يرِد نداء استغاثة. وبعد وقت قصير، تقلع في حي مارزان من مستشفى حوادث برلين (ukb) مروحية إنقاذ. على متنها: الطيار وطبيب الطوارئ ومسعف الطوارئ؛ فريق منسجم اعتاد على مهام قد تكون فيها الخبرة والدقة والوقت عوامل حاسمة.
الوجهة هي مدينة لوبن الصغيرة في ولاية براندنبورغ، حيث ينتظر مريض يعاني من حروق بالغة. لا بد من نقله بسرعة إلى مركز الحروق المتخصص في مستشفى حوادث برلين. بالنسبة إلى الطاقم، يعد هذا إجراءً روتينيا مألوفا.
يقول طبيب الطوارئ يان مارتين: "عندما يَرد نداء استغاثة، يكون لكل لحظة ثمنها". ويضيف: "خصوصا لدى مرضى الأزمات القلبية أو الجلطات الدماغية، تُفقَد أنسجة مع كل دقيقة تمر من دون علاج". لذلك يجب أن يكون كل شيء جاهزا مع بداية النوبة بحيث يتمكن الطاقم من الإقلاع فورا؛ فعادة لا تمر أكثر من دقيقتين اثنتين من لحظة الإنذار حتى رفع الطائرة عن الأرض.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4550064" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/808x608_cmsv2_0c23b5cf-6908-52bf-ade1-7135a8d9222c-9813089.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/{{w}}x{{h}}_cmsv2_0c23b5cf-6908-52bf-ade1-7135a8d9222c-9813089.jpg" caption="تتولى منظمة " .="" alt="تتولى منظمة " credit="Euronews / DRF Luftrettung" naturalwidth="2000" naturalheight="1499" }}
الإنقاذ الجوي لا يحل محل خدمات الإسعاف الأرضية، بل يكملها. وتزداد أهميته في المناطق التي تطول فيها المسافات، وتكون فيها المستشفيات متباعدة، أو لا تتوافر العلاجات المتخصصة إلا في عدد محدود من المراكز. في مثل هذه الحالات قد يكون عامل الوقت الذي يوفره استخدام المروحية حاسما، سواء في الإسعاف الأولي في موقع الحادث أو في عمليات نقل المرضى بين المستشفيات.
تدير منظمة "دي آر إف" للإسعاف الجوي على مستوى ألمانيا 34 قاعدة لمروحيات الإنقاذ في 32 موقعا، ثلاث منها في برلين. وتعمل القاعدة البرلينية على مدار الساعة، ويمكن للمروحية قطع نحو 70 كيلومترا في حوالى 17 دقيقة، وهو فارق قد يكون حاسما، خصوصا خارج المناطق الحضرية الكبرى.
{{related align="center" size="fullwidth" ratio="auto" storyidlist="9782271" data='
ما يميز هذا الموقع أن مروحية النقل المكثف "كريستوف برلين" في مستشفى حوادث برلين تتولى نوعين من المهام؛ فالمهام الأولية هي حالات الطوارئ التقليدية مباشرة في موقع الحادث، مثل حوادث السير أو حالات الطوارئ الباطنية الحادة، حيث تكون السرعة في وصول المساعدة الطبية هي الأهم. إلى جانب ذلك، هناك المهام الثانوية، أي نقل المرضى بين العيادات، عندما يحتاجون إلى علاج لا يتوافر إلا في مستشفى آخر.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4550063" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/808x612_cmsv2_8fbb9450-8c62-5672-83e4-b93c0bb5cdd2-9813089.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/{{w}}x{{h}}_cmsv2_8fbb9450-8c62-5672-83e4-b93c0bb5cdd2-9813089.jpg" caption="ينتمي طبيب الطوارئ يان مارتين (يمينا) ومسعف الطوارئ ماتياس بوخولتس (يسارا) إلى طاقم " .="" alt="ينتمي طبيب الطوارئ يان مارتين (يمينا) ومسعف الطوارئ ماتياس بوخولتس (يسارا) إلى طاقم " credit="Euronews / DRF Luftrettung" copyrightlink="" sourcetext="" sourcelink="" calltoactiontext="" calltoactionlink="" naturalwidth="2000" naturalheight="1520" }}
تبدأ نوبة النهار في وقت مبكر؛ ففي الساعة 6:30 صباحا يفحص أفراد الطاقم التقنيات والمعدات وجاهزيتهم للعمل، بما في ذلك تجهيزات الإسعاف، وفحص المروحية، وتقييم الأحوال الجوية، قبل أن يشاركوا في إفطار يتضمن إحاطة مشتركة. ويشرح قائد الطائرة سيباستيان نوتبوم عدد العوامل التي يجب أخذها في الحسبان قبل الإقلاع: الطقس، وإغلاقات المجال الجوي، والتدريبات الجارية، والاشتراطات المفروضة على مسارات الطيران. فالإنقاذ الجوي لا يعني الطيران بسرعة فحسب، بل التخطيط الدقيق تحت ضغط الوقت. تعمل الطواقم في نوبات تمتد 13 ساعة، ما يتطلب تركيزا عاليا طوال هذه الفترة، حتى عندما يطول الانتظار بين مهمة وأخرى؛ فبمجرد انطلاق الإنذار يجب أن تسير كل خطوة بسرعة. يضاف إلى ذلك الطيران الليلي، وتبدّل الأحوال الجوية، والضغط النفسي. ويعلّق أفراد الطاقم على ذلك بواقعية قائلين: "هذا عمل يجب أن تكون راغبا فيه فعلا".
تضم المروحية أجهزة طبية حديثة، ومنذ نوفمبر 2024 أصبحت وحدات الدم والبلازما جزءا من تجهيزاتها في برلين-مارزان، بحيث يمكن البدء بإجراءات إنقاذ الحياة في حالات الإصابات البالغة أو فقدان الدم الشديد قبل الوصول إلى المستشفى. وعلى مستوى الكوادر، يعد الإنقاذ الجوي أيضا مجالا عالي التخصص؛ فالأطباء يحتاجون إلى تأهيل إضافي للعمل على متن المروحية، وغالبا ما يعملون بالتوازي في أقسام التخدير أو العناية المركزة للحفاظ على صلتهم الوثيقة بالممارسة السريرية. ولا يكون أطباء الطوارئ تابعين دائما مباشرة لمنظمة "دي آر إف" للإسعاف الجوي، بل يأتون في أحيان كثيرة من مستشفيات متعاونة. وتُفرض متطلبات خاصة أيضا على الطيارين ومسعفي الطوارئ من أفراد الطاقم التقني الطبي على متن المروحية (HEMS-TC)، إذ يتعين عليهم إتقان الإجراءات الطبية والملاحية والعمل كفريق واحد تحت ضغط الوقت، ولا سيما عند الهبوط خارج نطاق المستشفيات. وعند الوصول إلى موقع الحادث تُجرى أولا ما يُعرف بعملية الاستطلاع من الجو، حيث يحدد الطاقم من الأعلى موقع الهبوط الآمن وكيفية الوصول إلى المريض بأفضل طريقة. وبما أن الوصول المباشر لا يكون ممكنا في كل مكان، يُتخذ القرار بشأن كيفية استكمال النقل في كثير من الأحيان في الموقع نفسه.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4550071" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/808x532_cmsv2_633655ce-ecc9-5541-b980-940cfffe349c-9813089.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/{{w}}x{{h}}_cmsv2_633655ce-ecc9-5541-b980-940cfffe349c-9813089.jpg" caption="في حالات فقدان الدم الشديد لدى المرضى يمكن أن تسهم إدارة مشتقات الدم في موقع الحادث في زيادة فرص البقاء على قيد الحياة وتحسين الرعاية الإسعافية." alt="في حالات فقدان الدم الشديد لدى المرضى يمكن أن تسهم إدارة مشتقات الدم في موقع الحادث في زيادة فرص البقاء على قيد الحياة وتحسين الرعاية الإسعافية." credit="Quelle: DRF Luftrettung" naturalwidth="1271" naturalheight="834" }}
لا يكون الطيران ممكنا، أو لا يكون ممكنا إلا بقدر محدود، عندما تكون السحب منخفضة أو تهب العواصف أو تسود عواصف رعدية أو ضباب أرضي؛ لذلك يُفحَص قبل كل إقلاع ما إذا كانت المهمة آمنة التنفيذ، بالاستناد أيضا إلى بيانات "خدمة الأرصاد الجوية الألمانية". وحتى في موقع المهمة لا تسير الأمور دائما بسلاسة، إذ لا يصلح كل مكان لهبوط المروحية، وقد يضطر الطاقم أحيانا إلى قطع مسافة سيرا على الأقدام للوصول إلى المريض بعد الهبوط. كما يعتمد الأمر في الأماكن العامة على تعاون الناس في الموقع؛ فعدم الالتزام بمناطق الأمان أو عدم الامتثال لتعليمات الطاقم قد يعرقلان عملية الهبوط.
{{related align="center" size="fullwidth" ratio="auto" storyidlist="9801179" data='
لكي تكون خدمات الإنقاذ الجوي متاحة في أي وقت، لا بد من بنية تحتية معقدة، تشمل المروحيات والتقنيات والصيانة والوقود والكوادر عالية التأهيل التي يجب الإبقاء عليها باستمرار في حالة جاهزية. ووفق بيانات منظمة "دي آر إف" للإسعاف الجوي، تبلغ كلفة المروحية الواحدة مع تجهيزاتها عدة ملايين اليورو، ويُستهلك نحو 280 لترا من الكيروسين في كل ساعة طيران. ولا تقتصر التكاليف على المهمات الناجحة؛ فحتى المهمات التي يتبين لاحقا عدم الحاجة إليها أو التي تُلغى تُثقل كاهل النظام، فكل إقلاع يقرب المروحية من موعد الصيانة التالي. ومن ثم لا يُموَّل مجرد كل رحلة على حدة، بل منظومة جاهزية دائمة. يقول المدير العام لمنظمة "دي آر إف" للإسعاف الجوي، الدكتور كريستيان براتش: "نحسب التكلفة بالدقيقة الطائرة، وهذا ما تم الاتفاق عليه مع صناديق التأمين الصحي، وهو يشمل جميع الخدمات". ويرى أن الجدل حول التكاليف غالبا ما يبقى قاصرا، لأن الإنقاذ السريع يمكن أن يسهم أيضا في خفض تكاليف العلاج اللاحقة، على سبيل المثال عندما يتلقى المرضى الرعاية في وقت أبكر ويتحسن مسار تعافيهم.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4550076" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/808x505_cmsv2_94b20edb-7f5d-57f9-b7b0-6d4f56265f35-9813089.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/81/30/89/{{w}}x{{h}}_cmsv2_94b20edb-7f5d-57f9-b7b0-6d4f56265f35-9813089.jpg" caption="تسهم منظمة " .000="" .="" alt="تسهم منظمة " credit="Quelle: DRF Luftrettung" naturalwidth="840" naturalheight="525" }}
من خلال مشروع قانون "استقرار مساهمات التأمين الصحي القانوني GKV-Beitragssatzstabilisierungsgesetz" تسعى الحكومة الاتحادية إلى تحقيق استقرار في مالية التأمين الصحي القانوني والحد من زيادات المساهمات في المستقبل. وينص القانون على وضع سقوف لزيادات أتعاب مقدمي الخدمات في مجالات عديدة من قطاع الصحة، وربطها بمعدل الأجور الأساسي الذي يعكس التغير السنوي المتوسط في النسبة المئوية لدخل جميع المؤمن عليهم الخاضع للاشتراكات في نظام التأمين الصحي القانوني. وبدلا من ذلك يمكن اعتماد الزيادات الفعلية في التكاليف أساسا للحساب، تبعا لأي القيمتين تكون أدنى.
لكن هذا يضع، من وجهة نظر الجهات المشغِّلة، تحديات أمام تمويل خدمات الإنقاذ الجوي، الذي لا يواكب مثل هذه السقوف. ولذلك تحذر منظمات الإنقاذ الجوي غير الربحية "آداك" و"دي آر إف" و"يوهانيتَر" من "ثغرة تمويلية" قد تهدد نشاطها. وتؤكد أن قطاعا يزداد أهمية في نظام صحي آخذ في التخصص أكثر فأكثر سيتعرض لضغوط إضافية.
تحمل هذه المناقشات وزنا خاصا بالنسبة إلى المناطق الريفية، حيث تتباعد المستشفيات، وتبتعد العيادات المتخصصة عن متناول اليد، وتستغرق الرحلات الأرضية وقتا أطول. في مثل هذه الظروف يمكن لخدمات الإنقاذ الجوي أن تؤدي دورا حاسما، سواء في حالات الطوارئ أو في عمليات نقل المرضى. يصف مسعف الطوارئ وعضو الطاقم التقني الطبي على متن المروحية (HEMS-TC)، ماتياس بوخولتس، الفارق كما يختبره في عمله اليومي بقوله: "لو نُقل هذا المريض براً، لخرج طبيب الطوارئ من نطاق عمله لمدة ثلاث إلى أربع ساعات، أما بهذه الطريقة فالأمر أسرع بكثير". فعمليات النقل الطويلة براً تستهلك وقت الكوادر وتؤثر سلبا في جودة الرعاية في أماكن أخرى، بينما يكون الطريق السريع إلى مركز الحروق المتخصص هو العامل الحاسم بالنسبة إلى المصاب البالغ من مدينة لوبن. يعود الهدوء تدريجيا إلى مستشفى حوادث برلين-مارزان؛ فقد سُلّم المريض، وتوقفت المراوح عن الدوران. بالنسبة إلى الطاقم انتهت هذه المهمة، لكن دوامهم لم ينته بعد، إذ يبقون في حالة جاهزية لساعات أخرى. وما إذا كان هذا النظام سيواصل العمل بالموثوقية نفسها في المستقبل بات رهن القرارات السياسية أيضا؛ فمن المقرر أن يصوّت البوندستاغ في 10 يوليو على حزمة التوفير. وبالنسبة إلى المرضى، لن يكون الثمن الدقيق لكل دقيقة طيران هو المعيار الحاسم، بل أن تُنفَّذ الرحلة في الوقت المناسب.
المصدر:
يورو نيوز