آخر الأخبار

جاكسون وبولك وماكينلي.. الأرواح التي استدعاها ترمب إلى البيت الأبيض

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في الأوديسة، ملحمة الإغريق الشهيرة المنسوبة إلى هوميروس، يخاطب مينيلاوس، ملك إسبرطة، تليماخوس ابن أوديسيوس قائلا: "دماء والديكَ فيكَ ما ضاعت". لكن أثر الماضي لا يقتصر على ما تحمله الجينات والدماء، فثمة أفكار وفلسفات لها سلالات وأنساب، تنتقل عبر الخطابات والرموز والمؤسسات، وقد تخفت عقودا قبل أن تعود في جسد جديد، بلغة مختلفة وأدوات مغايرة. وقد يشهد هذا الانتقال تبدل وظيفة الفكرة أو تطورها.

ولعل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من أبرز من تنطبق عليه هذه الفكرة. فحين جعل صعوبة التنبؤ بخطواته جزءا من صورته السياسية، ودعا منذ عام 2016 إلى أن تصبح الولايات المتحدة أقل قابلية للتنبؤ، كي يظل خصومها عاجزين عن الجزم بما قد تقدم عليه، لم يكن في الحقيقة يلجأ لحيلة جديدة على الرئاسة الأمريكية؛ إذ استخدم ريتشارد نيكسون منطقا مشابها في أواخر الستينيات، عُرف لاحقا بـ "نظرية الرجل المجنون"، حين أراد أن تعتقد موسكو وهانوي أنه قد يُقدم على أي شيء، وصولا إلى التصعيد النووي، لكسر جمود مفاوضات حرب فيتنام.

"لا يكشف ما ورثه ترمب عن نيكسون إلا طرفا من نسبه السياسي الممتد"

ومع ذلك، لا يكشف ما ورثه ترمب عن نيكسون إلا طرفا من نسبه السياسي الممتد؛ فالرجل، الذي بنى صورته على القطيعة مع المؤسسة الأمريكية والتمرد على تقاليدها، تحمل "جيناته السياسية" أفكار رؤساء عاشوا قبله بأكثر من قرن. ولم يبقَ هذا النسب السياسي مجرد استنتاج يُستخلص من تشابه الرؤى والسياسات، فقد تجسَّد أحيانا في استدعاء صريح للغة الماضي. وكان من أوضح تجلياته ما جرى في 20 يناير/كانون الثاني 2025، حين وقف ترمب في خطاب تنصيبه الثاني ليحدد ملامح ولايته الجديدة، مستعيرا من القرن التاسع عشر عبارته: "سنلاحق مصيرنا المحتوم إلى النجوم"، متعهدا بإرسال رواد فضاء لغرس العلم الأمريكي على كوكب المريخ.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لم يشتم السياسيون خصومهم؟ ولماذا تحب الجماهير ذلك؟
* list 2 of 2 من "باتمان" إلى "الأوديسة".. كيف تقرأ سينما نولان خطايا الغرب؟ end of list
إعلان

"المصير المحتوم"

ليس "المصير المحتوم" (Manifest Destiny) مصطلحا جديدا على الأذن الأمريكية، وليس قطعا وليد خيال كاتب خطابات ترمب؛ فقد ظهر المصطلح في أربعينيات القرن التاسع عشر، حين صاغه الصحفي جون أوسوليفان ليمنح التوسع الأمريكي مسحة قدرية، ويقدمه على أنه حق طبيعي وواجب قومي يقود الولايات المتحدة غربا من الأطلسي إلى ضفاف المحيط الهادي.

وسرعان ما التصق المصطلح بعهد جيمس بولك، الرئيس الحادي عشر للولايات المتحدة (1845-1849)، الذي حوَّل ذلك التصور إلى سياسة؛ فضمَّ تكساس، وحسم النزاع مع بريطانيا على ولاية أوريغون، وقاد بلاده إلى الحرب مع المكسيك، مُوسعا رقعتها القارية على حساب جيرانها على نحو غير مسبوق. ثم عادت العبارة إلى الظهور في رئاسة ويليام ماكينلي، الرئيس الخامس والعشرين (1897-1901)، ولكن بعد تجاوز الطموح الأمريكي حدود القارة واتجاهه إلى البحار. ففي سياق الدفع نحو ضم هاواي، تحدث ماكينلي عنها أيضا باعتبارها جزءا من "المصير المحتوم" للولايات المتحدة.

وحين استعاد ترمب العبارة بعد أكثر من قرن، رابطا بين "المصير المحتوم" والنجوم، لم يكن حديثه محصورا في بلوغ المريخ وزرع العلم الأمريكي فوق سطحه. ففي الوقت نفسه كان يتحدث عن ضم مقاطعة غرينلاند الدنماركية، وتحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، واستعادة السيطرة على قناة بنما؛ مُعيدا المصطلح إلى معناه القديم القائم على توسيع الجغرافيا الأمريكية. غير أن الحضور لم يجدوا فيه اجترارا للماضي، وإنما تلقفوه بالتصفيق، كأن فيه مفتاح المستقبل.

"حين تحدث ترمب عن المصير المحتوم، كان يتحدث عن ضم غرينلاند وكندا، واستعادة السيطرة على قناة بنما"

ولم تتوقف استعادة الماضي عند استعارة مفرداته. ففي الخطاب ذاته، أشاد ترمب صراحة بويليام ماكينلي، وقال إنه جعل الولايات المتحدة ثرية جدا بفضل "الرسوم الجمركية". وفي مارس/آذار 2025، أصدر رسالة تمجد أندرو جاكسون، الرئيس الأمريكي السابع (1829-1837) وتعهَّد فيها بمواصلة إرثه. فيما ربط، في رسالة أخرى عن ماكينلي، بين رؤيته التاريخية وسياسات إدارته الصناعية والتجارية.

هنا تتضح أمامنا سلالة سياسية ينتمي إليها ترمب؛ ففي صدامه مع النُخب يُطِل أندرو جاكسون، وفي قوميته ونظرته إلى المجال المحيط بالولايات المتحدة يظهر جيمس بولك، وفي افتتانه بالرسوم الجمركية وحماية الصناعة يعود ويليام ماكينلي. بهذا المعنى لم يبتكر ترمب هذه السياسات من العدم، بل جمع ميراثا كان مُوزَّعا بين رؤساء عاشوا قبله بأكثر من قرن، وأعاد تركيبه بلغة القرن الحادي والعشرين. ومن ثم، يصبح تتبع "سلالته السياسية" مدخلا إلى السؤال الأهم الذي رافق صعوده: هل يمثل الرجل خروجا طارئا على التاريخ السياسي الأمريكي بالفعل؟ أم أنه أعاد إلى السطح نزعات أصيلة منه؟

مصدر الصورة ترمب (يمين) أشاد بويليام ماكينلي وقال إنه جعل الولايات المتحدة ثرية جدا بفضل "الرسوم الجمركية" (وكالات)

"الرجل العادي" ليس عاديا

قبل أن يصبح ترمب مرشحا جديا للرئاسة، ظل اسمه لعقود مرتبطا بمحاولات وترشيحات محتملة لم تكتمل، حتى شاع بين المراقبين أن حديثه عن البيت الأبيض وسيلة دعائية لجذب الانتباه لشخصه وعلاماته التجارية أكثر منه مشروعا سياسيا مستقرا. لذلك، استقبل قطاع من الإعلام والنخبة السياسية إعلان ترشحه في يونيو/حزيران 2015 بوصفه عرضا دعائيا لن يستمر طويلا، بينما سخرت اللجنة الوطنية الديمقراطية من دخوله السباق، قائلة إنه أضاف إليه "الجدية التي كان يفتقر إليها".

إعلان

بالمثل، لم يؤخذ أندرو جاكسون على محمل الجد، فأحاطه الاستخفاف حين رشحه برلمان تينيسي للرئاسة في يوليو/تموز 1822؛ إذ بدا الجنرال الشرس في خصوماته غير مؤهل للرئاسة مقارنة برجال المؤسسة المحيطين به. لكن نتائج عام 1824 كشفت خطأهم بعدما تصدَّر جاكسون التصويتين الشعبي والانتخابي، دون أن يحقق الأغلبية اللازمة للفوز، ما نقل القرار إلى مجلس النواب الذي اختار كوينسي آدامز، في نتيجة عدَّها أنصار جاكسون ثمرة صفقة فاسدة بين خصومه.

"هزيمة عام 1824 لم تُنهِ مشروع جاكسون، بل منحته القضية التي بنى عليها حملته التالية"

غير أن هزيمة عام 1824 لم تُنهِ مشروع جاكسون، بل منحته القضية التي بنى عليها حملته التالية؛ إذ صوَّر النتيجة على أنها انتزاع إرادة الناخبين لمصلحة نخبة تتبادل السلطة داخل المؤسسات، في مسار يُذكِّرنا برفض ترمب نتيجة انتخابات عام 2020، وتصوير هزيمته أمام جو بايدن على أنها نتيجة نظام منحاز.

وخلال ما تلا ذلك من سنوات، حوَّل أنصار جاكسون غضب الهزيمة إلى حركة سياسية منظمة، قبل أن يعود في انتخابات عام 1828 ويهزم جون كوينسي آدامز بفارق حاسم. وهكذا وصل جاكسون إلى البيت الأبيض في مارس/آذار 1829 محاطا بصورة الرجل القادم من حدود الجمهورية لا من صالوناتها السياسية؛ نقيض النخب التقليدية التي احتكرت الحكم. وكما توضح سيرته "أندرو جاكسون: حياته وعصره"، التي كتبها أستاذ التاريخ الأمريكي هنري براندز، شكَّلت حياة جاكسون العسكرية وخشونته ومواجهاته الشخصية سردية سياسية عن صعود "الرجل العادي" إلى الرئاسة.

غير أن صورة الرجل العادي كانت انتقائية بدرجة ما؛ فمع ترشحه الثاني، لم يعد جاكسون غريبا عن السلطة؛ إذ بات عضوا سابقا في الكونغرس وقاضيا وجنرالا شهيرا، بل وأيضا مالكا للعبيد؛ فقد أظهر حصر أُجري قبيل دخوله البيت الأبيض استعباده 95 شخصا، وبلغ العدد نحو 150 عند وفاته. وبذلك، كان خارج المؤسسة رمزيا أكثر منه غريبا عنها فعليا، وهي مفارقة ستتكرر مع ترمب، الذي قدَّم نفسه ممثلا للناس العاديين في مواجهة النُخَب، مستندا في الوقت نفسه إلى ما راكمه داخل النظام من ثروة وشهرة ونفوذ.

مصدر الصورة ترمب (يسار) في المكتب البيضاوي (خلال ولايته الأولى) وإلى خلفه لوحة للرئيس الأسبق أندرو جاكسون (رويترز)

أنا المفوض من الشعب

انطلق جاكسون في ممارسة السلطة باسم "الرجل العادي"، لكن هذا التعبير حمل حدودا واضحة لمن يُعَد جزءا من الشعب؛ أي إن تطبيقه كان انتقائيا. فبينما وسَّعت الديمقراطية "الجاكسونية" المشاركة السياسية لقطاعات أكبر من الرجال البيض، فإنها رسخت في المقابل حدودا عرقية صارمة؛ إذ وقع جاكسون عام 1830 قانون إبعاد السكان الأصليين، وقدم الإبعاد إلى الكونغرس بوصفه سياسة "خَيِّرة"، ما مهد لاقتلاع جماعات أصلية من أراضيها، وانتهى في السنوات التالية إلى التهجير القسري والموت. وعليه، لا يمكن فصل شعبوية جاكسون عن الأرض والعرق؛ فقد اتسعت ديمقراطيته للرجال البيض، في الوقت الذي ازداد فيه العنف تجاه فئات أخرى.

"وسعت الديمقراطية الجاكسونية المشاركة السياسية للرجال البيض، لكنها اقتلعت السكان الأصليين"

وتجد هذه المفارقة صداها في شعبوية ترمب؛ إذ تتعزز بين قطاعات ترى نفسها مُهمَلة من المؤسسة الحاكمة، لا سيما قطاعات من البيض غير الجامعيين، وبعض سكان المناطق الريفية والبلدات الصناعية والإنجيليين المحافظين. لكنها تقترن في الوقت نفسه بتصوُّر ضيق للانتماء القومي، وبخطاب يُقدِّم المهاجرين وغيرهم بوصفهم خطرا على أمن البلاد وهويتها. وفي الحالتين، تتسع المشاركة والتمثيل لمن يُقدَّمون بوصفهم "الشعب الحقيقي"، بينما تضيق الحماية السياسية والأخلاقية بمن يوضعون خارجه.

مصدر الصورة لوحة درب الدموع للفنان روبرت ليندنو توضح تهجير السكان الأصليين من هنود الشيروكي عام 1838 (شترستوك)

وقد بلغت شعبوية جاكسون ذروتها في حربه على البنك الثاني للولايات المتحدة. وكان البنك، الذي أنشأه الكونغرس عام 1816، بميثاق مدته 20 عاما، أقرب إلى بنك مركزي؛ إذ أودعت فيه الحكومة أموالها واختص بإصدار أوراق نقدية، كما مارس نفوذا واسعا على الائتمان والبنوك المحلية. لكنه لم يكن مؤسسة حكومية خالصة، بل شركة مختلطة يملك مستثمرون من القطاع الخاص معظم أسهمها، وبينهم مساهمون أجانب، وهو ما جعله في نظر جاكسون مركزا ماليا يتمتع بقوة عامة دون خضوع للإرادة الشعبية.

إعلان

وعندما أقر الكونغرس في يوليو/تموز 1832 مشروعا لتجديد ميثاقه قبل انتهاء مدته، استخدم جاكسون حق النقض لوقفه. ولم يُقدم اعتراضه بوصفه خلافا تقنيا حول العملة والائتمان أو حدود سلطة الكونغرس، بل صاغه مواجهة بين المواطنين العاديين ومؤسسة مالية محصنة بالامتيازات. واتهم البنك بأنه مؤسسة احتكارية منحتها الحكومة مزايا استثنائية استفاد منها الأثرياء وبعض المستثمرين الأجانب، وكتب أن المشروع لا يوزع عدالة الحكومة بالتساوي؛ أي أنه حوَّل نزاعا ماليا معقدا إلى قضية سياسية مفادها: الشعب في مواجهة النخبة المالية.

هذا البناء البلاغي لا يعني أن موقف جاكسون الاقتصادي كان صحيحا أو محل إجماع، لكنه يكشف قدرته على تحويل مسألة تقنية إلى قصة سياسية تُبرزِه على أنه الرجل المدافع عن الشعب. وهي البنية نفسها التي ستتكرر في خطاب ترمب حين صوَّر النظام التجاري أو الصين أو المؤسسات الفيدرالية و"الدولة العميقة"، بوصفها أدوات تآمرت بها نخبة سياسية واقتصادية على الأمريكيين.

مصدر الصورة رسم كاريكاتيري تاريخي بعنوان "انهيار البنك" يُظهر أندرو جاكسون رافعاً قرار سحب الأموال العامة بينما تنهار أعمدة البنك المتصدعة فوق المستثمرين (غيتي)

أما الأثر الأبعد لحرب البنك فتضمَّن توسيع جاكسون الاستخدام السياسي لحق الاعتراض الرئاسي. فقد تشكَّلت اعتراضات أسلافه على أسس دستورية، لكن جاكسون برَّر رفضه بمزيج من الحجج الدستورية والاقتصادية والأخلاقية، مستندا إلى تصوره الخاص للعدالة والمصلحة العامة، كما تمسَّك بحق الرئيس في تفسير الدستور، دون أن يعد رأي الكونغرس أو الأحكام السابقة للمحكمة العليا ملزمة له في ممارسة سلطاته.

هنا تكمن صلة أعمق بين جاكسون وترمب، تتجاوز العداء الظاهر للمؤسسات المالية؛ فقد قرأ الأول انتخابه بوصفه تفويضا شعبيا مستقلا، يتيح له التحدث مباشرة باسم الناخبين في مواجهة الكونغرس والمحاكم، وليس مجرد ممارسة لاختصاصاته داخل منظومة من السلطات المتوازنة. وبالمثل، يتعامل ترمب مع الرئاسة على أنها علاقة مباشرة بين القائد وناخبيه، لا مجرد فرع يعمل داخل منظومة من السلطات المتوازنة. وعندما يُقدَّم الرئيس بوصفه التجسيد الوحيد لإرادة الشعب، يسهل تصوير المعارضة البرلمانية أو القضائية أو البيروقراطية على أنها تعطيل للدولة، لا ممارسة مشروعة لوظيفة دستورية.

"هناك صلة أعمق بين جاكسون وترمب، تتجاوز العداء الظاهر للمؤسسات المالية"

وقد امتدَّ هذا التصور في حقبة جاكسون إلى الجهاز الإداري، حيث دافع عن التناوب في الوظائف العامة باعتباره وسيلة لمنع نشوء طبقة بيروقراطية دائمة تحتكر الخبرة والنفوذ، لكن التطبيق اتجه إلى إقصاء موظفين لأسباب حزبية وتعيين أنصار حزبه بدلا منهم. ومن هنا ارتبط عهده بما عُرف لاحقا بـ"نظام الغنائم"، أي توزيع المناصب العامة على الموالين السياسيين مكافأة على دعمهم الانتخابي.

يظهر صدى ذلك في مساعي ترمب إلى تشديد السيطرة الرئاسية على الجهاز التنفيذي. ففي أمر تنفيذي أصدره في يناير/كانون الثاني 2025، أكد أن صلاحيات الموظفين المؤثرين في صنع السياسات مستمدة من الرئيس، وأنهم يجب أن يخضعوا لمساءلته بوصفه رأس السلطة التنفيذية والمسؤول المنتخب على المستوى الوطني. ولكن التشابه يتوقف عند اختلاف السياق؛ فالإدارة الفيدرالية في عهد جاكسون كانت صغيرة ومحدودة التخصص، بينما تضم الدولة الحديثة مؤسسات أمنية وعلمية وتنظيمية تقوم على خبرات تراكمية معقدة. وما أمكن تقديمه عام 1829 بوصفه تناوبا ديمقراطيا، قد يُشكِّل اليوم إهدارا للخبرة العامة.

مصدر الصورة مساعي ترمب لإحكام السيطرة الرئاسية على الجهاز البيروقراطي تتشابه مع ‘نظام الغنائم’ في عهد جاكسون (الفرنسية)

حرباء اليسار واليمين

بهذا المعنى، تنتقل الصلة بين جاكسون وترمب من تشابه في السياسات إلى تشابه في منطق الشرعية نفسه؛ إذ يضع القائد نفسه في مواجهة نخبة مالية أو تشريعية أو بيروقراطية، ويُقدِّم سلطته بوصفها التعبير المباشر عن إرادة الناس، وذلك هو صميم الشعبوية، فالشعبوية ليست كل خطاب صاخب ولا كل سياسي يعد الفقراء بمواجهة الأغنياء، بل إنها تقوم على اختزال المجتمع في معسكرين متعارضين: شعب حقيقي ونخبة فاسدة تعرقل إرادته، مع تقديم القائد باعتباره الممثل الحصري للشعب في مواجهة المؤسسات التي تعيق إرادته.

ولا يحصر هذا التعريف الشعبوية في برنامج اقتصادي محدد؛ فقد تدعو الشعبوية إلى إعادة توزيع الثروة، كما قد تتحالف مع خفض الضرائب على الأثرياء، وقد تتخذ صورة يسارية أو يمينية، قومية أو اجتماعية. ولهذا يصفها العالمان السياسيان كاس مود وكريستوبال روفيرا كالتفاسر بأنها أيديولوجيا "رقيقة المركز"، لا تقدم وحدها تصورا متكاملا للحكم، بل تحتاج إلى الارتباط بأيديولوجيا أكثر اكتمالا، مثل القومية أو الاشتراكية أو المحافظة، كي تتحول إلى مشروع سياسي.

"يفضل المؤرخ مايكل كازين فهم الشعبوية بوصفها لغة سياسية مرنة، لا أيديولوجيا مكتملة"

على جانب آخر، يفضل المؤرخ مايكل كازين فهم الشعبوية بوصفها لغة سياسية مرنة، لا أيديولوجيا مكتملة؛ فهي يمكن أن تنتقل بين مشروعات متعارضة. وعليه، يُعرفها كازين في كتابه "الإقناع الشعبي" بأنها خطاب يُصور عامة الناس كجماعة فاضلة، ويضعهم في مواجهة نخبة أنانية أو غير ديمقراطية. ويُبيِّن كازين أن هذه اللغة ارتكزت تاريخيا على "أخلاقيات المُنتِج"؛ أي التمييز بين المزارعين والعمال الذين يصنعون الثروة بجهدهم، وبين نخب مالية أو بيروقراطية تُصور كأنها تعيش على عمل الآخرين. ولذلك، استخدمتها الحركات الزراعية والعمالية والاشتراكية في القرن التاسع عشر لمهاجمة البنوك والاحتكارات والأرستقراطية المالية.

إعلان

غير أن مرونة هذه اللغة سمحت لها، بحسب كازين، بأن تبدأ منذ أواخر الأربعينيات في الهجرة من اليسار إلى اليمين. فقد تبناها معادو الشيوعية ثم اليمين المسيحي، ولاحقا الرئيسان الأمريكيان نيكسون وريغان، لكنهم استبدلوا بالنخبة المالية نخبة ليبرالية وثقافية وبيروقراطية اتهموها بازدراء القيم التقليدية والانفصال عن الأمريكيين العاديين. ولهذا لم يحتكر الشعبوية حزب أو طبقة، فهي تعود كلما شعر قطاع واسع بأن المؤسسة لم تعد تمثله أو أنها خانت المبادئ الأساسية للبلاد، وتمنح مستخدميها قدرا من التفاؤل البلاغي، إذ توحي بأن تحريك الناس العاديين كفيل بتغيير كل شيء، كما تتيح الاحتجاج على الظلم وعدم المساواة دون تبنّي مشروع ثوري واضح؛ فهي تدعو إلى التغيير، وفي الوقت نفسه تعمل صماما يُخفف احتمالات الانفجار الثوري الكامل.

وتتسع جاذبية هذه اللغة في لحظات القلق الجمعي، حين تتراكم المخاوف ويبدو النظام عاجزا عن تبديدها. وفي صعود ترمب باعتباره نموذجا لتلك الحالة، ثمَّة تداخل بين قلق اقتصادي غذَّاه تراجع التصنيع والمنافسة الصينية، مع قلق ثقافي وديموغرافي نتيجة الهجرة، وقلق ثالث مؤسسي نبع من الاعتقاد بأن الدولة منحازة ضد المواطنين العاديين. وانضم إلى ذلك قلق رابع جيوسياسي من انحسار النفوذ الأمريكي وتراجع مكانة الولايات المتحدة، انعكس في نزعة توسعية قُدِّمت سبيلا لاستعادة القوة والمجال والمكانة. ولم يكن أنصار ترمب كتلة متجانسة، لكن قوته تمثلت في صهر هذه المخاوف داخل رواية واحدة، تعد باسترداد البلاد وحدودها وهيبتها ونفوذها.

صهر خطاب المخاوف الاقتصادية والثقافية في رواية واحدة، يُقدّم فيها القائد نفسه ممثلا حصريا للشعب في مواجهة النخب (الفرنسية)

"جينات" معكوسة من بولك

هذا الفهم الذي يطرحه كازين للشعبوية بوصفها "لغة مرنة"، يتيح نقل المقارنة من السمات الشخصية إلى طريقة بناء الخطاب. فالرئيس الأمريكي جيمس بولك لم يكن شعبويا استعراضيا على طريقة ترمب، وكان أكثر انضباطا وتحفظا وأقل اعتمادا على الجاذبية الشخصية، ومع ذلك، طوَّع كلاهما هذه اللغة لاكتساب تأييد قطاعات محددة.

فقد ورث بولك عن الجاكسونية عداءها للامتيازات المالية وهيمنة النخب، فهاجم الدين العام لأنه ينقل ثروة ناتجة من عمل الكثيرين إلى خزائن القلة، كما رفض استخدام الرسوم الجمركية لإثراء أقلية على حساب الملايين الكادحين. وتظهر هذه البنية الخطابية في خطاب تنصيب ترمب عام 2017، حين قال إن المؤسسة السياسية حمت نفسها لا المواطنين، وإن المصانع أغلقت والثروة انتزعت من الطبقة الوسطى ووُزِّعَت عبر العالم. لكن العدو تغيَّر هذه المرة؛ فبينما واجه بولك البنك الوطني والامتيازات الحمائية، صبّ ترمب غضبه على العولمة ونقل المصانع والصين والنظام التجاري الدولي.

"التقت مخاوف الطبقة والحدود والمكانة في مشروع بولك، الذي قدم التوسع بوصفه حماية للرجل العادي"

وقد شكَّل البُعد الخارجي أوضح عناصر رواية بولك. فقد ظلت ولاية أوريغون موضع نزاع مع بريطانيا، بينما خشي أنصار ضم تكساس أن يتيح وضعها المستقل لبريطانيا توسيع نفوذها في الجوار الأمريكي، في وقت رفضت فيه المكسيك استقلال الإقليم، وحذرت من أن ضمه سيقود إلى الحرب، ما غذَّا تصورا بأن قوى خارجية تسعى إلى تطويق الولايات المتحدة وتقييد صعودها. تزامن ذلك مع إعلان بولك أن الأمريكيين المقيمين في أوريغون يملكون سببا وجيها للشكوى من الإهمال الطويل، ومطالبته بمد القانون الأمريكي وحماية الحكومة الفيدرالية إليهم. وهكذا غُلِّف الطموح التوسعي بمنطق دفاعي، ثم التقت مخاوف الطبقة والحدود والمكانة في مشروع قدَّم التوسُّع بوصفه حماية لـ"الرجل العادي" وضرورة لمستقبل الأمة.

صورة جيمس بولك في البيت الأبيض (الفرنسية)

وبالنظر إلى المنطق الذي يستخدمه ترمب عند صياغة قضايا الحدود والمجال المحيط، فثمة تشابه لافت في استدعاء الخطر الوجودي. ففي خطاب تنصيبه عام 2025، وصف الهجرة غير النظامية بأنها غزو، وربط قناة بنما بالنفوذ الصيني، كما قدَّم اهتمامه بغرينلاند على أنه ضرورة للأمن القومي. ومثل خطاب التوسعيين أيام بولك، لا يبدو توسيع السيطرة داخل هذه الرواية اعتداء على الآخرين، بل استجابة لخطر يقترب من المجال الأمريكي. غير أن الفارق هو أن بولك تحرك في عصر الحدود الإمبراطورية المتنازع عليها والاستيطان القاري، بينما يُوجه ترمب هذه اللغة إلى دول وأقاليم تحكمها سيادة مستقرة وترتيبات دولية راسخة.

غير أن ذلك لا يغفل أن بولك لم يكن منشغلا بـ"إغلاق الحدود" أمام المهاجرين، فالحدود بالنسبة إليه كانت خطا قابلا للدفع إلى الخارج، لا جدارا يُقام لمنع الدخول. لقد كانت قوميته توسعية، تسعى إلى ضم الأرض وامتلاك الموانئ والوصول إلى المحيط الهاد. أما قومية ترمب، فهي تتمحور في معظمها حول ضبط الحركة إلى داخل الدولة وتقييد الهجرة، مع خطاب توسُّعي لا يبدو قابلا للتطبيق حيال كندا وغرينلاند.

وثمة صلة أعمق تجمع الرجلين؛ فكلاهما حوَّل الحدود من مسألة إدارية أو قانونية إلى اختبار للكرامة الوطنية، ومن ثم لحشد التأييد. ففي خطاب بولك، كان قبول الرواية المكسيكية يعني التسليم بإمكان إهانة الولايات المتحدة والنيل من حقوقها على أرض تعدها جزءا من مجالها السيادي. وفي خطاب ترمب، باتت الهجرة غير النظامية دليلا على أن النخب الحاكمة سمحت بتعطيل السيادة وترك البلاد عرضة لما يصفه بالغزو. وفي الحالتين، يُقدَّم توسيع القوة التنفيذية بوصفه استعادة للسيادة.

سور ماكينلي وسلاح ترمب

وإذا كانت جينات بولك تظهر في نظرة ترمب إلى الحدود والتوسع، فإن أثر ماكينلي يبرز حين ينتقل الخطاب من الأرض إلى المصنع. فقد كان ماكينلي من أبرز أنصار "الحمائية"، أي فرض رسوم مرتفعة على السلع المستوردة حتى تصبح المنتجات الأجنبية أغلى، فتتمكن المصانع المحلية من منافستها والحفاظ على وظائف العمال الأمريكيين. وكان يرى أن حماية الصناعة الوطنية لا تقل أهمية عن حماية حدود البلاد، حتى إنه شبَّه واجب الحكومة في الدفاع عن العمال والمصانع بواجبها في صد أي غزو خارجي.

ترجم ماكينلي هذا التصور إلى قانون للتعريفة الجمركية حمل اسمه عام 1890، ورفع الرسوم على عدد كبير من الواردات إلى نحو 50% في المتوسط. لكن القانون سرعان ما أثار غضبا واسعا، بعدما أدى ارتفاع الرسوم لزيادة أسعار بعض السلع، ورأى كثير من الناخبين أنه يحمي أرباح كبار الصناعيين على حساب المستهلك العادي. وقد جاء الرد قاسيا في الانتخابات، حيث خسر الجمهوريون 93 مقعدا في مجلس النواب.

غير أن فكرة الحمائية استعادت جاذبيتها بعد الأزمة الاقتصادية التي اندلعت عام 1893، حين ارتفعت البطالة وأُغلقت المصانع، فأصبح من الممكن تقديم الرسوم الجمركية بوصفها وسيلة لحماية الوظائف وإنعاش الاقتصاد. وهي الصيغة نفسها التي أحياها ترمب حين قدَّم الرسوم الجمركية بوصفها سلاحا لاستعادة المصانع الأمريكية، وردَّ ما وصفه بسرقة الوظائف والثروة من الولايات المتحدة.

"فكرة الحمائية استعادت جاذبيتها بعد الأزمة المالية لعام 2008، ما مهد الطريق لصعود ترمب"

ويلتقط مايكل كازين أحد أوجه التشابه الأخرى بين ماكينلي وترمب، يرتبط بسياق الصعود، إذ يرى أن ترمب استفاد بدوره من المناخ الذي خلَّفته الأزمة المالية لعام 2008، حين ازداد الغضب من النخب والمؤسسات واتُّهمت بالتخلي عن الأمريكيين العاملين، ما مهَّد الطريق أمام ترمب. ورغم تراجع الوزن الديموغرافي للطبقة العاملة البيضاء، ظلت كتلتها الانتخابية كبيرة بما يكفي لترجيح كفته في المجمع الانتخابي عام 2016.

لكن التشابه بينهما لا يمتد إلى تعريف "الشعب"، أو إلى الوظيفة التي تؤديها التعريفة الجمركية نفسها. فقد سعت حملة ماكينلي إلى استيعاب عمال المدن، بما يشمل فيهم الكاثوليك والمهاجرين، وقدَّمته حاميا للاستقرار والتعدد الديني. وكانت الرسوم عنده، في المقام الأول، سورا يحمي المصانع والوظائف الأمريكية من المنافسة الأجنبية. أما ترمب فينتمي، وفق تصنيف كازين، إلى تقليد شعبوي أضيق، يقصر صورة الأمريكيين الحقيقيين على جماعة قومية وإثنية محاصرة بين نخبة فاسدة في الأعلى ومهاجرين وأقليات في الأسفل. كما وسَّع وظيفة التعريفة نفسها؛ فلم تعد مجرد أداة لحماية الصناعة، بل تحولت إلى وسيلة عقابية وسلاح تفاوضي لردع الدول المنافسة وإجبارها على تقديم تنازلات.

بهذا المعنى، ورث ترمب عن ماكينلي القدرة على بناء ائتلاف عمالي حول وعد حماية الصناعة المحلية، لكنه أعاد رسم حدوده بلغة ثقافية وديموغرافية أشد إقصاء، وحوَّل التعريفة من جدار اقتصادي دفاعي إلى أداة ضغط هجومية، بما يجعله في تعريف الشعب أقرب إلى أندرو جاكسون، وفي استخدام التجارة أكثر صدامية من ماكينلي.

وفق هذا المنظور، لا يعيد ترمب استنساخ ماكينلي، مثلما لا يعد نسخة متطابقة من بولك أو جاكسون. فهو ينتقي من كل تجربة ما يلائم مشروعه. وما يميزه هو جمعه هذه المكونات في خلطة واحدة تتغذى على مخاوف فقدان المكانة. لكن في القلب من ذلك، لا يبدو عهد ترمب قطيعة في التاريخ الأمريكي، كما يريد المدافعون عن المثالية الأمريكية إيهامنا، فالرجل يُمثِّل التاريخ الأمريكي عاريا، حين تستيقظ نزعاته القديمة، بلا أي كوابح.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران مصر محمد صلاح

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا