غزة – منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يتوقف عدّاد الشهداء، وما تزال صفارات سيارات الإسعاف تشق شوارع القطاع مع كل غارة جديدة، في سباق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح.
فمنذ أكثر من 1000 يوم، لم تحظَ هذه المركبات ولا طواقمها بفرصة لالتقاط أنفاسها، إذ تواصل عملها ضمن منظومة أنهكها حصار امتد لسنوات، قبل أن تأتي حرب الإبادة لتكمل استنزاف ما تبقى من مركباتها وإمكاناتها، وتدفعها تدريجيا نحو حافة الشلل.
في منطقة الفالوجا شمالي جباليا، حين استهدف الاحتلال نقطة الشرطة المركزية في 15 يوليو/تموز، لم يكن يفصل المواطن عبد الله أبو طاقية عن المكان سوى 3 دقائق.
وصل مسرعا، ليجد نحو 15 شخصا بين شهيد وجريح، تتناثر أجسادهم على الأرض وقد كان من بينهم نساء وأطفال. استدعى الأهالي سيارات الإسعاف، لكن واحدة فقط كانت متاحة في تلك المنطقة بينما كانت مركبتان أخريان خارج الخدمة.
يقول أبو طاقية -للجزيرة نت- إن أول سيارة إسعاف وصلت بعد نحو 15 دقيقة، حملت عددا من الجرحى، فيما بقي آخرون على الأرض ينتظرون وسيلة تقلهم إلى المستشفى. ومع استمرار غياب مركبات إسعاف أخرى، لم يجد الأهالي سوى سيارات مدنية ودراجات نارية ثلاثية العجلات (تكتك) لنقل المصابين، على أمل أن يعثروا في الطريق على مركبة إسعاف تكمل بهم الرحلة.
ويضيف أبو طاقية "حملت صديقي على تكتك، وبعد مسافة قابلتنا سيارة إسعاف فنقلناه إليها". يواصل شارحا معاناة آخذة بالتفاقم يوما بعد آخر بفعل إجراءات الاحتلال وتضييقه "ثم توقفت سيارة مدنية تقل مصابَين آخرين، فحُملا معنا، حتى أصبح داخل سيارة الإسعاف 10 أشخاص، بينهم 3 مصابين بحالات حرجة".
داخل سيارة الإسعاف لا تتوفر مستلزمات كافية، خلع المرافقون ملابسهم وربطوا بها جروح المصابين، بينما حاول آخرون إجراء تنفس اصطناعي بأيديهم.
لكن سيارة الإسعاف نفسها لم تصل إلى وجهتها مباشرة، فبعد أن قطعت نحو نصف المسافة تعطلت في الطريق الوعر، ليجد المسعفون أنفسهم مضطرين إلى استدعاء مركبة أخرى، وفي الوقت نفسه واصل المصابون نزفهم بانتظار وصولها. وبينما كانت الدقائق تمضي، فارق صديق عبد الله الحياة قبل أن يصل إلى مجمع الشفاء الطبي.
أسفر الاستهداف عن استشهاد 7 من عناصر الشرطة الفلسطينية، لكن المأساة -كما يرى الغزيون- لا تتوقف عند لحظة القصف، بل تمتد إلى منظومة إسعاف مستنزفة يعادل تأخرها إزهاق أرواح كان يمكن إنقاذها.
تعقيبًا على ما جرى في الفالوجا، يرى مدير الخدمات الطبية في شمال قطاع غزة، فارس عفانة، أن تأخّر سيارات الإسعاف أو تعطلها أثناء نقل المصابين ليس حادثا استثنائيا، بل أصبح واقعا تعيشه الطواقم بشكل متكرر في ظل الاستنزاف المتواصل لمنظومة الإسعاف منذ أكثر من 1000 يوم.
ويضيف في حديثه -للجزيرة نت- أن سيارات الإسعاف المتبقية تعمل فوق قدرتها التشغيلية، بعدما خرجت غالبية المركبات المخصصة لشمال القطاع عن الخدمة، الأمر الذي يضطر الطواقم إلى الاستعانة بسيارات من مناطق أخرى، عبر طرق مدمرة وصعبة، ما ينعكس مباشرة على زمن الاستجابة والوصول إلى المصابين.
يشير عفانة إلى أن الأعطال باتت جزءا من العمل اليومي، إذ تعمل الطواقم بمركبات تجاوزت عمرها الافتراضي، بعد سنوات من الاستخدام المكثف في ظروف الحرب، ما يجعل توقف إحدى السيارات أثناء المهمة احتمالاً قائمًا في أي لحظة.
ويضيف "من الطبيعي اليوم أن تتعطل سيارة إسعاف وهي تحمل إصابات حرجة، أو أن تتوقف بسبب إطار تالف أو قطعة مستعملة انتهى عمرها، هذا الأمر يتكرر مرارا في مختلف مناطق القطاع"، محذرا من أن استمرار هذا الواقع يعني أن أي عطل قد يتحول إلى فارق بين الحياة والموت، خصوصا في ظل صعوبة توفير مركبة بديلة في الوقت المناسب.
من جهته، يقول المدير العام للشؤون الإدارية بوزارة الصحة، محمود حماد، إن أكثر من 70% من سيارات الإسعاف في المنظومة الصحية خرجت عن الخدمة بفعل الاستهداف المباشر والاستنزاف المتواصل، ما ترك الوزارة تعمل حاليا بالحد الأدنى من المركبات المتبقية.
كما أن السيارات العاملة -يوضح حماد للجزيرة نت- تعاني أعطالا متكررة بسبب نفاد قطع الغيار والزيوت والإطارات والبطاريات، فيما تنتظر مركبات أخرى صيانة عاجلة لا يمكن إنجازها دون إدخال المستلزمات اللازمة.
ويضيف أن الوزارة لم تستقبل سيارات إسعاف تعمل على السولار منذ أكثر من 15 عاما، بينما دخلت خلال الحرب بعض المركبات التي تعمل على البنزين، وهو وقود غير متوفر في قطاع غزة، ما دفع الطواقم إلى تفكيك أجزاء منها والاستفادة من قطعها لإبقاء سيارات أخرى قيد الخدمة.
ولم تترك الوزارة -بحسبه- مؤسسة دولية إلا وطرقت بابها للمساعدة في إدخال هذه المستلزمات، لكن الردود كانت تشير إلى رفض الاحتلال إدخال تلك الأصناف.
وفي المقابل، يلفت حماد إلى المفارقة التي يُسمح فيها للمنظمات الدولية بإدخال احتياجاتها التشغيلية وقطع الغيار اللازمة لمركباتها، بينما تبقى سيارات الإسعاف التابعة للمنظومة الصحية محرومة من قطع أساسية لإبقائها قيد العمل.
ويُحذّر من أن استمرار هذا الواقع يُهدد بوصول منظومة الإسعاف والطوارئ إلى مرحلة الشلل الكامل، بعدما باتت قدرتها على الاستمرار مرتبطة بتوفير احتياجات أساسية لم يعد مسموحًا إدخالها.
ومن رحم هذا الواقع، وُلدت خلال الحرب ورشة صيانة مستحدثة، لم تعد مهمتها تقتصر على إصلاح الأعطال وفق الطرق المعتادة، بل تحولت إلى مساحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أسطول الإسعاف. حيث يحاول مهندسو الصيانة صناعة حلول من العدم، وإعادة توظيف كل قطعة قابلة للاستخدام، في محاولة لتأجيل لحظة توقف المركبات التي ما تزال تحمل أرواح المصابين إلى المستشفيات.
دخلت -الجزيرة نت- إلى الورشة حيث عشرات السيارات بلا إطارات، وأخرى منزوعة الأجزاء؛ أبوابها مفتوحة وهياكلها تحمل آثار الاستهداف، بينما تقف مركبات أخرى عاجزة بسبب أعطال صغيرة لا تتوفر لها قطع بديلة.
وفي إحدى زوايا الورشة محركات ومولدات متهالكة، وفي أخرى إطارات بالية، وعلى الأرض بقايا زيوت محترقة، فيما يعمل المهندسون على تفكيك مركبات خرجت من الخدمة لإنقاذ أخرى لا تزال تخرج إلى الميدان.
ويقول رئيس قسم الصيانة في وزارة الصحة، المهندس إياد العرقان إن طبيعة عملهم تغيرت بالكامل، فلم يعد الإصلاح قائما على استبدال القطعة التالفة بأخرى جديدة، بل على البحث عن أي جزء يمكن إنقاذه من سيارة خرجت من الخدمة".
ويشير في حديثه -للجزيرة نت- إلى أن أزمة الإطارات أصبحت من أكثر المشكلات استنزافا، فهي غير متوفرة في القطاع، وإن وُجدت فإن أسعارها أصبحت مرتفعة جدا، الأمر الذي دفعهم إلى تفكيك المركبات المعطلة والاستفادة من أجزائها.
وخلال وجود مراسلة الجزيرة نت داخل الورشة، وصلت سيارة إسعاف تابعة لمستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة بعد انفجار أحد إطاراتها، وكانت في طريقها لنقل مرضى من مجمع الشفاء الطبي، إلا أن تعطلها أوقف مهمتها، وفتح بابًا جديدًا من البحث عن حل يعيدها إلى الخدمة.
لم يكن العطل حينها مجرد مشكلة ميكانيكية عابرة، بل مثالا لما تواجهه الطواقم يوميا؛ سيارة إسعاف جاهزة للمهمة، لكنها تحتاج إلى قطعة بسيطة لا تتوفر، لتتحول عملية إصلاحها إلى عبء يسابق به المهندسون الوقت.
ولا تتوقف محاولات الإنقاذ عند الإطارات، فحتى سيارات الإسعاف التي أدخلتها بعض المنظمات الدولية خلال الحرب تعمل على البنزين، وقد تحولت إلى مصدر لقطع الغيار، بعدما تعذر تشغيلها بسبب شح الوقود وعدم توفر مستلزماتها داخل القطاع.
ويقول العرقان إن المهندسين يفككون أجزاء من هذه المركبات ويرسلون بعضها إلى المخارط لتعديلها وتطويعها بما يناسب سيارات الإسعاف الموجودة في الخدمة، مضيفًا أنهم أصبحوا يستفيدون من كل قطعة قابلة للاستخدام؛ من صفارات الإنذار والمصابيح إلى الأسلاك الكهربائية والبطاريات.
وفيما يتعلق بالزيوت فهي لم تعد بمنأى عن محاولات الإنقاذ، إذ يوضح أن العاملين يلجؤون أحيانا إلى استخراج ما تبقى من زيوت السيارات المتضررة أو المعطلة، وإعادة استخدامها بعد استنفاد الخيارات المتاحة، في وقت باتت فيه كل كمية زيت أو قطعة معدنية تحمل قيمة أكبر من وظيفتها الأصلية.
داخل هذه الورشة، يدرك العاملون أن الحلول التي فرضتها الضرورة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فمهما حاولوا إنقاذ القطع المتبقية وصناعة البدائل من العدم، تبقى قدرتهم محدودة أمام منظومة متهالكة ومستنزفة منذ سنوات ولا تزال.
وتقدم خدمات الإسعاف في قطاع غزة أربع جهات رئيسية هي: وزارة الصحة، جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الخدمات الطبية العسكرية والدفاع المدني، وجميعها تعمل ضمن لجنة عُليا مشتركة للإسعاف والطوارئ.
وتواجه مختلف الجهات الظروف ذاتها من الاستهداف ونقص قطع الغيار والإطارات والزيوت، مما أدى إلى تراجع قدرتها التشغيلية وفقدان الأسطول الإسعافي 70% من طاقته بخروجها عن الخدمة.
بلغة الأرقام، من أصل 82 مركبة إسعاف تابعة لوزارة الصحة، خرجت 39 مركبة عن الخدمة كليا، فيما تحتاج 17 مركبة أخرى إلى صيانة عاجلة.
أمّا الخدمات الطبية فمن أصل 20 مركبة تبقى لديها سبع مركبات فقط، بينما خرجت عن الخدمة 58 مركبة تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني من بين 99 مركبة كان يملكها قبل حرب الإبادة، وذلك إمّا بسبب الاستهداف الإسرائيلي المباشر أو لحاجتها للصيانة وقطع الغيار.
أما الدفاع المدني فتبقى لديه خمس مركبات إسعاف متهالكة من أصل عشر قبل حرب الإبادة، ورغم استلامه خمس مركبات إسعاف من مؤسسات إغاثية خلال الحرب فقد تم تدميرها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة