عادت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران إلى الاشتعال ليلة الخميس، بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية ( سنتكوم ) عبر منصة "إكس" أن قواتها أتمّت "موجة مكثفة" من الضربات ضد إيران .
وأوضحت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن الضربات جاءت رداً على محاولات إطلاق صواريخ استهدفت القوات الأمريكية يوم الأربعاء، مؤكدة أنها شملت عشرات المواقع التابعة للحرس الثوري الإيراني داخل إيران، من بينها مراكز قيادة عسكرية ومنشآت مرتبطة بالقدرات الهجومية.
وقال مسؤول أمريكي لشبكة "فوكس نيوز" إن الغارات استهدفت "مجموعة واسعة جداً" من الأهداف داخل إيران، فيما نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مسؤول آخر قوله إن الضربات الأخيرة كانت أوسع نطاقاً من سابقاتها، مشيراً إلى أن حجم القصف بلغ نحو ضعف حجم الهجمات السابقة.
وطالت الضربات الأمريكية عدداً من المواقع في جنوب إيران، حيث أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية، من بينها قناة "برس تي في"، بسماع دوي انفجارات في مدن بوشهر وأبو موسى وجزيرة كيش والأهواز وجزيرة قشم.
وقال نائب محافظ إقليم هرمزغان جنوب إيران إن القوات الأمريكية استهدفت مناطق تقع في محيط جزيرة قشم، فيما نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية سماع ثلاثة انفجارات في الجزيرة، مشيرة إلى أن ضربة بصاروخ أمريكي أصابت منطقة سكنية فيها.
كما أفادت الوكالة بوقوع انفجارات في مدينة كازرون جنوب إيران.
من جهته، كان الرئيس دونالد ترامب قد توعد بأن الولايات المتحدة "ستضرب إيران بقوة"، بعدما أطلقت طهران صواريخ باليستية باتجاه قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة. وقال ترامب إن قوات بلاده لم يكن أمامها سوى دقائق معدودة لاعتراض تلك الصواريخ قبل وصولها.
وفي وقت سابق، أعلن الحرس الثوري الإيراني، بدوره، إطلاق صواريخ باتجاه أهداف عسكرية أمريكية في الأردن، واصفاً ذلك بأنه رد على "العدوان الأمريكي"، فيما أعلن الجيش الأردني اعتراض خمسة صواريخ إيرانية وإسقاطها. كما أعلن الحرس الثوري استهداف ثلاث ناقلات نفط دون الكشف عن مواقعها.
على الصعيد السياسي، لا تبدو إدارة ترامب حالياً على قناعة بامتلاك استراتيجية واضحة لاستئناف المفاوضات مع طهران لإنهاء الصراع. فرغم المحاولات التي يبذلها بعض الوسطاء لإعادة إطلاق المحادثات، أو تحديد نقطة انطلاق محتملة لها مستقبلاً، أكد مسؤول أميركي رفيع المستوى أن الإدارة لا تسعى حالياً بشكل نشط إلى إجراء أي مفاوضات.
وبحسب ما نقلت شبكة " إي بي سي نيوز"، قال مسؤول تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مداولات داخلية، إن التطورات الأخيرة في المنطقة تشير إلى أن استئناف الدبلوماسية المباشرة "ليس وشيكاً".
ويربط محللون بين حالة الغموض هذه وتصاعد انعدام الثقة بين الجانبين، خصوصاً بعد انهيار مقترح هدنة مؤقتة كان قد وُقّع منتصف يونيو/حزيران.
في السياق نفسه، كانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد نقلت الأربعاء عن مصادر مطلعة أن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، أعدّ خطة لشن "حملة جوية عقابية" ضد إيران قد تستغرق نحو أسبوعين.
وتقوم رؤية كوبر على قناعة بأن الضربات المحدودة التي نفذتها واشنطن خلال الأشهر الماضية لم تحقق الردع المنشود، إذ واصلت إيران تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستمرت في استهداف القوات الأميركية بالصواريخ. من هنا، يدفع قائد "سنتكوم" نحو عملية جوية واسعة تستهدف تدمير أكبر قدر ممكن من القدرات الصاروخية الإيرانية، معتبراً أن إضعاف هذه القدرات سيقلّص لاحقاً حاجة القوات الأمريكية لاستخدام منظومات الدفاع الجوي لاعتراض الهجمات الإيرانية.
وبحسب المصادر ذاتها، يحظى هذا الخيار بدعم وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي يرى أن التصعيد العسكري المكثف قد يقلب موازين المواجهة.
في المقابل، يتبنى الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، مقاربة مختلفة. وبحسب أشخاص مطلعين على النقاشات، يحرص كاين على تذكير البيت الأبيض بما يسميه "التداعيات من الدرجة الثانية والثالثة" لأي قرار عسكري، محذراً من تراجع مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض الدفاعية، وهي منظومات تحتاجها واشنطن أيضاً لحماية قواعدها وقواتها في مناطق متعددة حول العالم.
ومع ذلك، لا يعارض كاين استئناف العمليات العسكرية الكبرى ضد إيران، بل يرى أن تراجع المخزون الدفاعي يرفع فقط من حجم المخاطر المرتبطة بأي تصعيد طويل الأمد.
عقب إعلان وقف إطلاق النار السابق، كان وزير الحرب هيغسيث قد أكد أن البرنامج الصاروخي الإيراني بات "مدمراً عملياً"، وأن منصات الإطلاق والصواريخ تعرضت لاستنزاف كبير. غير أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية خلصت إلى نتيجة مختلفة، مفادها أن إيران احتفظت بجزء مهم من ترسانتها الصاروخية.
وهو ما أشار إليه ترامب نفسه خلال مقابلة على شبكة "إن بي سي"، حين قال إن طهران ربما لا تزال تمتلك ما بين 21 و22% من صواريخها، في وقت يرى فيه بعض المحللين أن النسبة الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بكثير.
ويرى منتقدو خطة كوبر أن التجربة أثبتت قدرة إيران على استعادة جزء كبير من قوتها العسكرية، رغم الضربات المكثفة التي استهدفت منشآت الصواريخ تحت الأرض ومراكز الإنتاج خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
ويشيرون إلى أن القوات الإيرانية نجحت في إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ، واعتمدت تكتيكات جديدة شملت تغيير مسارات الصواريخ واستخدام مناورات مختلفة للتحايل على الدفاعات الأمريكية، إلى جانب توسيع اعتمادها على الطائرات المسيّرة.
وقد برزت هذه القدرات مجدداً منتصف يوليو/تموز، حين أدى هجوم صاروخي إيراني إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في قاعدة بالأردن، قبل أن تشن طهران الثلاثاء هجوماً صاروخياً جديداً وصفته القيادة المركزية الأمريكية بـ"الهجوم المفاجئ".
المصدر:
يورو نيوز