أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، التزام الحكومة السورية بـ"مسار العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا وتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي" فيما رحب أعضاء مجلس الأمن بجهود "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" و"الهيئة الوطنية للمفقودين" في سوريا، معتبرين أنها "تمثل خطوة مهمة في معالجة تداعيات سنوات الحرب" بحسب وكالة الأنباء السورية (سانا).
جاء ذلك خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، مساء الثلاثاء، ناقش خلالها ملفي العدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا بحضور رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، ورئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي.
وأشار علبي، في كلمته، إلى أن الأغلبية العظمى من المفقودين "لم يُكشف بعد عن مصيرهم"، وأن "عمليات البحث عنهم مستمرة"، لافتا إلى "إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين لمتابعة هذا الملف ومعالجة قضية المفقودين في سوريا".
وقال علبي إن سوريا انتقلت من ساحة للنزاعات إلى جسر يربط بين مختلف قارات العالم، وهو ما تجسد في واشنطن قبل أيام بتوقيع مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف من الشركات الدولية، لإعادة تأهيل خط النفط كركوك- بانياس.
وأشار إلى عقد مجلس الشعب الجديد أولى جلساته وتشكيل المحكمة الدستورية العليا، لتكتمل بذلك الأعمدة الأساسية للبناء المؤسساتي في المرحلة الانتقالية.
وأكد علبي أن "مسار محاسبة المسؤولين عن ضحايا أحداث السويداء قد انطلق، وأن صون كرامة أهل السويداء بكل مكوناتهم واجب وطني لا تهاون فيه، بما في ذلك ضمان عودة المهجرين وحماية حق أبنائهم في التعليم".
وبيّن علبي أن وحدات وزارة الداخلية أحبطت محاولة تهريب شحنة ضخمة من الأسلحة النوعية قرب الحدود السورية العراقية، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية إلى لبنان، مؤكداً أن "سوريا لن تكون ممرا للسلاح غير الشرعي أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منطلقاً لتهديد أمن دول المنطقة وشعوبها".
وفيما يتعلق بالتوغلات الإسرائيلية المتصاعدة داخل الأراضي السورية، أضاف أن بلاده "ترسل فرق الإنقاذ وإسرائيل ترسل قوات الاحتلال، وسوريا تضبط السلاح المهرب، وإسرائيل تعبر الحدود بالسلاح، وسوريا تطفئ النيران، وإسرائيل تشعلها، وسوريا تعمل وترحب بالأمم المتحدة وإسرائيل تعرقل قوافلها الإنسانية".
وأضاف المندوب السوري، "أنه في الوقت الذي تعمل فيه سوريا على حماية شعبها وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة يضع (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو حساباته الانتخابية الضيقة فوق أمن المنطقة، ويوهم شعبه بأن المزيد من الحروب سيجلب لهم الأمان، بينما يزج بهم من معركة إلى أخرى بلا أفق ولا نهاية".
وقال إن "سوريا اختارت الدبلوماسية وضبط النفس والمضي في طريق المبادرة الأمريكية، وهي تدرك أن الحوار لا يعني القبول بالاحتلال، والدبلوماسية لا تعني التنازل عن الحقوق".
بدوره، أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب قيادة وطنية وشراكات دولية بناءة، داعياً في كلمته المجتمع الدولي إلى "مواصلة الاستثمار في بناء المؤسسات الوطنية بما يعزز استقرار سوريا والمنطقة".
وأكد عبد اللطيف "أهمية دور الأمم المتحدة وآلياتها المعنية في دعم العدالة الانتقالية وسيادة القانون وحماية الضحايا وتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة"، معرباً عن التطلع إلى "مستوى أعمق من التعاون والتكامل مع المؤسسات الوطنية السورية في تبادل الخبرات وبناء القدرات".
وأضاف أن الهيئة نسقت مع أكثر من 80 منظمة مجتمع مدني، وأحدثت ست إدارات تنفذ زيارات دورية إلى المحافظات، وبدأت فرق الحقيقة فتح ملفات عدد من المجازر بينها التضامن في دمشق والحولة في حمص وجديدة الفضل في ريف دمشق وتسنيم في ريف حمص، فيما تواصل إدارة المحاسبة والمساءلة التحقيقات في مواقع متعددة بمحافظات حمص ودير الزور ودمشق ودرعا.
من جهته، قال رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي.إن هيئته "كشفت مصير عدد من المفقودين، واستجابت لأكثر من 170 بلاغا عن مواقع يشتبه بوجود مقابر أو رفات بشرية فيها، كما افتتحت عشرة مراكز لخدمة العائلات في المحافظات وأطلقت 11 برنامجا وطنياً، وبدأت مشاورات لإعداد قانون خاص بالمفقودين".
وبيّن أن الهيئة وقعت إعلان مبادئ للتعاون مع ثلاث جهات دولية معنية بالمفقودين، بحيث تقود الهيئة العمل داخل سوريا، فيما يتركز الدور الدولي على الدعم الفني والتقني ونقل الخبرات وبناء القدرات.
وقالت المندوبة الأمريكية في مجلس الأمن تامي بروس: "إن استقرار سوريا يعتمد على معرفة مصير أكثر من 125 ألف مفقود" موضحة، في كلمتها أن "كل أسرة سورية تأثرت بشكل شخصي جراء الاحتجاز والتعذيب والقتل تحت حكم نظام الأسد".
بدوره، أعلن مندوب بريطانيا ديم ماكينتوس "مواصلة تقديم المساعدة الفنية للهيئة الوطنية للمفقودين، وأبدى استعداد بلاده للعمل مع الحكومة السورية لتحقيق العدالة والمصالحة لجميع السوريين".
وشدد مندوب فرنسا جيروم بونافون على "أن تحقيق السلام في سوريا يرتبط بتحقيق العدالة"، مؤكدا "ضرورة محاسبة مرتكبي الجرائم وتعويض الضحايا"
واعتبر "أن مكافحة الإفلات من العقاب شرط أساسي للمصالحة، داعيا إلى" تعزيز التعاون مع الآليات الأممية والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين."
من جانبه، وصف مندوب روسيا فاسيلي نيبينزيا قضية المفقودين بأنها "من أكثر القضايا إلحاحاً"، معتبراً أن "إنشاء هيئتين وطنيتين للمفقودين والعدالة الانتقالية دليل على إدراك التحديات".
في السياق ذاته، شدد مندوب السعودية عبد العزيز بن محمد الواصل على "ضرورة دعم جهود الحكومة السورية لحفظ الاستقرار"، مشيداً بـ" الخطوات لشطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب".
وخلال الجلسة، حذّر نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني، من أن استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا يقوضان الثقة بالمرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد.
وقال كوردوني "إن سوريا أقدمت على خطوات مؤسسية مهمة خلال المرحلة الانتقالية، مشيرا إلى أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على الحكم الشامل، والمساءلة، وتحقيق تحسن ملموس في الظروف المعيشية للسكان.
وجدد دعوة الأمم المتحدة لإسرائيل إلى وقف الأنشطة التي تنتهك اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، واحترام القانون الدولي.
من جانبها، دعت مديرة قسم الاستجابة للأزمات في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إيديم ووسورنو، المجتمع الدولي إلى تعزيز دعمه لمساعدة البلاد على الانتقال من الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى التعافي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بحسب الأناضول.
وأوضحت أن نحو 1.7 مليون لاجئ سوري و1.9 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، إلا أن 5.5 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخل البلاد، فيما يقيم 6 ملايين سوري خارجها.
وأضافت أن نحو 15.6 مليون شخص، أي ما يقارب ثلثي سكان سوريا، ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في ظل حرمان ملايين السوريين من الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم وفرص الدخل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة