آخر الأخبار

من "فورتنايت" إلى المدارس العسكرية.. بريطانيا تهيئ جيلا لحرب روسيا

شارك

بينما تتزايد التحذيرات في بريطانيا من احتمال مواجهة عسكرية مع روسيا خلال الأعوام المقبلة، تتجه لندن إلى إعادة صياغة منظومة إعداد قواتها المسلحة، عبر توسيع تجنيد الفتيان، وإنشاء مدرسة عسكرية جديدة، والاستثمار في تقنيات محاكاة رقمية مستوحاة من ألعاب الفيديو لتدريب الجنود على ساحات قتال افتراضية تحاكي الواقع.

وتكشف تقارير نشرتها صحيفتا آي بيبر والغارديان البريطانيتان أن هذه التحركات تأتي ضمن إستراتيجية أوسع لتعزيز جاهزية الجيش، الذي تراجع إلى أصغر حجم له منذ الحقبة النابليونية، مع التركيز على إعداد "الكوادر" منذ سن مبكرة، وتطوير أساليب التدريب لمواجهة الحروب الحديثة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من يسيطر على الجيش الإسرائيلي؟.. صدام مفتوح بين كاتس وزامير
* list 2 of 2 هكذا استغل ضباط أمريكيون كاميرات المراقبة للتحرش وملاحقة النساء end of list

مدارس عسكرية للفتيان

إحدى أهم المشكلات التي تواجه المملكة المتحدة هي نقص المجندين، وهناك قاعدة تجنيد واسعة قررت بريطانيا الاستفادة منها بشكل غير مسبوق مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، هي الفتيان.

وتُعد المملكة المتحدة الدولة الأوروبية الوحيدة التي تسمح بالتجنيد ابتداء من سن 16 عاما، مع اشتراط موافقة أولياء الأمور، ومنع المجندين من المشاركة في العمليات العسكرية قبل بلوغهم سن 18 عاما، كما أنهم غير ملزمين بالانضمام إلى الجيش بعد انتهاء البرنامج.

مصدر الصورة جنود هاروغيت يُجرون تدريبا ميدانيا عام 2023 (غيتي)

أما السبب الرئيسي وراء لجوء الحكومة إلى مثل هذا الحل -بجانب نقص "الكوادر" في الجيش- فهو وصول أعداد الشباب غير الملتحقين بمؤسسة تعليمية أو عمل أو تدريب مهني إلى نحو مليون شاب بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026، وفق تقرير آي بيبر.

ويقضي بعض هؤلاء الفتيان والشبان أوقاتهم في اللعب واللهو أو التسكع، في حين يعاني آخرون قلة الفرص. لذا توفر القوات المسلحة "فرصا رائعة للشباب"، وفق ما نقلته آي بيبر عن مصدر مقرب من وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ.

تستقبل كلية الجيش التأسيسية في هاروغيت نحو 1700 طالب سنويا تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاما

وتشير الصحيفة إلى مثال كلية الجيش التأسيسية في هاروغيت، التي افتُتحت عام 1998، حيث يحصل الطلاب على راتب شهري يتراوح بين 1200 و1500 جنيه إسترليني (نحو 1600 و2000 دولار أمريكي) مع توفير الإقامة داخل مهاجع تضم 12 طالبا، إضافة إلى تذاكر سفر مدفوعة للعودة إلى منازلهم.

إعلان

وتتمتع الكلية بشهرة كبيرة، حيث تستقبل نحو 1700 طالب سنويا تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاما، ويفوق عدد المتقدمين قدرتها الاستيعابية.

مصدر الصورة ستريتينغ يدرس توسيع تجربة هاروغيت وبناء مدرسة عسكرية أخرى للفتيان وفق مصادر مطلعة (الأوروبية)

كما يجمع البرنامج بين التدريب العسكري الأساسي وإعادة تأهيل الطلاب تعليميا، عبر تدريس اللغة الإنجليزية والرياضيات لمن أخفقوا في امتحانات الثانوية، إلى جانب التدريب المهني وتنمية مهارات القيادة والانضباط والعمل الجماعي.

وكشفت آي بيبر -استنادا إلى أقوال مصدر مطلع- أن ستريتينغ يدرس توسيع تجربة هاروغيت وإنشاء مركز جديد قد يضاعف عدد الفتيان القادرين على الالتحاق بالقوات المسلحة في سن 16 عاما.

وبحسب الصحيفة، فإن مدينة ألدرشوت -المعروفة بأنها "موطن الجيش البريطاني"- تُعد الخيار الرئيسي لبناء المدرسة الجديدة، لكن المشروع ما زال في مراحله الأولية، وقد يستغرق تشغيله أعواما.

انتقادات وتحفظات

ورغم الدعم الحكومي والمبررات السياسية والضرورات الواقعية، فإن مشروع تجنيد الفتيان يواجه انتقادات من منظمات حقوقية، أبرزها شبكة حقوق الطفل الدولية، التي اتهمت الجيش البريطاني عام 2019 بالاعتماد على الفتيان -خاصة من المناطق التي تعاني الفقر- لمعالجة أزمة التجنيد.

مصدر الصورة كلية هاروغيت واجهت انتقادات من منظمات حقوقية أبرزها شبكة حقوق الطفل الدولية (غيتي)

كما ذكرت آي بيبر أن كلية هاروغيت شهدت خلال الأعوام الماضية مزاعم تتعلق باعتداءات جنسية والعنف والعنصرية، ومحاولة انتحار واحدة على الأقل، في حين أكدت الحكومة أنها عززت إجراءات حماية المجندين عبر تشريعات جديدة وآليات مستقلة للنظر في الشكاوى.

ورغم هذه الانتقادات، فقد حصلت الكلية -في أحدث تقييم لهيئة "أوفستيد" لمراقبة المعايير التعليمية في بريطانيا- على تصنيف "متميز"، إذ يرى مؤيدو المشروع أنه يمنح آلاف الشبان فرصا تعليمية ومهنية قد لا تتوفر لهم في مؤسسات التعليم التقليدية، في وقت تستعد فيه بريطانيا -وفق آي بيبر- لبيئة دولية أكثر اضطرابا.

التدريب يبدأ من شاشة افتراضية

وفي موازاة توسيع قاعدة التجنيد، كشفت صحيفة الغارديان عن استعداد وزارة الدفاع البريطانية لإدخال جيل جديد من المحاكاة الرقمية في تدريب القوات المسلحة، بعد فوز تحالف من الشركات التقنية بعقد تبلغ قيمته ملياري جنيه إسترليني (نحو 2.7 مليار دولار أمريكي).

التقنية الجديدة أشبه بنسخة "متطورة من فورتنايت" بمحاكاة عسكرية متقدمة صُممت خصيصا لتدريب الجنود

بواسطة ناعومي هولم، الرئيسة التنفيذية المشاركة لشركة "سكايرال"

ويضم التحالف شركة "سكايرال" البريطانية، التي تطور ما يُعرف بـ"التوأم الرقمي"، وهو نموذج افتراضي يحاكي مدنا حقيقية بكل تفاصيلها، من الشوارع والبنية التحتية إلى شبكات الكهرباء وتركيبة السكان.

واستخدمت الشركة مدينة ريغا عاصمة لاتفيا -وهي موقع إستراتيجي للردع ضد روسيا- نموذجا تجريبيا، حيث يستطيع الجنود تنفيذ عمليات عسكرية داخل نسخة رقمية من المدينة، مع مراقبة تأثير قراراتهم في السكان المدنيين وشبكات الخدمات والطرق والإمدادات.

مصدر الصورة الرئيسة التنفيذية لشركة "سكايرال" شبهت نظام التدريب الجديد بلعبة "فورتنايت" (غيتي)

"فورتنايت" ولكن للحرب

وتصف الرئيسة التنفيذية المشاركة لشركة "سكايرال" ناعومي هولم التقنية الجديدة بأنها أشبه بنسخة "متطورة من فورتنايت" بمحاكاة عسكرية متقدمة صُممت خصيصا لتدريب الجنود.

إعلان

ويعتمد النظام -وفق ما نقلته الغارديان عن هولم- على تقنيات ألعاب الفيديو لبناء بيئات افتراضية تحاكي ساحات قتال ومدنا حقيقية بكل تفاصيلها.

وتضيف خبيرة "سكايرال" أن النظام لا يركز فقط على الاشتباكات العسكرية، بل يحاكي أيضا النتائج غير المباشرة للقرارات العسكرية، مثل تأثير قصف محطة كهرباء على حركة السكان، أو تبعات استهداف طريق رئيسي على سلاسل الإمداد والخدمات.

المحاكاة الرقمية تساعد الجيوش على اختبار أفكار قد يكون تنفيذها ميدانيا مكلفا أو مستحيلا

بواسطة فيكتور دوتر، الرئيس التنفيذي لشركة "باور سايز تيكنولوجيز"

ويقول التقرير إن هذه المحاكاة تمنح القادة فرصة لاختبار سيناريوهات معقدة بصورة متكررة وبتكلفة أقل كثيرا من المناورات العسكرية الحية، رغم أن الدراسات لا تزال تبحث مدى فاعلية انتقال هذه الخبرات الافتراضية إلى ساحات القتال الحقيقية.

وأوردت الغارديان رأي فيكتور دوتر -الرئيس التنفيذي لشركة "باور سايز تيكنولوجيز" المتخصصة في تقنيات الدفاع والطاقة- بأن المحاكاة الرقمية تساعد الجيوش على اختبار أفكار قد يكون تنفيذها ميدانيا مكلفا أو مستحيلا، مثل تشغيل الدبابات بأنظمة هجينة أو دراسة استخدام الطاقة الشمسية في قواعد عسكرية صحراوية.

مصدر الصورة صورة لمستخدم يجرب جهاز محاكاة في معرض معدات الدفاع والأمن الدولي عام 2025 في لندن (غيتي)

روسيا المحرك الرئيسي

وتأتي هذه الإجراءات في وقت يتزايد فيه الحديث داخل بريطانيا وأوروبا عن ضرورة رفع الجاهزية العسكرية في مواجهة روسيا، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المخاوف من توسع التهديدات الروسية.

وترى الحكومة البريطانية أن تحديث منظومة التجنيد والتدريب يمثل جزءا من إستراتيجية طويلة الأمد لتعويض النقص في أعداد الجيش، وتهيئة القوات المسلحة لمتطلبات الحروب المستقبلية التي تجمع بين التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي والعمليات التقليدية.

وفي السياق نفسه، ترى الباحثة الإيطالية ناتالي توتشي -في مقال تحليلي نشرته صحيفة الغارديان- أن أوروبا تواجه "تحديا وجوديا" يتمثل في كيفية الدفاع عن نفسها إذا تراجع الدعم العسكري الأمريكي في مواجهة روسيا.

وتقول إن الحرب في أوكرانيا والهجمات الروسية الهجينة والتهديدات العسكرية المتكررة دفعت الدول الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، والاستعداد لاحتمال خوض مواجهة مع موسكو دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

الدول الأوروبية تستعد لتحمّل مسؤولية الدفاع عن نفسها وتولي مسؤوليات أكبر في الناتو (غيتي)

وتضيف توتشي أن هذا الواقع هو ما أدى إلى ظهور مفهوم " الناتو 3.0"، الذي يقوم على تحمّل الدول الأوروبية الجزء الأكبر من أعباء الدفاع داخل الحلف، مع بحث بدائل مثل "تحالفات الراغبين" وبناء منظومة أمنية أوروبية أكثر استقلالية عن واشنطن تحسبا لاحتمال تراجع دورها مستقبلا.

وبين توسيع تجنيد الفتيان وإنشاء مدارس عسكرية جديدة والاستثمار في المحاكاة الرقمية، تبدو بريطانيا بصدد تحوّل كبير، إذ يرى مسؤولون أن الردع العسكري وحماية البلاد من أي تهديد روسي محتمل يبدأ من بناء جيل جديد قادر على خوض حروب تختلف في أدواتها وأساليبها عن حروب الماضي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران مصر اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا