بينما تتصدر المعارك والعنف عناوين الأخبار، تدور في خلفية الحرب السودانية معركة أخرى حول السيطرة على الذهب. فالمعدن النفيس، الذي يُعد أحد أهم موارد البلاد، أصبح عنصرًا مؤثرًا في اقتصاد الحرب، عبر شبكات إنتاج وتجارة وتهريب تمتد من مناطق التعدين المحلية إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي مناطق التعدين بشمال السودان، يروي العاملون في هذا القطاع كيف انعكست الحرب على نشاطهم اليومي. يقول أحمد (اسم مستعار) من الولاية الشمالية: "أعمل في مجال التعدين منذ عام 2017، ولدي آبار ومناجم خاصة بي. في تلك الفترة قمنا بفتح آبار في منطقة الخنادق، وكان العمل يسير بشكل جيد. وكانت الشركة التركية التي كنا نورد لها الذهب متطورة، وتوفر قناة مهمة لتسويق الإنتاج."
وأضاف أحمد بعد اندلاع الحرب تغيّر الوضع بشكل كبير؛ فمع وصول أعداد من النازحين من العاصمة الخرطوم والجزيرة إلى مناطق التعدين، اتجه كثيرون إلى هذا المجال، ما أدى إلى زيادة الإنتاج رغم الظروف الصعبة. لكننا واجهنا مشاكل كبيرة، خاصة في الوقود والمعدات وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب تعقيدات تسويق الإنتاج بعد توقف عمل الشركة التركية، وهو ما جعل استمرار التعدين أكثر صعوبة.
وقال حسان، وهو اسم مستعار لأحد العاملين في قطاع التعدين الأهلي: "إن الحرب أثرت بشكل كبير على قطاع التعدين، إذ ارتفعت أسعار الوقود والمعدات وتكاليف النقل، وأصبحت كلفة الإنتاج أعلى بكثير مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب"لكن تأثير الحرب على التعدين لم يقتصر على ظروف العمل داخل المناجم، بل امتد إلى حركة تجارة الذهب ومسارات خروجه من البلاد. .
وبحسب الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، فإن التقديرات الحالية تشير إلى موارد واحتياطيات ذهبية تُقدر بنحو 1500 طن، وهي أرقام تستند إلى نتائج الاستكشاف والدراسات الجيولوجية المتاحة حتى الآن.
يقول الخبراء: إن العاملين في هذا القطاع لديهم حرية بيع إنتاجهم داخل الأسواق و عبر قنوات أخرىصورة من: Hannah McNeish/AFP/Getty Imagesلكن قصة الذهب في السودان لا تتوقف عند مواقع التعدين، إذ تمتد إلى شبكات التجارة والتصدير ومسارات التهريب.ويشير أحمد حسب علمه إلى جزء قليل من الذهب يُباع داخل الولاية الشمالية، لكن جزءًا من الإنتاج يُهرّب عبر طرق مختلفة؛ بعضه يتجه إلى حلفا ومنها إلى مصر باستخدام وسائل تهريب، فيما يُنقل جزء آخر إلى الدبة، ومن هناك قد يخرج إلى خارج البلاد. ويضيف أنه لا يستطيع تحديد النسبة بدقة، لكن ما يُباع داخل الولاية الشمالية يمثل، بحسب تقديره، جزءًا محدودًا مقارنة بما يخرج عبر قنوات أخرى.
وأضاف حسان أن القوة الشرائية للذهب لم تشهد تغيرًا كبيرًا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، موضحًا أن حركة الشراء والبيع ترتبط في المقام الأول بحجم الإنتاج.
وأشار إلى أن تأثير الحرب كان أكثر وضوحًا في مناطق النزاع، مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث تعطلت أنشطة التعدين في بعض المواقع، بينما استمر العمل في مناطق أخرى بعيدة عن خطوط المواجهات دون تأثر يُذكر.
وفيما شهدت مناطق إنتاج الذهب حوادث متكررة، من بينها انهيارات في آبار التعدين أدت إلى دفن عدد من المعدّنين، وسط انتقادات لضعف إجراءات السلامة وغياب وسائل الحماية الكافية داخل كثير من مواقع التعدين التقليدي.
وبحسب تقديرات منظمة SWISSAID فإن إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 80 طنًا، بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، ما يجعله أحد أكبر منتجي الذهب في إفريقيا، ويبرز أهمية هذا المورد في الاقتصاد السوداني وفي حسابات الصراع الدائر حول السيطرة على الثروات المعدنية.
لكن الذهب لم يكن مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح جزءًا من حسابات النفوذ قبل الحرب وخلالها , اذ تشير تقارير ودراسات إلى أن قوات الدعم السريع استفادت من شبكات مرتبطة بتعدين الذهب وتجارته، خاصة في دارفور، قبل اندلاع الحرب، بينما ظلت مؤسسات الدولة والجهات المرتبطة بالقوات المسلحة تسيطر على أجزاء أخرى من القطاع.
يذكر أن هذا القطاع يوفر فرص عمل لأكثر من مليوني شخص، ويعتمد غالبًا على أدوات بسيطة ومواد كيميائية خطرة مثل الزئبق. كما يساهم في إنتاج نحو 80% إلى 90% من إجمالي الذهب المستخرج في السودان.ما يجعله قطاعًا مهمًا يعتمد عليه كثير من الناس.
ويري الدكتور الفاتح عثمان محجوب، نائب مدير المركز العام الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الذهب أصبح يلعب دورًا كبيرًا في حياة المواطنين خلال الحرب، مشيرًا إلى أن قطاع التعدين الأهلي يوفر مصدر دخل لنحو 3 إلى 5 ملايين مواطن، يعيلون بدورهم ما يصل إلى 15 مليون شخص، بينهم نسبة كبيرة من السودانيين خارج البلاد.
وأضاف عثمان أن فقدان السودان لمورد الذهب قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية، ودفع نحو 20 مليون مواطن إلى مواجهة مخاطر الجوع والفقر، ما قد يزيد من موجات النزوح واللجوء إلى دول الجوار وأوروبا. واعتبر أن التعدين أصبح أحد أدوات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسودانيين، خاصة بعد تضرر القطاع الصناعي وفقدان كثير من الوظائف وتراجع النشاط الزراعي، الأمر الذي جعل التعدين خيارًا متاحًا لملايين الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم.
وبحسب مركز الأبحاث البريطاني Chatham House، تؤثر كل من مصر والإمارات في المشهد الاقتصادي المرتبط بالحرب السودانية بحكم علاقاتهما بالأطراف المتحاربة. وتشير تقارير المركز إلى أن الإمارات تمثل محورًا رئيسيًا لتجارة الذهب السوداني، في حين سعت القوات المسلحة السودانية خلال الحرب إلى تعزيز مسارات تصدير ونقل الذهب عبر مصر بما يوفر قنوات تمويل وتجارة بديلة.
وأوضح الدكتور الفاتح عثمان محجوب أن التعدين الأهلي لا يرتبط مباشرة بالجيش أو قوات الدعم السريع أو الحركات المسلحة، بل هو نشاط يعتمد عليه ملايين المواطنين، مشيرًا إلى أن عدد العاملين فيه يتراوح بين 3 و5 ملايين شخص. وأضاف أن بعض المعدّنين يمتلكون آبارهم الخاصة، بينما يعمل آخرون بنظام "الثلث" مقابل تقاسم الإنتاج.
وأشار عثمان إلى أن العاملين في هذا القطاع لديهم حرية بيع إنتاجهم داخل الأسواق أو عبر قنوات أخرى، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الذهب المنتج يخرج عبر عمليات تهريب إلى دول الجوار، خاصة مصر و تشاد ، وقدّر أن نحو 80 في المئة من الذهب يُهرّب خارج البلاد بحسب قوله.
تشير تقارير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) إلى أن مصر أصبحت مسارًا مهمًا لتجارة الذهب السوداني، حيث تمر كميات كبيرة منه عبر قنوات غير رسمية قبل أن يصل جزء منها إلى الإمارات والأسواق العالمية.
ولا يقتصر الجدل على مسارات خروج الذهب من السودان، بل يمتد إلى وجهاته النهائية في الأسواق الدولية..وبحسب تقرير صادر من منظمة غرينبيس إيطاليا إلى أن إيطاليا أصبحت عام 2025 أكبر مستورد للذهب من خارج الاتحاد الأوروبي، ما يجعلها بوابة رئيسية للذهب القادم من مناطق عالية المخاطر.
وتحذر المنظمة من أن ضعف الرقابة على سلسلة التوريد قد يسمح بدخول ذهب مرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان أو أضرار بيئية دون ضمان مصدره القانوني.
وبحسب صحيفة Sudan Tribune، نقلًا عن الشركة السودانية للموارد المعدنية، فإن إيرادات التعدين الأهلي خلال الربع الأول من عام 2026 تجاوزت المستهدف بنسبة 113%، فيما بلغ إنتاج الذهب 89% من الخطة الموضوعة للفترة نفسها.
المصدر:
DW