لم تكن بلدة النبطية الفوقا جنوبي لبنان في صور فضائية التُقطت يوم 20 يونيو/حزيران 2026 كما ظهرت قبل أشهر قليلة، فالمشهد الذي ترصده الأقمار الاصطناعية يكشف بلدة تغيرت ملامحها تحت أثر الضربات الجوية الإسرائيلية: فقد تحولت مبانيها إلى ركام، بينما غطت طرقها آثار الدمار، وبدت مساحات خضراء وقد التهمتها النيران.
وتزداد أهمية هذه الصور لأنها لا ترصد النبطية الفوقا وحدها، بل تمتد إلى محيط تلة علي الطاهر، إحدى النقاط المرتفعة والحاكمة في قضاء النبطية، حيث ظهرت آثار استهدافات وتغيرات واضحة في شكل الأرض والمنشآت المحيطة.
وقارنت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة صورا فضائية حديثة التُقطت في 20 يونيو/حزيران 2026 بصور سابقة تعود إلى 28 فبراير/شباط من العام نفسه، لرصد حجم التحول في البلدة ومحيط التلة، بالتزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية ومحاولات التقدم في مناطق قريبة من نهر الليطاني.
وتكشف المقارنة أن الضرر لم يقتصر على نقاط عسكرية معلنة أو محيط اشتباك محدود، بل طال مباني داخل البلدة ومنشآت بارزة وشبكة طرق، فيما وثقت الصور الحديثة حرائق ودخانا متصاعدا وقت مرور القمر الاصطناعي، ما يشير إلى أن بعض آثار القصف أو الاشتعال كانت لا تزال حديثة نسبيا لحظة التصوير.
وتُظهر الصور فرقا واسعا بين مشهد فبراير/شباط ومشهد يونيو/حزيران، ففي النبطية الفوقا، بدت عشرات المباني وقد سويت بالأرض أو تعرضت لأضرار جسيمة، كما امتدت آثار الركام إلى أجزاء من شبكة الطرق داخل البلدة.
أما في محيط تلة علي الطاهر، فأظهرت الصور آثار تدمير في مبان ونقاط محددة، إلى جانب تغيرات واضحة في شكل الأرض مقارنة بالصور السابقة.
ومن أبرز السمات التي ظهرت في الصور الحديثة، آثار الحرائق الواسعة في النبطية الفوقا ومحيطها. إذ بدت مساحات من المناطق الخضراء وقد تأثرت بالنيران، كما وثقت الصور -لحظة التقاطها- اشتعال مواقع عدة وتصاعد أعمدة دخان من نقاط متفرقة.
وتشير هذه المؤشرات البصرية إلى أن بعض الحرائق أو آثار الاستهداف كانت لا تزال مستمرة أو حديثة نسبيا وقت مرور القمر الاصطناعي.
من بين المواقع التي ظهر عليها أثر التدمير أو الاستهداف في الصور مبنى بلدية النبطية الفوقا وملعب النبطية الرياضي الكبير، إضافة إلى تجمع يضم عددا كبيرا من السيارات.
كما أظهرت الصور تضرر مبانٍ سكنية متعددة داخل البلدة، وتراكم الركام في محيط بعضها، بما أثر على أجزاء من الطرق الداخلية وحركة الوصول إلى بعض المناطق.
وسجلت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية ووسائل إعلام محلية خلال الأسابيع الماضية غارات إسرائيلية متكررة على أطراف النبطية الفوقا ومناطق مجاورة، بينها كفرتبنيت.
وتقول إسرائيل إن بعض هذه الضربات استهدفت مواقع تابعة لحزب الله، غير أن الصور الفضائية والرصد الميداني يظهران أيضا آثار دمار في مبانٍ ومنشآت مدنية وبنية طرق داخل المناطق المتضررة.
تُعد تلة علي الطاهر من المرتفعات ذات الأهمية العسكرية والجغرافية في جنوب لبنان، إذ تطل على أجزاء من قضاء النبطية وعلى طرق تربط بين بلدات المنطقة.
وشهدت التلة ومحيطها خلال الأيام الأخيرة اشتباكات ومحاولات تقدم ميداني، في وقت تحدثت فيه مصادر محلية عن هجمات نفذها حزب الله باستخدام مسيّرات وأسلحة مضادة للدروع في محيط المنطقة.
ويظهر جليا دمار قد تعرضت له منشأة تحت أرضية تم قصفها ضمن استهدافات تلة علي الطاهر، وكان مركز “ألما” الإسرائيلي قد قال إن تلة علي الطاهر، الواقعة شمال تبنين وعلى بعد نحو 4.5 كيلومترات شمال غرب قلعة الشقيف، تضم بنية أنفاق وصفها بالإستراتيجية لحزب الله، يُعتقد أنها تشمل مقرا لوحدة بدر ومجمعات تحت الأرض، أكبرها يزيد طوله على كيلومتر. وأضاف أن العمليات الإسرائيلية في المنطقة استهدفت هذه البنية باعتبارها أحد الأصول الإستراتيجية للحزب في جنوب لبنان.
ووثقت صور ومقاطع مرئية من وسائل إعلامية وكاميرات المراقبة والتصوير الشخصي الاستهداف الذي طال النبطية الفوقا وتلة علي الطاهر، حيث أظهرت بعض المقاطع استهداف مركبات وآثارا ارتدادية للقصف على أحد الأماكن، لا سيما آثار القصف الذي أدى إلى تصاعد أعمدة من الدخان والغبار امتدت لمئات الأمتار في السماء وذلك بخلاف صور توضح الدمار الشديد الذي تعرضت له المباني.
لا تُعد تلة علي الطاهر موقعا جديدا في سياق الصراع بجنوب لبنان. فقد كانت المرتفعات الحاكمة في هذه المنطقة نقاطا عسكرية مهمة خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب قبل الانسحاب عام 2000.
وتعود أهمية هذه التلال إلى قدرتها على الإشراف البصري والميداني على الطرق ومناطق الانتشار، خصوصا في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني، حيث تلعب الجغرافيا دورا حاسما في حركة القوات ومراقبة خطوط الإمداد.
وفي سياق أوسع، وثقت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة خلال الأشهر الماضية تتابعا من الدمار في عشرات القرى والبلدات جنوبي لبنان.
وأظهرت مقارنات بين صور فضائية التُقطت في فبراير/شباط وأبريل/نيسان 2026 تسوية مبانٍ بالأرض في مناطق حدودية، بينها منشآت مدنية ودينية.
ويشير الرصد إلى أن العمليات الإسرائيلية لا تقتصر على الضربات الجوية، بل تشمل في بعض المناطق تفجيرات ميدانية واستخدام آليات لإزالة مبانٍ وبنية تحتية، بما قد يعرقل عودة السكان ويغير الواقع العمراني والميداني في القرى المتضررة.
المصدر:
الجزيرة