لم تكن عبارة "لا أبرياء في غزة" مجرد شطط لغوي عابر في الخطاب الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول. بل كانت، كما يرى جدعون ليفي في مقاله بصحيفة هآرتس، مفتاحا أخلاقيا وسياسيا أطلق يد العقاب الجماعي، ثم تمدد من قطاع غزة إلى الضفة الغربية.
فحين تُنزع البراءة عن جماعة كاملة، لا يعود مطلوبا إثبات ذنب بعينه؛ وإنما تكفي الهوية ويكفي أن يكون المرء فلسطينيا.
ةيرى ليفي أن 7 أكتوبر/تشرين الأول قلب الضفة الغربية رأسا على عقب، وكما تبدلت إسرائيل بعد ذلك اليوم، لم يعد شيء بين جنين والخليل كما كان قبله.
لكن المفارقة التي يضعها الكاتب في صدارة مقاله هي أن الفلسطينيين في الضفة لم يطلقوا رصاصة في ذلك اليوم، ولا في معظم الأيام التي تلته، ومع ذلك عُوقبوا كما لم يُعاقَبوا منذ النكبة.
وبهذا المعنى، لم تُعامَل الضفة بوصفها ساحة منفصلة عن غزة، بل بوصفها امتدادا للفلسطيني نفسه، حيث تُحمَّل الجغرافيا كلها وزرا واحدا. ويكتب ليفي أن العقوبة الإسرائيلية أخذت شكل "حكم بالسجن المؤبد"، والمحتجزون لم تُسعفهم حتى قلة الفعل السياسي أو العسكري، لأن خطيئتهم في نظر إسرائيل أعمق من أي فعل: إنهم فلسطينيون.
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، ومع حرب الإبادة على غزة، يقول ليفي إن القيود انفلتت في الضفة أيضا. وبينما انشغلت إسرائيل في قتلاها وأسراها، قرأ المستوطنون اللحظة بوصفها فرصة طال انتظارها: حرب كبرى تسندها رغبة الانتقام، وتمنحهم غطاءً كثيفا لفعل ما كان يصعب تمريره في الضوء.
وهكذا أُغلقت الضفة الغربية إغلاقا يكاد يكون محكما، فأُقفلت مئات البوابات الحديدية الصفراء التي وُضعت عند مداخل المدن والقرى الفلسطينية بإحكام، ولم يعد في الضفة تجمع فلسطيني يكاد ينجو من حصار جزئي على الأقل.
فقد أُغلقت مداخل نابلس والخليل ورام الله، كما أُغلقت مداخل القرى، ودُفع الناس إلى طرق ترابية بديلة، كأن الطريق المعبد صار امتيازا استيطانيا لا حقا إنسانيا.
ويشدد ليفي على أن هذا الحصار لا صلة حقيقية له بالأمن، وحتى حين أقر المستشار القانوني للجيش الإسرائيلي في الضفة بأن الجيش يقيّد حرية حركة الفلسطينيين بصورة غير قانونية، لم يرَ الكاتب في ذلك أكثر من اعتراف متأخر لن يبدّل شيئا.
ولم يكن إغلاق الطرق إلا وجها واحدا من الخنق، لأن الكارثة الثانية، كما يصفها ليفي، تمثلت في منع عمال الضفة من العمل داخل إسرائيل منعا شبه كامل، بما يعني عمليا قطع الرزق عن عشرات الآلاف من العائلات، ما يعني أن الفلسطيني لم يحاصر في حركته فحسب، بل في خبزه اليومي أيضا.
وفي الوقت نفسه، صارت مداهمات الجيش أكثر تواترا وعشوائية، ثم جاء عنف المستوطنين، وبعده ما يسمى "فرق التأهب" في المستوطنات، وهو الاسم الذي يراه ليفي قناعا ناعما لمليشيات مسلحة، ففي هذا النظام الجديد، صار كل منسق أمني محلي جنرالا صغيرا، وكل مستوطن صاحب سلطان على أرض وحياة وممر.
ويورد ليفي أن نحو 150 بؤرة عنف ظهرت منذ ذلك الحين، وسيطرت على مئات آلاف الأفدنة، بما يتجاوز ما أنجزته مشاريع الاستيطان "الرسمية" مجتمعة.
ثم يأتي دور إيتمار بن غفير، لا كتفصيل صاخب في حكومة يمينية، بل كعنوان لمرحلة أشد فجاجة، فبحسب ليفي، حوّل بن غفير السجون التي تضم آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وبينهم أبرياء وغالبيتهم سجناء سياسيون وكثيرون محتجزون بلا محاكمة، إلى "مراكز تعذيب مروعة"، حيث صار التجويع والإذلال جزءا من بنية العقاب.
أما الجيش، فيقول ليفي إنه جعل قواعد إطلاق النار في الضفة أكثر مرونة، ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، بينهم أكثر من 200 طفل، وبحسب الكاتب، هؤلاء فلسطينيون قُتلوا في سياق إطلاق نار منفلت، لم يكن لمعظمهم، إن لم يكن لجميعهم، أي تهديد فعلي لأحد.
هنا يفيد ليفي بأن الضفة باتت تُعامَل كأنها جبهة مفتوحة بلا ضوابط، حيث تجد جنودا عائدين من غزة، وآخرين يتطلعون إلى محاكاة ما جرى هناك، ومستوطنين متعطشين للدم؛ تبنوا جميعا منطق القتل العشوائي بوصفه نهجا يوميا.
وفي خلاصة مقاله، يتساءل ليفي قائلا: "إذا كان كل ذلك يجري مع شبه غياب لنشاط فلسطيني مسلح في الضفة، وإذا كان مستمرا منذ ما يقارب ثلاث سنوات بلا نهاية منظورة، أفلا يكون الوقت قد حان لكي يُقال: كفى؟".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة