه كل بضعة أيام؟
وتواجه معظم المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية أزمة مياه وتعطيش، لا سيما في فصل الصيف، يمارسه الاحتلال كنوع من العقاب الجماعي على الفلسطينيين، بينما يستهلك الإسرائيلي أضعاف ما يستهلكه الفلسطيني من الماء.
ويقول مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (حكومية) أمير داود -للجزيرة نت- إن الهيئة سجلت منذ مطلع عام 2024 وحتى اليوم هدم نحو 50 بئرا مائية فلسطينية، وهو ما يضع صمود المزارع الفلسطيني أمام تحديات وجودية ومخاطر مباشرة تلاحق تفاصيل حياته اليومية.
وتشير المعطيات الرسمية وفق وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" إلى أن إسرائيل تسيطر على أكثر من 85% من الموارد المائية الجوفية الفلسطينية عبر التحكم بحفر الآبار، ومنع تطوير آبار جديدة، وفرض قيود صارمة على إعادة تأهيل الآبار القائمة، بالتوازي مع استغلال مكثف لهذه الأحواض لصالح المستوطنات الإسرائيلية، فيما يُحرم الفلسطينيون من حقهم في المياه السطحية بشكل كامل مثل نهر الأردن وغيره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة