عمّان- كلما وقفت المزارعة الأردنية نبيلة الحشوش في أرضها بغور الصافي، لا ترى مجرد عشرات الدونمات التي ورثتها عن والدها، بل سنوات من العمل، ومصدر رزق عائلتها، وإرثا تخشى أن تفقده بقرار استملاك.
لم تكن تعلم نبيلة أن قصتها ستتحول من حكاية مزارعة تحاول حماية أرضها إلى عنوان لنقاش سياسي وقانوني واسع تحت قبة البرلمان، بعدما أصبحت أراضيها ضمن مشروع السكة الحديدية.
وتقول للجزيرة نت إن المزارعين لا يقفون في وجه التنمية أو المشاريع الوطنية، لكنهم يطالبون بألا تكون على حساب حقوقهم وأراضيهم التي تمثل بالنسبة لهم أكثر من مجرد ملكية، فهي مصدر عيشهم وضمان مستقبل أبنائهم، وتضيف أن استمرار قرارات الاستملاك، رغم تغيير مسار السكة، زاد من مخاوفهم وطرح تساؤلات عن مصير الأراضي الزراعية ومستقبلها.
ولم تبق هذه التساؤلات في الأغوار الجنوبية، بل انتقلت إلى مجلس النواب الأردني، حيث فجّر مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026 خلافا واسعا بين الحكومة والنواب.
ففي حين ترى الحكومة أن التعديلات تمثل خطوة لتحديث التشريعات، وتسريع تنفيذ مشاريع إستراتيجية كشبكة السكك الحديدية، يحذر معارضوها من أنها قد تمس حقوق الملكية الخاصة، وتثير مخاوف تتعلق بحماية الأراضي الزراعية وتملّك غير الأردنيين للأراضي.
والمشروع المطروح هو تعديل على قانون الملكية العقارية بالمملكة، الذي ينظم مختلف شؤون الملكية العقارية والاستملاك والبيع والإفراز وإزالة الشيوع في البلاد.
وتقول الحكومة إن التعديلات تستهدف تحديث المنظومة العقارية بما ينسجم مع التحول الرقمي، وتبسيط إجراءات دائرة الأراضي والمساحة، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم البيع على المخطط، وإنشاء وحدة متخصصة لدراسة السوق العقاري وإصدار المؤشرات، إضافة إلى معالجة ملفات إزالة الشيوع التي بقيت عالقة لسنوات.
إلا أن هذه الأهداف لم تكن محور الجدل، إذ انصب التركيز على مادتين أساسيتين:
ويرى معارضو المشروع أن بعض التعديلات لا تقتصر على تحديث الإجراءات، وإنما تمس مباشرة حقوق الملكية الخاصة، وتفتح الباب أمام توسيع صلاحيات الاستملاك في مشاريع البنية التحتية.
وتتركز المخاوف حول تعديل تعريف "الطريق"، إذ ينص قانون الملكية العقارية الحالي على جواز استملاك ما لا يزيد على ربع مساحة العقار دون تعويض عند إنشاء الطرق، استنادا إلى أن الطريق يحقق منفعة مباشرة للعقار المتبقي ويرفع قيمته السوقية.
لكن الحكومة اقترحت إضافة عبارة "السكك الحديدية" إلى هذا التعريف، مما يعني -وفق معارضي التعديل- إمكانية تطبيق قاعدة "الربع القانوني" على مشاريع السكك أيضا.
وهنا بدأ الخلاف الحقيقي، فبينما تعتبر الحكومة أن السكك الحديدية جزء من منظومة النقل العام ولا تختلف من حيث المبدأ عن الطرق، يرى عدد كبير من النواب أن الفارق بينهما جوهري، لأن الطريق يفتح واجهات جديدة للأراضي ويرفع قيمتها، في حين أن السكة قد تؤدي إلى تجزئة الأرض، وفرض حرم وسياجات عليها، وتقييد الوصول إليها، بل وخفض قيمتها السوقية.
ولهذا السبب، شهدت جلسات مجلس النواب اعتراضات واسعة على المادة، وسجل عدد من أعضاء اللجنة القانونية مخالفات رسمية عليها، مطالبين بحذف عبارة "السكك الحديدية" من تعريف الطريق، أو النص صراحة على دفع تعويض كامل عن الأراضي المستملكة وعن أي ضرر يلحق بالجزء المتبقي من العقار.
وامتد الجدل أيضا إلى التعديلات المتعلقة بتملك غير الأردنيين للأراضي، حيث اعتبر نواب أن أي توسع في هذا الملف يجب أن يسبقه تشديد للضوابط المرتبطة بالأمن الوطني و الأمن الغذائي والتخطيط العمراني، في حين تؤكد الحكومة أن التعديل محدود ويقتصر على التملك السكني ضمن شروط واضحة.
من جهتها، قالت النائب ديمة طهبوب للجزيرة نت إن الخلاف مع الحكومة لا يتعلق برفض مشاريع السكك الحديدية، وإنما بطريقة تنظيم الاستملاك. وأكدت أن السكك وسيلة نقل وليست طريقا بالمعنى القانوني، وبالتالي لا يجوز منحها الامتياز ذاته الذي يسمح باستملاك جزء من الأرض دون تعويض.
وأضافت أن مرور خطوط السكك، لا سيما المخصصة لنقل البضائع والمواد الخام، قد يخفض قيمة الأراضي بدلا من رفعها، بسبب تجزئتها، وفرض ارتدادات تنظيمية عليها، والضوضاء، وصعوبة الوصول إليها، معتبرة أن هذه الآثار تستوجب تعويضا عادلا للمواطنين.
كما حذرت طهبوب من المساس بالأراضي الزراعية، معتبرة أن القطاع الزراعي يمثل أحد مرتكزات الأمن الغذائي والسيادة الوطنية، وأن أي مشروع تنموي يجب أن يبتعد قدر الإمكان عن الأراضي الزراعية الخصبة، أو يضمن تعويضا عادلا لأصحابها يحفظ حقوقهم.
وبشأن التعديلات الخاصة بتملك غير الأردنيين، طالب نواب، من بينهم نور أبو غوش، بتشديد الضوابط المتعلقة بالتملك خارج حدود التنظيم، ومنح الحكومة صلاحيات أوسع لتقييده وفق اعتبارات الأمن الوطني، والتخطيط العمراني، وحماية الأراضي الزراعية.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن مشروع القانون لا يستهدف الانتقاص من حقوق المواطنين، وإنما تحديث التشريعات العقارية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
وأوضح وزير الدولة للشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات -في تصريحات تحت قبة البرلمان- أن المشروع لا يقدم قانونا جديدا، وإنما يعدل أحكاما قائمة لتطوير الخدمات العقارية، ورقمنة الإجراءات، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم البيع على المخطط، وإنشاء وحدة متخصصة لدراسة السوق العقاري وإصدار المؤشرات الدورية.
وفيما يتعلق بتملك غير الأردنيين، شدد العودات على أن التعديل لا يفتح الباب أمام التملك المطلق، بل يقتصر على التملك السكني خارج التنظيم، ضمن مساحة لا تتجاوز 10 دونمات، مع استمرار الحظر على المناطق الحدودية والأثرية والإستراتيجية.
أما بخصوص السكك الحديدية، فأكد رئيس اللجنة القانونية النيابية عارف السعايدة -خلال مداخلة في البرلمان- أن إدراجها ضمن تعريف الطريق يستند إلى دراسات قانونية وتجارب دولية تعتبر هذه السكك جزءا من منظومة النقل العام، معتبرا أن النص يحقق التوازن بين المنفعة العامة وحقوق الملكية، مع بقاء حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم.
بدوره، يرى وزير النقل نضال القطامين أن مشاريع السكك الحديدية تمثل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية، مبينا أنها تسهم في خفض كلفة النقل، وإنشاء مراكز لوجيستية وصناعية، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، فضلا عن رفع قيمة الأراضي والعقارات المجاورة لها، استنادا إلى تجارب دولية أظهرت ارتفاع قيمتها بنسبة تتراوح بين 10 و50%.
كما أكد وزير الدولة للشؤون القانونية فياض القضاة أن استملاكات غور الصافي و"فيفا" التي أثيرت حولها المخاوف لا تخضع أصلا للتعديلات الجديدة، وأنها تمت وفق القانون النافذ لصالح شركة "البوتاس"، مع تعويض أصحاب الأراضي تعويضا كاملا، مشيرا إلى أن مسار السكة الحديدية جرى تعديله لاحقا لأسباب فنية، وأن المشاريع التي بدأت إجراءات استملاكها سابقا لن يطبق عليها نظام "الربع القانوني".
وتعزز هذه المخاوف ما تذهب إليه رئيسة الباحثين القانونيين في المركز الوطني للعدالة البيئية، المحامية ليلى السامرائي التي حذرت، في تصريحات للجزيرة نت، من أن التعديلات المرتبطة بقانون الملكية العقارية ومشروع السكة الحديدية قد تشكل تهديدا مباشرا للأراضي الزراعية الخصبة في الأغوار الجنوبية، بما ينعكس على الأمن الغذائي ومصادر رزق آلاف الأسر.
وقالت السامرائي إن آلية التعويض الواردة في مشروع القانون لا تحقق مبدأ "التعويض العادل" الذي نص عليه الدستور، معتبرة أن تقديره من قبل الجهة المستملكة نفسها يخل بحقوق أصحاب الأراضي، مؤكدة أن الضرر لن يقتصر على الأراضي المستملكة، بل سيمتد إلى الأراضي المجاورة نتيجة انخفاض قيمتها وتعذر استغلالها بالشكل السابق.
وأضافت أن تحويل الأراضي الزراعية إلى استخدامات أخرى سيؤدي إلى تقليص الرقعة الزراعية، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية، فضلا عن آثار بيئية تتمثل في التصحر وتدهور التربة، داعية إلى إعادة النظر في التعديلات بما يضمن حماية الأراضي الزراعية وحقوق المزارعين، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الإستراتيجية للدولة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة