لم يأت تحذير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن "أي مواقف تؤدي إلى الانقسام والخلافات داخليا ستصب في مصلحة العدو" في سياق خطابي عابر، إذ إن الرئيس كان يتحدث في لحظة حساسة، صار فيها التفاهم مع أمريكا مادة سجال داخل مؤسسات الحكم نفسها، لا مجرد ملف تفاوضي مع طرف خارجي.
وفي كلمة منشورة على موقع الرئاسة الإيرانية، ربط بزشكيان بين الخلاف الداخلي وما وصفها بمصلحة "العدو"، قائلا إن أي رسالة تفوح منها رائحة التفرقة تسير في الاتجاه الذي يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه). كما قال إنه يستطيع الرد على بعض الكلام، لكنه يفضّل الصمت لأن الوحدة، في هذه المرحلة، أهم من الرد.
جوهر تحذيره هو أن الخلاف إذا انتقل من النقاش السياسي إلى التشكيك في التفويض والطعن في الفريق المفاوض، فإنه قد يضعف صورة القرار الإيراني الموحد أمام الطرف المقابل وخصوم إيران. ولهذا لا تبدو دعوته إلى الوحدة مجرد موقف أخلاقي، بل محاولة لضبط جبهة داخلية متوترة حول الاتفاق.
تكرار تحذيرات بزشكيان يعود إلى أن التفاهم مع أمريكا فتح 3 أسئلة داخلية: من يملك تفسير موقف المرشد؟ ما حدود التفويض الممنوح لفريق التفاوض؟ وهل ما تقدمه إيران في المفاوضات يحفظ أوراق قوتها أم يفرغها من مضمونها؟
فمن جهة، يقدم بزشكيان التفاوض بوصفه فرصة لفتح الأسواق، واستعادة الوصول إلى الموارد الإيرانية، وتخفيف الضغط على معيشة الناس. ومن جهة أخرى، يرى منتقدو المسار أن التفاهم قد يقيد أوراق القوة الإيرانية، خصوصا في ملفات مضيق هرمز، ولبنان، والعقوبات.
لذلك، تبدو تحذيرات الرئيس مرتبطة بحسابين متداخلين: حساب اقتصادي داخلي يريد تحويل التفاهم إلى متنفس للمعيشة، وحساب سياسي تفاوضي يخشى أن تستغل أمريكا أي شرخ داخلي للضغط على طهران.
أحد أبرز أسباب السجال هو رسالة المرشد بشأن التفاهم الإيراني الأمريكي، فقد تضمنت الرسالة عبارتين فتحتا الباب أمام قراءتين متقابلتين: الأولى قوله "من حيث المبدأ، كانت لديّ وجهة نظر أخرى"، والثانية أنه أصدر الإذن بناء على تعهد بزشكيان، بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وسائر الأعضاء بحفظ حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة.
المؤيدون لمسار التفاهم يقرؤون الرسالة بوصفها غطاء سياسيا للقرار، ما دام الإذن قد صدر من أعلى مستوى في السلطة. أما المنتقدون، فيركزون على عبارة "كان لي رأي آخر"، ويعتبرونها دليلا على أن الإذن كان مشروطا ومتحفظا، لا تبنيا كاملا للتفاهم.
وهنا تكمن معركة التأويل: هل التفاهم قرار دولة أغلق النقاش حول أصل المسار؟ أم قبول مشروط يتيح للتيار المتشدد مواصلة الضغط على النص والفريق المفاوض؟
حاول بزشكيان حسم هذه النقطة عندما قال إن ما كُتب في التفاهم كان نتيجة عمل جماعي، وإن أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي كانوا -تقريبا- متفقين على ضرورة المضي في هذا المسار، باستثناء شخص واحد كان له رأي مختلف. كما شدد على أن المرشد منح الحكومة الإذن، وأن المطلوب هو مساعدة الدولة، لا وضع العقبات أمامها.
خرجت المؤشرات على هذا الخلاف إلى العلن. فقد برز النائب محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، كأحد أبرز الأصوات المنتقدة للتفاهم. ووفق ما نشره على حسابه عبر منصة إكس، اعتبر نبويان أن التفاهم الجديد يكرر تجربة الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015، واصفا إياه بأنه "خسارة محضة"، ومحذرا من أن إدارة مضيق هرمز قد تتأثر، وأن العقوبات الأمريكية والأممية لن تُرفع فعليا، وأن الأموال المجمدة ستبقى مرتبطة بتقدم المفاوضات لا شرطا مسبقا للتفاهم.
أهمية موقف نبويان لا تأتي من حدته فقط، بل من موقعه، فهو نائب في البرلمان الإيراني وعضو في لجنة معنية بالأمن والسياسة الخارجية. وهذا يعني أن التشكيك لا يأتي من هامش سياسي، بل من داخل دائرة قريبة من الملف.
إلى جانب نبويان، برز النائب أمير حسين ثابتي، القريب من خط سعيد جليلي، بخطاب أكثر صدامية ضد بزشكيان ومحمد باقر قاليباف وعباس عراقجي. فقد اعتبر أن الاتفاق جرى "خلافا لرضا المرشد"، وأن النص يمنح واشنطن بالدبلوماسية ما لم تحصل عليه بالحرب، خاصة في ملف مضيق هرمز.
بهذا المعنى، لا يرد بزشكيان على نقد سياسي عابر، بل على خطاب يطعن في نص التفاهم، وشرعية التفويض، وأهلية الفريق المفاوض.
لا يبدو أن بزشكيان يقصد شخصا واحدا بعينه، بل نمطا سياسيا وإعلاميا يتكرر في البرلمان الإيراني وبعض المنابر المحافظة ومنصات التواصل. يشكك هذا النمط في التفاهم، ويطعن في الفريق المفاوض، ويستند إلى قراءة خاصة لعبارة المرشد "كان لي رأي آخر" للقول إن الاتفاق لا يحظى بتأييد كامل.
ضمنيا، تشير تحذيرات الرئيس إلى أصوات قريبة من تيار سعيد جليلي وجبهة بايداري، أي "جبهة الثبات"، مثل نبويان وثابتي، وإلى منابر إعلامية انتقدت بشدة سفر الفريق التفاوضي إلى سويسرا.
وقد رد قاليباف على هذا النوع من الخطاب حين قال -في منشور على حسابه بمنصة إكس- إنه شاهد في أحد البرامج التلفزيونية من يتمنى لو أُغلق مطار مهرآباد كي لا يسافر الفريق المفاوض إلى سويسرا، مضيفا أن عدم الذهاب كان سيعني، حسب تعبيره، إراقة مزيد من دماء المسلمين والشيعة في لبنان.
هذه العبارة مهمة، لأنها تكشف أن الخلاف لا يدور فقط حول رفع العقوبات أو الأموال المجمدة، بل حول قراءة أثر التفاوض على جبهة لبنان والمقاومة. فبينما يرى المنتقدون أن التفاوض قد يقيّد أوراق إيران، يقدم قاليباف الذهاب إلى سويسرا بوصفه وسيلة لوقف نزيف إقليمي.
تزداد دلالة السجال، لأن قاليباف ليس محسوبا على الإصلاحيين، فهو أحد أبرز وجوه التيار الأصولي، وله خلفية عسكرية وأمنية طويلة، ويرأس البرلمان الإيراني. ومع ذلك، بدا في ملف التفاهم أقرب إلى بزشكيان وعراقجي منه إلى خط جليلي وبايداري.
وهذا يكسر القراءة التقليدية التي تختصر المشهد في صراع بين إصلاحيين وأصوليين، فالمواجهة الحالية تمر داخل المعسكر الأصولي نفسه: بين أصوليين براغماتيين يُعد قاليباف أحد أبرز وجوههم، يرون التفاهم ضرورة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وتخفيف الضغط، وأصوليين متشددين يدورون في فلك جليلي وجبهة بايداري، ويخشون أن يحول الاتفاق نتائج المواجهة إلى تنازلات سياسية.
كذلك لا يظهر البرلمان الإيراني كتلة واحدة معارضة للتفاهم، فبحسب تقارير إيرانية، وقعت غالبية النواب بيانا داعما لهيئة التفاوض برئاسة قاليباف، بينما امتنعت مجموعة محدودة قريبة من جليلي وجبهة بايداري عن التوقيع. وهذا يعني أن صوت التشكيك مؤثر وصاخب، لكنه لا يمثل بالضرورة موقف الأغلبية البرلمانية.
في الخلفية، يظهر سعيد جليلي بوصفه المرجعية السياسية الأبرز لهذا المزاج المعترض، لا قائدا تنظيميا. فخسارته أمام بزشكيان في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لم تخرجه من التأثير، إذ حصل على كتلة انتخابية وازنة تظهر اليوم سياسيا عبر نواب وإعلاميين قريبين من خطه.
ويستعيد هذا التيار ذاكرة الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015، فقد كان من أشد معارضي نهج الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، واعتبر ذلك الاتفاق نموذجا لما يسميها "خسائر التفاوض". لذلك يستخدم مفردات مشابهة في مواجهة التفاهم الجديد: الخسارة، والتراجع، والثقة بالغرب، وتكرار تجربة ظريف.
لا تكفي المعطيات العلنية للقول بوجود انقسام حاد داخل النظام، لكنها تكشف تباينات واضحة داخل قاعدة السلطة حول التفاهم، بعضها خرج إلى العلن عبر تصريحات نبويان وثابتي ورد قاليباف، وبعضها يمكن استنتاجه من لغة رسالة المرشد ومن إصرار بزشكيان على تكرار التحذير.
الأدق أن الخلاف يدور حول 3 أسئلة:
يريد بزشكيان تثبيت الجواب الأول بأن التفاهم قرار مؤسسي صدر تحت سقف المجلس الأعلى للأمن القومي وبتفويض من القيادة، وأي خلاف علني يضعف موقع إيران أمام الطرف المقابل. أما منتقدو المسار فيحاولون تثبيت قراءة مغايرة بأن الإذن مشروط، والنص يحتاج إلى ضغط وتصحيح، والفريق المفاوض لا يجوز أن يحتكر تفسير موقف القيادة.
لذلك، تبدو تحذيرات بزشكيان محاولة لضبط الداخل قبل الخارج، فهو يدرك أن التفاوض مع أمريكا لا يحتاج إلى نصوص فقط، بل إلى جبهة داخلية لا تمنح الطرف المقابل إشارات ضعف أو انقسام. ومن هنا تأتي خلاصة رسالته: الاختلاف ممكن، لكن تحويله إلى شرخ علني في لحظة تفاوضية حساسة سيصب، كما يقول، في مصلحة "العدو".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة