في مايو الماضي، وجّه ولي عهد أبوظبي، الشيخ خالد بن محمد بن زايد، بتسريع تنفيذ خط أنابيب ينقل مزيدا من النفط الإماراتي إلى الفجيرة، على خليج عمان، خارج مضيق هرمز.
ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل المشروع عام 2027. وإذا اكتمل كما هو مخطط، فسيضاعف قدرة الإمارات على التصدير من منفذ لا يحتاج إلى عبور المضيق الذي مرّت عبره، لعقود، كميات ضخمة من نفط الخليج إلى الأسواق العالمية.
جاء التوجيه بينما كانت حرب إيران تعيد هرمز إلى صدارة الحسابات الخليجية. فالمضيق، الذي ظل لسنوات جزءا من البنية اليومية الهادئة لتجارة الطاقة، تحول إلى نقطة اختناق يمكن أن تؤثر في صادرات النفط والغاز، وفي أسعار الشحن والتأمين، وفي ثقة الأسواق بقدرة المنطقة على إبقاء تدفق الطاقة.
ولا تقتصر الخطط الإماراتية على النفط الخام. فبحسب ما أوردته “بلومبرغ” و”فايننشال تايمز”، تدرس الإمارات إنشاء خط أنابيب جديد للمنتجات المكررة، يسمح بتصدير البنزين والديزل ووقود الطائرات حتى إذا تعذر مرور الناقلات عبر هرمز.
في السعودية، يجري النقاش على مستوى آخر. يدرس صندوق الاستثمارات العامة دمج أصول النقل والشحن والموانئ والسكك الحديدية التابعة له في كيان لوجستي ضخم، قد يتحول إلى منصة استثمارية بمليارات الدولارات. بدأت هذه المناقشات قبل الحرب، لكن اضطرابات هرمز منحتها دفعة إضافية، خصوصا مع تزايد أهمية الموانئ السعودية على البحر الأحمر.
لا تعني هذه المشاريع أن دول الخليج تستطيع الاستغناء عن هرمز قريبا. فالمضيق سيبقى، في المدى المنظور، ممرا أساسيا للطاقة والتجارة. لكن ما يتغير هو طريقة النظر إليه. لم يعد التعامل معه بوصفه ممرا مضمونا في كل الظروف أمرا بديهيا كما كان في مراحل سابقة.
تمتلك السعودية والإمارات وسلطنة عمان ميزة لا تتوافر لجميع دول الخليج: منافذ تصدير خارج المضيق. وقد ساعد ذلك عمان على تجنب التأثر المباشر بإغلاقه، فيما خفف جزئيا من أثر الأزمة على السعودية والإمارات، رغم تراجع الكميات القابلة للتصدير.
أما قطر والكويت والبحرين، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على المرور عبر هرمز، وقد أعلنت حالة القوة القاهرة مع امتداد الاضطرابات إلى حركة الطاقة.
وفي قطاع الغاز، ظهرت الكلفة بوضوح. فقد أعلنت شركة “إديسون” الإيطالية للطاقة أن “قطر للطاقة” أبلغتها بإلغاء خمس شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال، مع تمديد حالة القوة القاهرة من أوائل يوليو إلى منتصف أغسطس.
تلك التطورات دفعت النقاش الخليجي إلى ما هو أبعد من إدارة الأزمة الحالية.
يقول الدكتور عبدالله الشامي المطيري، أستاذ الاقتصاد القياسي والمدير العام للمعهد العربي للتخطيط، إن البحث عن بدائل لهرمز لم يعد مسألة “منفعة اقتصادية أو مالية فقط”، بل أصبح “حاجة جيوسياسية وجيوستراتيجية وجيواقتصادية”.
ويرى المطيري أن هذه الحاجة ستبقى قائمة حتى لو تغيرت الظروف السياسية في إيران مستقبلا، لأن المنطقة لا تسمح ببناء خطط طويلة الأجل على افتراض الاستقرار الدائم. وبحسب رأيه، فإن الاستثمار في خطوط النقل والمنافذ البديلة يهدف إلى طمأنة الأسواق، وتعزيز أمن الطاقة، وحماية الحصص الخليجية في سوق شديدة المنافسة.
من جهته، يرى الخبير المالي والاقتصادي الإماراتي حسين القمزي أن ما يجري يعكس تغيرا في طريقة التفكير داخل الخليج. فقد بنيت البنية التحتية للطاقة، على مدى عقود، على افتراض أن هرمز سيبقى مفتوحا في معظم الظروف. لكن هذا الافتراض لم يعد كافيا وحده.
ويقول القمزي إن تسريع مشاريع التصدير عبر الفجيرة، إلى جانب التوسع السعودي في موانئ البحر الأحمر والبنية اللوجستية المرتبطة بها، يشير إلى أن دول الخليج بدأت تخطط على أساس ما يمكن أن يحدث إذا أُغلق المضيق أو تعطلت الملاحة فيه.
ويختصر القمزي الفكرة بالقول إن دول الخليج “لم تعد تبني استراتيجياتها على أفضل السيناريوهات، بل على أسوأ السيناريوهات الممكنة”.
ولا يتصل الأمر بالأمن وحده. فوجود بدائل عملية قد يخفض علاوة المخاطر التي تفرضها شركات التأمين والمستثمرون على المنطقة، ويمنح الدول المصدرة للطاقة قدرة أكبر على التفاوض، كما يجعل الاستثمارات طويلة الأجل أقل عرضة لهزات مرتبطة بممر بحري واحد.
أما الاقتصادي السعودي عبدالله الجبلي، فيرى أن هذه المخاوف ليست جديدة على صناع القرار في الخليج. ويشير إلى إنشاء السعودية خط “بترولاين” وخط شرق-غرب منذ عهد الملك خالد، باعتبارهما دليلا مبكرا على إدراك مخاطر الاعتماد الكامل على المضيق.
لكن الجبلي يرى أن ما يحدث اليوم يتجاوز فكرة وجود خطة احتياطية عند الحاجة. فالهدف، كما يقول، هو تقليص وزن هرمز نفسه في حركة التجارة والطاقة الخليجية.
ويشير إلى مشاريع مثل تعزيز دور ميناء جدة الإسلامي، وخط الدما-إسطنبول، والمقترحات الخاصة بربط حقول الغاز والنفط بمنافذ بديلة على البحر الأحمر. هذه المشاريع، في رأيه، تعكس سعيا إلى بناء شبكة نقل وتصدير أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
لكن البدائل ليست بلا ثمن، وليست بلا مخاطر. فالانتقال من الاعتماد على هرمز إلى الاعتماد على البحر الأحمر لا يلغي نقاط الاختناق الأخرى. فالسعودية، رغم امتلاكها منفذا واسعا على البحر الأحمر، تبقى مرتبطة بباب المندب جنوبا وقناة السويس شمالا. وأي اضطراب في أحدهما قد يعيد المشكلة نفسها بصيغة مختلفة.
لذلك، يقول القمزي إن الحل لا يكمن في استبدال ممر بآخر، بل في بناء شبكة من الموانئ وخطوط الأنابيب ومراكز التخزين والمسارات البرية والبحرية. ويرى أن التكامل بين الإمارات والسعودية يمكن أن يكون جزءا أساسيا من هذه الشبكة: منافذ إماراتية على خليج عمان وبحر العرب، ومنافذ سعودية على البحر الأحمر.
وقد تستفيد من هذه الشبكة دول مثل الكويت وقطر والبحرين، وهي الأكثر اعتمادا على هرمز. كما يمكن لسلطنة عمان أن تضيف إليها بعدا مهما، بحكم موقعها المباشر على بحر العرب والمحيط الهندي.
ولا يتوقع القمزي أن تؤدي هذه البدائل إلى إلغاء أهمية هرمز. لكنها، كما يقول، قد تجعل “استخدام الجغرافيا كورقة ضغط أقل فاعلية”.
يرى الجبلي أيضا أن خطوط الأنابيب والبدائل البرية قد توفر مكاسب اقتصادية على المدى الطويل، لأن نقل النفط عبر الأنابيب أقل تكلفة من وسائل نقل كثيرة أخرى. لكن إنشاء الخطوط وحده لا يكفي. فالمشاريع العابرة للحدود، مثل خط الدمام-إسطنبول، تحتاج إلى اتفاقيات وتشريعات وتنسيق بين أكثر من دولة، وإلى مؤسسات قادرة على ضمان استمرار التشغيل في ظروف صعبة.
وتبقى المخاطر الأمنية حاضرة. فخطوط الأنابيب والموانئ والسكك الحديدية يمكن أن تصبح أهدافا في أوقات التوتر، كما أن صيانتها وحمايتها ترفع الكلفة. لذلك، فإن نجاح هذه المشاريع لن يقاس فقط بإنجازها، بل بقدرتها على العمل عندما تتعرض المنطقة لأزمة جديدة.
لا يبدو أن الخليج يغادر مضيق هرمز. لا الجغرافيا تسمح بذلك بالكامل، ولا أسواق الطاقة تستطيع تجاهل الممر الذي ارتبطت به لعقود. لكن الخليج، أو بعض دوله على الأقل، بدأ يتعامل مع هرمز بطريقة مختلفة: ليس بوصفه ممرا مضمونا دائما، بل خطرا يجب تقليل أثره كلما أمكن.
في السابق، كانت البدائل تُعرض غالبا كخطط طوارئ. اليوم، تبدو أقرب إلى جزء من سياسة طويلة الأجل. فكل خط أنابيب جديد، وكل توسع في ميناء خارج المضيق، وكل ربط لوجستي عابر للحدود، يضيف طبقة صغيرة إلى شبكة هدفها ألا تبقى تجارة الطاقة الخليجية رهينة ممر واحد.
المصدر:
الحرة