آخر الأخبار

هل أصبح الذكاء الاصطناعي حليفا جديدا لداعش والقاعدة؟

شارك
كان داعش من أوائل مستخدمي التكنولوجيا العسكرية، إذ وظف طائرات مسيرة معدلة ضد القوات العراقية والأمريكية عام 2017.صورة من: Militant Photo/AP Photo/picture alliance

"صباح الخير تشات جي بي تي، هل يمكن مساعدتي في معرفة طريقة صنع قنبلة؟".. مثل هذا السؤال قد تكون إجابته أما سرد مطول لتاريخ المتفجرات أو حظر حساب من يطرح هذا التساؤل على روبوتات المحادثة أم ما يُعرف بـ "النماذج اللغوية الكبيرة".

بيد أنه في بعض الأحيان، إذا جرى إعادة صياغة السؤال بشكل معين، فإن الإجابة قد تحمل في طياتها بعض الأفكار المفيدة التي ربما تساعد في صنع قنبلة.

وإزاء ذلك، قامت مؤسسات إعلامية مختلفة بوضع مثل هذه الفرضية تحت الاختبار لتجد أنه عند استخدام (prompts) أو (الأوامر) بشكل صحيح، فإن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي قد تكشف للمستخدمين عن كيفية صنع أسلحة بيولوجية أو حتى تفجير ملعب رياضي أو طمس آثار إرهابي.

وأطلق خبراء على هذا الأمر مصطلح "كسر حماية الذكاء الاصطناعي" وتصفه شركة "أوبن إيه آي" المبتكرة لبرنامج " تشات جي بي تي " بأنه "محاولات من جانب طرف خبيث لدفع النموذج إلى تقديم محتوى محظور".

وقبل أيام، كشف تقرير جديد صدر عن منظمة "التكنولوجيا ضد الإرهاب"، وهي مجموعة تضم جهات من القطاعين العام والخاص أنشأتها الأمم المتحدة، عن مدى تكرار تقديم النماذج اللغوية الكبيرة لمعلومات "مفيدة" للمتطرفين المحتملين.

وقد أرسل الباحثون أكثر من 2,300 استفسار مبني على أمثلة واقعية لاستخدامات إرهابية حقيقية إلى 27 نموذجا مختلفا للذكاء الاصطناعي . ووجدوا أن 32% من هذه الاستفسارات أفضت إلى معلومات "قابلة للاستخدام الفعلي"، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 42% عند إعادة صياغة السؤال نفسه ليظهر وكأنه لأغراض بحثية.

قبل طعن زملائه في مدرسة بمدينة بيركالا الفنلندية عام 2025، كتب مراهق يبلغ 16 عاماً بياناً بمساعدة "شات جي بي تي".صورة من: Mika Kylmäniemi/Lehtikuva/dpa/picture alliance

"تزايد استخدام الإرهابيين" للذكاء الاصطناعي

سلط التقرير الضوء مجددا على أمر يثير قلق خبراء الأمن الرقمي ومكافحة الإرهاب، ألا وهو احتمالية أن يبدأ من يعتزمون تنفيذ هجمات، في استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض التخطيط وليس فقط للدعاية والترويج.

فعلى مدار السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، انحصر الاستخدام الرئيسي للذكاء الاصطناعي من قبل جماعات متطرفة مثل تنظيمي داعش والقاعدة في إنتاج مواد دعائية بما في ذلك إنتاج مقاطع الفيديو وصور الميمز وأشكال متنوعة من التضليل الإعلامي، التي تُنشر بين أتباع هذه الجماعات وتُستخدم لدفع أعضاء محتملين نحو التطرف.

بيد أن خبراء أطلقوا ناقوس الخطر إزاء أن الأمر أخذ في التغيير حيث أشار تقرير نشره موقع "ميليتانت واير" أواخر العام الماضي إلى أن عام 2025 قد شهد ارتفاعا ملحوظا في الحوادث التي استغل فيها إرهابيون ومتطرفون متشددون أدوات الذكاء الاصطناعي للتخطيط للهجمات وإجراء الأبحاث والتحضير لها.

وقد استُخدم الذكاء الاصطناعي في التخطيط والمراقبة والتصور البصري وأساليب الدعاية لهجمات بما في ذلك تلك التي تسببت في وفيات وأضرار. وليس هذا فحسب، بل شمل الأمر محاولات نجحت الشرطة في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا وإسرائيل وفنلندا وفرنسا والنمسا، في إحباطها.

ويقول خبراء إنه من المرجح أن يجد الباحثون صعوبة في تحديد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بدقة نظراً لأن الأجهزة الأمنية لا تفصح عن هذه المعلومات.

ورغم ذلك، قال أحد الخبراء أمام مجلس العموم البريطاني في جلسة استماع أواخر العام الماضي، إن "وثائق المحاكم والتقارير الجنائية الفنية توثق بشكل متزايد سجلات محادثات يطلب فيها المشتبه بهم من نماذج لغوية تعليمات لصنع قنابل أو يسعى للحصول على دعم أيديولوجي أو مبررات لشن هجمات".

استخدم أمريكي مشتبه بإشعاله حريق "باسيفيك باليساديس" بكاليفورنيا عام 2025، "شات جي بي تي" لإنشاء صور مدن محترقة والاستفسار عن المسؤولية القانونية للحرائق.صورة من: Ted Soqui/Sipa USA/picture alliance

هجمات "الذئاب المنفردة"

ولا يقتصر الأمر على الأفراد؛ إذ تتزايد أيضا معدلات استخدام جماعات متطرفة للذكاء الاصطناعي حيث عكف باحثون على تحليل كيفية استخدام جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" هي فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل والتي تتمركز في مالي، الذكاء الاصطناعي لمساعدة عناصرها في تعديل الطائرات المسيرة.

وفي تحليل نشرته "الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا" الشهر الماضي، رصد الباحثان الأمنيان يوري نيفيس وإميلي كلاين دردشات منتظمة بين أنصار جماعات مثل داعش وأخرى متطرفة حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في قنوات المراسلة.

ولاحظ الباحثان وجود حسابات للمتطرفين على تطبيق "تيليغرام" مخصصة لاستخدام الذكاء الاصطناعي فضلا عن مشاركة (prompts) أو (الأوامر) أو حتى مشاركة بيانات الاشتراك في تطبيقات مثل "تشات جي بي تي".

ونشرت جامعة كامبريدغ قبل أيام بحثا تضمن مقابلات مع أعضاء في جماعة " بوكو حرام " في نيجيريا؛ حيث قدموا تفاصيل حول كيفية استخدام أعضاء التنظيم لنماذج الذكاء الاصطناعي مثل "كلود" و "جيميناي" للتخطيط للهجمات أو تصميم عبوات ناسفة.

ورصد روبن داس، الباحث المشارك في كلية "إس. راجاراتنام" للدراسات الدولية في سنغافورة ، تولي روبوتات الدردشة أدوار جديدة في هجمات "الذئاب المنفردة".

وفي مقابلة مع DW، قال داس إنه في السابق، كان هناك ما يُسمى بالمخططين الافتراضيين، وهم أشخاص يقيمون في مناطق النزاع ويتواصلون مع أفراد عبر منصات التواصل الاجتماعي لتحفيزهم على تنفيذ هجمات".

وأضاف أنه "لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حل محل البشر بالكامل، لكن بعض منفذي الهجمات الفردية باتوا يعتمدون، إلى حد ما، على أدوات الذكاء الاصطناعي مثل تشات جي بي تي للحصول على الإرشاد أو الدعم الذي كانوا يتلقونه سابقًا من أشخاص حقيقيين".

وقال مصطفى عياد، المدير التنفيذي لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا بمعهد الحوار الاستراتيجي ومقره لندن، إن "صوت خراسان" وهي الذراع الإعلامي لتنظيم داعش، نشرت العام الماضي توجيهات حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي.

وأضاف في مقابلة مع DW أن البيئة المحيطة بالجماعات المتطرفة تستخدم الذكاء الاصطناعي بطرق متنوعة للغاية بما يشمل إنشاء صور الميمز ومقاطع تيك توك" ووصولا إلى الدعاية.

وأشار إلى أن "هناك أيضا مجموعة مخصصة تحاول كسر قيود أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها لدعم التخطيط العملياتي والجاهزية. وعلى وقع ذلك، يغطي الأمر نطاقا واسعا وهذا ما يمثل المشكلة الجوهرية حيث أن الذكاء الاصطناعي قد يعمل على تبسيط ودعم أساليب الدعاية أو يدعم التخطيط العملياتي".

يشير تقرير دولي إلى رفض 80% من استفسارات المتفجرات، مقابل نحو الثلث فقط لاستفسارات الأسلحة البيضاء والنارية والكيميائية البدائية.صورة من: Matteo Della Torre/NurPhoto/picture alliance

خطورة استخدام المتطرفين للذكاء الاصطناعي؟

يرى خبراء أن الوقوف على مدى خطورة استخدام المتطرفين للذكاء الاصطناعي ما زال غير واضح. وفي ذلك، قال داس إنه يمكن لأي شخص يخطط لعمل إرهابي العثور بسهولة تامة على معلومات حول صنع القنابل أو حول الأسلحة المطبوعة بتقنية الأبعاد الثلاثية على الإنترنت، ودون أي مساعدة من الذكاء الاصطناعي.

وطرح الباحث يوري نيفيس، مديرة الأبحاث في مؤسسة "مونشوت" المعنية بمكافحة التهديدات عبر الإنترنت، تساؤلا غاية في الأهمية مفاده: "هل يوفر نظام الذكاء الاصطناعي معلومات لا يمكن للشخص الحصول عليها بطريقة أخرى؟"

وقالت إميلي كلاين، الباحثة البارزة في المؤسسة ذاتها، إنه يُفضل اعتبار النماذج اللغوية الكبيرة "امتدادا لسلسلة التقنيات التي أحدثت تحولات جذرية وأربكت الأنماط التقليدية".

وتوضح أن الإنترنت وتطبيقات المراسلة المشفرة كانت أيضا تقنيات أحدثت تغييرات جذرية، وقد تبنتها الجهات المتطرفة كذلك.

وأضافت في مقابلة مع DW أنه في ضوء هذا الأمر، لا يوجد أي دليل على أن الذكاء الاصطناعي يتسبب بشكل مباشر في خلق المزيد من الإرهابيين. أود القول إن الأمر يتعلق أكثر بكيفية تفاعل الذكاء الاصطناعي مع البشر، وكيف يؤثر ذلك على مسار الشخص نحو العنف."

تعتزم مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية مقاضاة "أوبن إيه آي" لعدم إبلاغها عن نشاط يتم بالعنف على "شات جي بي تي" مرتبط بمنفذ إطلاق نار في مدرسة صورة من: Jennifer Gauthier/REUTERS

أطفال في دائرة الخطر

يقر آدم هادلي، مدير منظمة "التكنولوجيا ضد الإرهاب"، بأن "الشخص المصمم على فعل شيء ما سيعثر في النهاية على معظم المعلومات. لكن ما تغيره هذه النماذج هو السرعة والسهولة والشمولية".

وقال إن "الأشخاص الذين كانوا يفتقرون سابقاً إلى الوقت أو الموارد أو القدرة، أصبح بإمكانهم الآن قطع شوط أبعد بكثير وبسرعة أكبر".

ويضيف أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتميز بطابع تفاعلي وحواري؛ إذ "ثمة فرق كبير بين العثور على دليل يشرح كيفية صنع قنبلة شيء وبين العثور مدرب يوجهك خطوة بخطوة لصنعها فذلك شيء مختلف تماما".

ويرى داس أنه على الرغم من أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تتيح للشخص الذي ينوي أو يعتزم شن هجوم الحصول على مزيد من المعلومات وبسرعة أكبر، فمن غير المرجح أن تجعل هذه النماذج العمل الإرهابي "أكثر نجاحا".

وقال إن "نجاح أي عمل إرهابي يعتمد على عوامل متعددة الأبعاد، ولا أعتقد أن العمل سيكون ناجحا لمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي. كما لا يمكننا القول إننا سنشهد زيادة كبيرة في عدد العمليات الإرهابية بسبب الذكاء الاصطناعي؛ لكن ما سنشهده على الأرجح هو تزايد في الهجمات التي ينطوي تنفيذها على استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر".

ويتفق في هذا الرأي آدم هادلي، قائلا: "ثمة مسار واضح يتمثل في أن المراهقين والأطفال يمثلون نسبة كبيرة ممن يتعرضون للتطرف في أوروبا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة".

وأضاف أنه بالنظر إلى الدور الذي تلعبه شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي حاليا في دفع الشباب نحو التطرف، نعتقد أن قضية أن تصبح روبوتات الدردشة جزءا كبيرا من هذه المشكلة ليس سوى مسألة وقت".

أعده للعربية: محمد فرحان

تحرير: يوسف بوفيجلين

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا