آخر الأخبار

المصالح قبل التحالف.. هكذا ترسم واشنطن مستقبل علاقاتها بأوروبا

شارك

يتفق محللان سياسيان على أن العلاقات الأمريكية الأوروبية تمر بمرحلة غير معهودة أججتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الأمر الذي يتوقع أن يرسم ملامح مستقبلية لتلك العلاقات تقوم على المصالح بعيدا عن الالتزامات الدفاعية الأمريكية تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وعمّقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية، ففي حين طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الدول الأوروبية بدعم الهجمات، قالت دول أوروبية إن "الحرب ليست حربها وإنها لم تُستشر قبلها".

ويرى المحللان أن جذور الأزمة الحالية في العلاقات ليست وليدة اللحظة الراهنة بل تعود إلى الانسحاب الأمريكي من اتفاقية فيينا لعام 2015، وما تلاه من انتقادات الرئيس ترمب لضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وهو ما عرقل الجهود التفاوضية الأوروبية لحل الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

ويعرف اتفاق فيينا بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" الذي وقّعته إيران في 14 يوليو/تموز 2015 مع مجموعة "5+1" التي تضم الصين وروسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ويمنع طهران من تطوير أسلحة نووية مع رقابة دولية صارمة مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها، لكنه تعثّر بعد إعلان ترمب في 8 مايو/أيار 2018 انسحاب بلاده منه.

أزمة ثقة أم سحابة صيف؟

ورفض حلف الناتو المشاركة في الحرب على إيران مستندا إلى أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف تنص على أن الدفاع المشترك يكون في حالة تعرض أحد الأعضاء لهجوم، غير أنه في حالة الحرب على إيران "لم يتعرض الناتو لهجوم"، وإن أشارت بعض الآراء إلى مشاركة "خلف الكواليس" من دول أوروبية عدة.

ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليون الفرنسية بيير لوي ريمون، في تصريحات للجزيرة نت، أن العلاقات الأوروبية الأمريكية تمر بمرحلة متعثرة نسبيا، حيث تفضل إدارة ترمب لغة المصالح عن التحالف العسكري، حيث يمارس الرئيس الأمريكي ما يُسمى "عقيدة مونرو"، أي الانسحاب الأمريكي التدريجي من الشؤون الدولية والتركيز على الملفات الداخلية.

إعلان

وعما إذا كانت تلك العلاقات الأمريكية الأوروبية تعيش أزمة ثقة ووصلت إلى نقطة اللاعودة أم أنها سحابة صيف عابرة؟ فإن ريمون لا يرى أنها وصلت إلى نقطة اللاعودة، كما لا يراها مجرد سحابة صيف عابرة، فهي في الحقيقة تمر حاليا بمرحلة متعثرة نسبيا.

لكن الدبلوماسي الأمريكي السابق رونالد جنسن يذهب إلى أبعد من ذلك في تشخيص طبيعة العلاقات بين ضفتي الأطلسي، ويؤكد -في تصريحات للجزيرة- أن أزمة ثقة متزايدة تواجه العلاقات الأمريكية الأوروبية، لا سيما بعد اندلاع الحرب على إيران، فالخلافات لم تعد عسكرية فحسب، بل اقتصادية وسياسية، وقد تؤدي إلى تآكل داخلي لهذا التحالف من الداخل على المدى الطويل.

أزمة متصاعدة؟

ويلفت جنسن إلى أن دولا أوروبية وجّهت تباعا صفعات لترمب ورفضت المشاركة في الحرب على إيران، وكانت إسبانيا الأعلى صوتا، كما انتقدت إيطاليا أيضا حرب إيران، مما ينذر بمزيد من التوترات مستقبلا.

ويقول الدبلوماسي الأمريكي إنه رغم أن وجود قوات للناتو بالشرق لا يمثل إضعافا عسكريا على المدى القصير، فإن الأخطر هو أنه يمثل انعكاسا لمزيد من التوترات بين الحلف وواشنطن، مما يزيد عنصرا إضافيا فوق كومة من الشكاوى المتبادلة.

ويضيف جنسن أن الحرب والرسوم الجمركية ليستا محل الخلاف الوحيد، فهناك قضايا أخرى مهمة، ويعتقد أن التوترات ستتوالى مستقبلا، مما يعمّق أزمة الثقة ويهدد وحدة الناتو.

ويفرق الأكاديمي الفرنسي بين الواقع الحالي للإدارة الأمريكية والسياسات المتعاقبة للولايات المتحدة تجاه أوروبا، إذ إنه لا يرى أن هذه العلاقات وصلت "إلى مرحلة الأزمة الحقيقية، لأنها يجب أن تُفهم في إطار التعامل مع إدارات أمريكية متعاقبة، وليس فقط مع إدارة ترمب"، ويقول "صحيح أننا نعيش واقعا مأزوما لكن هناك فرقا في نظري بين الواقع المأزوم والأزمة".

ويرجح ريمون أن العلاقات الأوروبية مع إدارة ترمب لن تنهار بالكامل ولن تصل إلى نقطة اللاعودة، غير أنها ستبقى متذبذبة.

مصدر الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال اجتماع بالبيت الأبيض (رويترز)

جذور الأزمة

وتتعدد أسباب الأزمة وجذورها بين ضفتي الأطلسي لدى المحللين، ويربطها ريمون بالحرب على إيران، قائلا إنها من صنيعة ترمب، وإن مضيق هرمز المعطل اليوم كان مفتوحا قبلها، لافتا إلى أن جذور الأزمة الحالية في العلاقات تعود أساسا إلى الانسحاب الأمريكي من اتفاقية فيينا لعام 2015.

أما جنسن فيرى أن الخلافات ليست وليدة اللحظة، وربما بدأت مع انتقادات ترمب لضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتهديداته المستمرة بتقليص عدد القوات الأمريكية الموجودة في أوروبا ثم أزمة الرسوم الجمركية، وأن الخلاف اقتصادي وسياسي، مؤكدا أن المشكلة الأكبر الآن تكمن في التوترات بين الناتو وواشنطن، وبين ألمانيا والولايات المتحدة.

وتأتي مشكلة الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على أوروبا ولقيت معارضة داخل التكتل، إذ "فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية أعلى على السيارات ألمانية الصنع أيضا"، كما يقول جنسن، لتُعمّق الهوة بين الأوروبيين والأمريكيين.

إعلان

وفي المقابل، يرى الأكاديمي الفرنسي أن المسألة في جوهرها اقتصادية، لكن لا حلول على المدى القريب، إذ يرغب ترمب بأن ينضم الأوروبيون إليه ضمن تحالف لفك الحصار الإيراني على مضيق هرمز، لكنهم منذ البداية يعتبرون أن هذه الحرب ليست حربهم.

وقد جاء الرد الأوروبي الأولي على اندلاع الحرب في الدعوة إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين، والتأكيد على القانون الدولي، قبل أن ترتفع أصوات الأوروبيين المعارضة للانخراط والرافضة للحرب من إسبانيا وفرنسا وألمانيا وحتى بريطانيا، حتى كتبت "غارديان" أن هذه الحرب "نقطة تحوُّل لتحرير أوروبا من ترمب".

أما الحلول على المدى البعيد فيرى الأكاديمي الفرنسي أنها اقتصادية، ويضرب مثلا بقضية الرسوم الجمركية التي تضر جدا بالعلاقات الاقتصادية بين القارة الأوروبية والإدارة الأمريكية، لذا ربما يتوصل الجانبان إلى حلول وسط في سياسات التبادل الاقتصادي.

ويلفت الدكتور ريمون إلى أن ترمب مثلا ربما بدأ يخفّض الرسوم على الصادرات الأوروبية والفرنسية وغيرها، بعدما فهم أن هذه الرسوم ستضر بالسوق الأمريكية نفسها، وليس فقط بالإنتاج الأوروبي، كما يرجح أن تكون هناك أيضا حلول توفيقية في مجال تصدير السيارات.

الأمن الأوروبي

لا تحدد معاهدة "الناتو" العدد الدقيق للقوات الأمريكية المُتمركزة بأوروبا، ووفقا لأحدث إستراتيجية للدفاع الوطني الأمريكي، في 23 يناير/كانون الثاني 2026، يبقى الدفاع عن الأراضي الأمريكية وردع الصين على رأس الأولويات، بينما تُعتبر أوروبا ذات أهمية ثانوية، ويُثير احتمال انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا جدلا دبلوماسيا، دفع الأوروبيين إلى إعلان الحاجة إلى بنية دفاعية ذاتية.

ويقول ريمون إن هناك باكورة تحول أوروبي في العقيدة الدفاعية الجديدة، مدللا بالقدرة التي اكتسبتها أوكرانيا في حربها على روسيا في صناعة الطائرات المسيّرة، وإن ثمة تحالفا في هذا المجال يسعى الاتحاد الأوروبي لضم الخبرة الأوكرانية ودعمها ماديا.

لكن هل يمكن أن يكون الإعلان عن البنية الدفاعية مناورة تجاه ترمب؟ لا يؤيد الأكاديمي الفرنسي هذا الرأي ويقول إن "أوروبا حينها ستقع في الفخ التي تكون قد نصبته لنفسها، وهذا ليس من مصلحتها".

لكن جنسن يذهب بعيدا عن ذلك، ويؤكد أن هذا التغيير في البنية الأمنية الذي تتحدث عنه أوروبا الآن يشمل موقفا دفاعيا أكثر استقلالا بكثير، كما تقول فرنسا وألمانيا، التي تتحدث أيضا عن لعب دور أمني أقوى.

ويقول إن هذا يشير إلى منظومة غير معروفة الشكل بعد، لكنها مختلفة جدا للأمن الأوروبي عما رأيناه فعليا منذ نهاية الحرب الباردة، ولن نعود إلى ما كان قائما في عامي 2022 و2023، في إشارة إلى التحالف الإستراتيجي بين واشنطن وأوروبا عقب بدء الحرب الروسية الأوكرانية.

وأعادت الحرب الروسية الأوکرانية تماسك "الناتو" بصورة غير مسبوقة، ودفعت الدول الأوروبية إلى مزيد من التسلح وزيادة الإنفاق العسکري بشکل کبير، كما توسع ليضم الحلف دولا جديدة، وهو ما يعني تطورات ليست في صالح روسيا.

مصدر الصورة توتر العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة تستفيد منه قوى أخرى خارج الناتو (الجزيرة)

المستفيد الأكبر

وفيما يتعلق بروسيا فإن جنسن يرى أنها تتلقى التوترات بين الولايات المتحدة والناتو بمزيد من الارتياح، خصوصا في مواجهتها الحالية بأوكرانيا، كما يؤكد أن هذه التوترات "تبعث أيضا رسالة إلى الكرملين".

ويضيف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "قد لا يتمكن من تحقيق نصر حاسم في أوكرانيا، لكنه يريد إضعاف التحالف الغربي، وكل هذا التناحر… يشجّع الكرملين على مواصلة ما يمكن أن نسمّيه هجومه الهجين ضد الحلفاء الغربيين".

لكن ريمون يؤكد أن المستفيد بالفعل هو أوروبا لأن المسألة متعلقة بدفعها إلى إعادة هيكلة منظومتها الدفاعية، وبالتالي ستستفيد أوروبا بطريقة أو بأخرى إذا تمكنت من الاستقلال عن الدعم الأمريكي للناتو، وإن كان الأمر يتطلب وقتا.

إعلان

ويحذر جنسن من تفتت الغرب، بما فيه الولايات المتحدة، بسبب التحول في بنية الأمن الأوروبي، الناجم عن التحول في الإستراتيجية الأمريكية، الأمر الذي يخدم روسيا.

وفي المقابل، يرى ريمون أن أمريكا لن تكون هي المستفيدة لأنها لا تريد في الواقع أن تسحب قواعدها العسكرية من القارة الأوروبية، مؤكدا أن المسألة في حقيقتها نوع من الوفاق البراغماتي أي الاستفادة من الواقع بين الناتو (وخلفه الولايات المتحدة) وأوروبا.

مصدر الصورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله لحضور مؤتمر صحفي خلال قمة للناتو بلاهاي في يونيو/حزيران 2025 (الفرنسية)

المستقبل

أما مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية، فيرى ريمون أنه "من الصعب التنبؤ بمستقبل هذه العلاقات ما دامت أوروبا لا تنفق على الدفاع وحلف الناتو بالمستوى الذي تطالب به واشنطن"، فالمسألة بالنسبة لترمب تبقى مالية بالدرجة الأولى، ولذلك سيظل هذا الملف معلقا طالما استمرت هذه الإدارة في الحكم.

ويلفت إلى أن الرؤساء الأوروبيين لا ينظرون إلى دبلوماسية ترمب باعتبارها قائمة على "ركائز معينة"، فترمب في النهاية رجل صفقات ورجل أعمال، وهو يراهن على خفض التوتر بالمنطقة لتحقيق مكاسب اقتصادية، وأن ثمة تفاوتا بين هؤلاء الرؤساء في النظر إلى إدارة ترمب.

ويؤكد أن أي مسار دبلوماسي لترمب لا يمكن أن ينجح دون أن تعقبه صفقات تجارية، ومن المرجح أن يرتكز المستقبل على عقد تفاهمات اقتصادية مع الإدارة الإيرانية، ويرى أن الصين قد تلعب دور صمام الأمان في هذه الأزمة.

ويتفق معه جنسن ويوضح أن العلاقات بين أوروبا وواشنطن ستحكمها "نظرة تقوم أكثر على المصالح" من جانب واشنطن، وما يمكن أن يحصلوا عليه مقابل ما يحصل عليه الأوروبيون، وهو أمر مختلف جدا لم يعهد منذ نهاية الحرب الباردة، حين كانت القرارات تُتخذ إلى حد كبير بالتوافق.

وما يخلص إليه المحللان هو أن العلاقات الأوروبية الأمريكية تعاني بالفعل من خلاف ليس وليدة اللحظة الراهنة، ولا أفق حاليا لعودتها كما كانت وستحكمها مستقبلا النظرة المصلحية من جانب واشنطن.

لكنهما يختلفان بشأن بنية الأمن الأوروبي التي يراها أحدهما في بدايتها ومحاولة للاستقلال الدفاعي، وأن الخلاف مع إدارة ترمب لا الولايات المتحدة، في حين يراها الآخر بنية جديدة وموقفا دفاعيا أكثر استقلالا بكثير للأمن الأوروبي، ولا عودة للتوافق المعهود منذ الحرب الباردة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا