آخر الأخبار

أذرع خفية وأموال غامضة.. كيف تهندس "إف دي دي" سياسات واشنطن بالشرق الأوسط؟

شارك

في أروقة السلطة المعقدة بالعاصمة الأمريكية، تقف مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" (إف دي دي) بوصفها واحدة من أكثر مراكز الأبحاث نفوذا وإثارة للجدل.

فرغم أنها تقدّم نفسها مؤسسة بحثية أمريكية مستقلة غير حزبية، وتتصدر واجهتها شعارات "الدفاع عن الديمقراطية"، فإن تتبّع مسارها يكشف عن منظومة معقدة، توفر "القوة الفكرية" لسياسات اليمين الإسرائيلي في واشنطن، وتؤدي دورا محوريا في توجيه دفة الصراع ضد إيران وتصنيف الحركات الإسلامية.

من "الحقيقة" إلى "المال المظلم"

لا يمكن فهم توجهات مؤسسة "إف دي دي" دون العودة إلى جذور تأسيسها في أبريل/نيسان 2001 -أي قبل هجمات سبتمبر/أيلول بأشهر- إذ شُكلت المنظمة، بحسب مؤسسة "كارنيغي"، بأيدي ثلاثة مانحين كبار مؤيدين لإسرائيل تحت اسم "إيميت" (EMET) -وتعني "الحقيقة" بالعبرية- لتلميع صورة إسرائيل في أمريكا الشمالية، قبل أن تعيد تموضعها وتغيّر اسمها استغلالا للمناخ السياسي بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وربطت تقارير صحفية -بينها تحقيق في مجلة "ذا نيشن"- بين تمويل المؤسسة ومليارديرات يمينيين بارزين مثل بول سينغر وبرنارد ماركوس، بوصفهم من أهم داعمي المراكز الموالية لإسرائيل.

هذا الغموض المالي دفع معهد "كوينسي" إلى وضع المؤسسة ضمن المراكز التي لا تكشف عن مصادر تمويلها، محذرا من ظاهرة "المال المظلم" في مراكز الأبحاث التي تشجع على الحروب في حين تحجب هويات بعض مانحيها.

خبراء أمريكيون بخلفية عسكرية إسرائيلية

يظهر خبراء المؤسسة بانتظام على الشبكات الإخبارية الأمريكية الكبرى بوصفهم محللين "غير حزبيين".

لكن نظرة فاحصة تكشف أن المؤسسة تضم شبكة لافتة من كبار ضباط الجيش والمخابرات الإسرائيلية السابقين، من بينهم جاكوب ناغيل وإيال حولاتا (الرئيسان السابقان لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي) وجوناثان كونريكوس (المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي).

وترفض المؤسسة الاتهامات بالعمل لمصلحة حكومة أجنبية، وتؤكد أنها مؤسسة أمريكية خالصة، لكنها امتنعت عن الرد على أسئلة للجزيرة الإنجليزية أخيرا بشأن علاقاتها، في حين يصف برنامجها الخاص بإسرائيل بوضوح تل أبيب بأنها "الحليف الأكثر قيمة وموثوقية وهشاشة في الشرق الأوسط".

اختراق الإدارة.. اللوبي الذي يكتب التشريعات

لم تعد المؤسسة تكتفي باقتراح السياسات، بل أصبحت جزءا من عملية صياغة تلك السياسات وتوجيهها من الداخل.

إعلان

وتُظهر السجلات أن ذراع المؤسسة الضاغطة "إف دي دي أكشن" أنفقت 150 ألف دولار في الربع الأول من 2025 للضغط على الحكومة.

الأخطر من ذلك هو ما تقدمه هذه الذراع للمشرعين من "دعم مباشر، يشمل المساعدة في صياغة التشريعات، وإحاطات خاصة، وتحليلات مجانية"، مما يحولها عمليا إلى مكتب استشاري مجاني للكونغرس يعمل بأجندة محددة.

ونجحت المؤسسة في زرع "كوادرها" داخل الإدارة، ففي فترة دونالد ترمب الأولى، عُيّن ريتشارد غولدبرغ في مجلس الأمن القومي حيث عمل على تعزيز حملة "الضغوط القصوى" التي استهدفت خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل وتصفير صادراته النفطية، ومقاومة أي مساع لتخفيفها من داخل الإدارة نفسها.

وأخيرا، في خطوة لافتة، عُيّن المسؤول السابق في "إف دي دي أكشن" نيك ستيوارت ضمن فريق التفاوض الأمريكي لإيران، وهو الرجل الذي صرح في يناير/كانون الثاني 2026 -أي قبل أسابيع من بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية- قائلا "إن المهمة التي تقع على عاتق الولايات المتحدة الآن هي توظيف هذه الانتصارات التكتيكية للوصول إلى نتيجة إستراتيجية حاسمة. وإذا كانت ثمة لحظة للمضي قدما واستثمار هذا التفوق، فهي الآن"، ثم رُقي ليصبح مفاوضا باسم واشنطن.

مصدر الصورة نيك ستيوارت عُيّن ضمن فريق التفاوض الأمريكي لإيران (غيتي)

هندسة الحرب في ملف إيران

أدت المؤسسة دورا محوريا في الدفع نحو انسحاب ترمب من الاتفاق النووي عام 2018، وهو ما أكده موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأمريكي الذي وصف دور المؤسسة في هندسة هذا الانسحاب بأنه "كبير جدا"، بعد أن كانت المؤسسة قد عارضت بشراسة هذا الاتفاق الذي أُبرم عام 2015 في عهد باراك أوباما.

ولا يقتصر هذا الدور على حقبة ترمب، إذ يشير الأكاديمي البارز ستيفن والت في مقال له إلى أن هذه المؤسسة تمثل امتدادا لقوى أوسع ضمن اللوبي الإسرائيلي، عملت على إعاقة محاولات التقارب الأمريكي الإيراني لعقود، بما في ذلك إجهاض المبادرات التي طُرحت في عهدي الرئيسين الإيرانيين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي.

ودفع هذا الدور العدائي طهران في عام 2019 إلى فرض عقوبات على المؤسسة ورئيسها التنفيذي مارك دوبوفيتز، واتهمتهما بالإسهام في "الإرهاب الاقتصادي".

وفي سياق متصل، أقر دوبوفيتز ساخرا بتأثيره في تصريح حديث له عام 2026، قائلا "إيران تتهمنا بأننا الذراع التصميمية والتنفيذية للسياسة الأمريكية تجاهها. نحن مذنبون بالتهمة".

ولتعزيز روايتها، تعتمد المؤسسة أحيانا على اجتزاء السياق، فأخيرا نشر دوبوفيتز رسوما بيانية تحمّل إدارة جو بايدن مسؤولية تسريع إيران لعمليات التخصيب، متجاوزا حقيقة أن هذا التوسع بدأ فعليا في أعقاب انسحاب ترمب من الاتفاق.

ورغم هذا القصور في عرض المعطيات، فقد أعاد البيت الأبيض نشر الرسوم عبر حسابه الرسمي لـ"الاستجابة السريعة".

لكن هذا النهج التصعيدي بات يثير انقسامات حتى داخل المعسكر المحيط بالرئيس، إذ هاجم دونالد ترمب الابن مؤسسة "إف دي دي" واتهمها بـ"تقويض" مفاوضات والده. وهو تململ داخلي يتقاطع خارجيا مع انتقادات منظمات يهودية أمريكية أكثر ليبرالية، مثل "جيه ستريت" التي تعارض التصعيد العسكري، وتكسر احتكار الصوت اليهودي في واشنطن.

مصدر الصورة تقدّم المؤسسة لأعضاء الكونغرس دعما مباشرا يشمل المساعدة في صياغة التشريعات وإحاطات خاصة (شترستوك)

خلاصة

تشكل مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" اليوم نموذجا يعكس تلاشي الخطوط الفاصلة بين عمل مراكز الأبحاث المستقلة وأدوار جماعات الضغط، ليتحول إلى جسر مؤسسي يدمج الرؤية الأمنية الإسرائيلية في صميم دوائر القرار في واشنطن.

إعلان

ومع تمدد شبكتها في مفاصل الإدارة وتأثيرها الملموس في توجيه السياسات والإسهام في كتابة التشريعات، يبقى التساؤل معلقا: إلى أي مدى تعبّر توصيات هذه المؤسسة عن المصالح الإستراتيجية الأمريكية الخالصة؟ وهل تخدم هذه المساعي رؤية واشنطن الشاملة أم تدفعها نحو مسارات تصعيدية ومواجهات مفتوحة تتطابق في المقام الأول مع تطلعات اليمين الإسرائيلي وحلفائه في المنطقة؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا