عندما اعتقل شريف في يناير الماضي، لم يكن يعلم أنه سيخرج من السجن مصابا بمشاكل نفسية وجسدية عديدة وذاكرة مثقلة بصور التعذيب وأزيز رصاص الإعدامات.
يقول شريف، وهذا اسم مستعار، لـ”الحرة”: “تنتابني موجات الخوف والهلع المستمرة، ولا أستطيع النوم بسبب الكوابيس، ولدي آلام حادة في المعدة، إثر تعرضي لتعذيب شديد”.
ورغم القيود الأمنية واستمرار قطع الإنترنت، تمكنت “الحرة” من التواصل مع شريف ومعتقلين آخرين عبر شبكة من النشطاء داخل إيران وخارجها.
يشير شريف الى أن حراس السجن أجبروه والمعتقلين الآخرين على تناول مجموعة من الأدوية دون معرفة ما فيها، لكنه يكاد يكون على يقين أن تلك الأدوية هي التي سببت الاضطرابات في المعدة وضيق التنفس.
اعتقل الباسيج الإيراني شريف، في يناير الماضي، خلال مشاركته في التظاهرات وسط محافظة إيلام غرب إيران، ضمن سلسلة الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها غالبية المدن الإيرانية احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية.
“احتجزت مع أكثر من 50 معتقلا آخرين في زنزانة صغيرة، غالبية المعتقلين معي كانوا يواجهون تهما سياسية وأمنية منها التعاون مع جهات خارجية والتمرد على النظام،” يقول.
تحت هدير الغارات الأميركية والإسرائيلية، ودوي الانفجارات التي هزت إيران في مارس الماضي ومطلع أبريل الحالي، نفذت السلطات الإيرانية إعدامات سرية ومارست التعذيب ضد معتقلين وناشطين في سجونها، وفق منظمات حقوقية دولية ومحلية.
وتبين إحصاءات مركز “عبدالرحمن برومند” لحقوق الإنسان، مقره في واشنطن، إن السلطات الإيرانية أعدمت أكثر من 615 شخصا منذ مطلع العام الجاري وحتى إنجاز هذا التقرير.
وارتفع عدد المعدومين في إيران بواقع 260 حالة إعدام مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وتقول منظمة “هانا”، ومقرها في كندا، إن حصيلة المعدومين في إيران خلال 40 يوما من الحرب بلغت 20 شخصاً، من بينهم تسعة بتهمة الانتماء إلى المعارضة الإيرانية، وتسعة على صلة باحتجاجات يناير الماضي، واثنان بتهمة التجسس لصالح إسرائيل.
ووفق ناشطين سياسيين مقيمين داخل إيران تواصلت معهم “الحرة”، إلى جانب عمليات الإعدام والتعذيب، شملت العمليات التي مارستها السلطات نقل وإخفاء عشرات من المعتقلين السياسيين في معتقلات مجهولة، ورغم وقف إطلاق النار مازال مصيرهم مجهولا.
“ازدادت الإعدامات خلال الحرب. أعدمت السلطات عددا من المعتقلين بتهم التجسس لصالح إسرائيل، دون إجراءات قانونية شفافة أو أدلة موثوقة. وصدرت العديد من أحكام الإعدام على المتظاهرين،” تقول الناشطة الكردية الإيرانية ژينو باباميري (Zhino Babamiri) لـ”الحرة”.
وتلفت باباميري التي تقيم في أوروبا، الى أن التقارير الواردة اليها من شبكة ناشطين داخل إيران، تبين أن المعتقلين السياسيين يواجهون منذ فبراير الماضي أوضاعا إنسانية أصعب مما كانوا يواجهون من قبل، مشيرة إلى أن السلطات شددت من إجراءاتها ضدهم وفرضت عليهم حراسة شديدة ومنعت عائلاتهم من زيارتهم.
وكشفت منظمة حقوق الانسان في إيران (IHRNGO) في تقريرها السنوي لعام 2025 الخاص بالإعدام في إيران، أن أعداد المعدومين الذين تعلنهم إيران رسميا سنويا لا تمثل العدد الحقيقي للمعدومين في البلاد، مشيرة الى أن السلطات الإيرانية أعلنت في عام 2025 عن إعدام 113 شخصا في وقت أعدمت فيه ما لا يقل عن 1639 شخصا، أي انها أعلنت عن أقل من 7% من حالات الإعدام الحقيقية.
ولم تتوقف إيران عند اعدام المعتقلين خلال الحرب، بل تواصل منذ نهاية فبراير الماضية عمليات اعتقال عشوائية تستهدف الإيرانيين بمختلف مكوناتهم لكنها تركز على الشباب بشكل أكبر.
وتظهر إحصائيات صادرة عن منظمة “هنغاو” المختصة برصد انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ومقرها في النرويج، اعتقال السلطات الإيرانية لما يقارب 3000 شخصا خلال الحرب في مختلف أنحاء إيران. وتشير إلى استمرار هذه الاعتقالات حتى الآن، مبينة في الوقت ذاته أن أحد المعتقلين ويدعى حسين غاوي من الأحواز فارق الحياة تحت التعذيب.
وتؤكد عضوة الهيئة الإدارية في منظمة “هنغاو”، ژيلا مستأجر على أن الأسابيع الأولى من الحرب شهدت إعدام معتقلين اتهموا بالارتباط بإسرائيل، كما شملت تلك الموجة إعدام متظاهرين كانوا قد اعتقلوا خلال تظاهرات ليلة رأس السنة.
“نُفذت هذه الإعدامات على عجل، فالإجراءات القانونية غير واضحة، وليست هناك أي معلومات عن المحكمة التي أصدرت هذه الاحكام ولا عن القاضي ولا نعلم فيما إذا أتيح للمحكومين حق توكيل محام أم لا. كل شيء جرى في السر،” تضيف مستأجر لـ”الحرة”.
وتحذر مستأجر من نية السلطات الإيرانية تنفيذ أحكام الإعدام بأكبر عدد من المعتقلين السياسيين والأمنيين، مشددة على أن جميع السجناء الذين اعتقلتهم إيران وحكمت عليهم بالإعدام بتهم سياسية وأمنية في السنوات الأخيرة معرضون لخطر الإعدام، لا سيما أولئك الذين أدانهم النظام بالارتباط بإسرائيل والموساد، لافتة الى أن الذين اعتُقلوا خلال المظاهرات يواجهون الخطر ذاته على يد النظام.
وفي تقرير أصدرته في الثاني من أبريل الحالي، أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن السلطات الإيرانية نفذت اعتقالات تعسفية جماعية بحق عشرات آلاف من المتظاهرين، بمن فيهم أطفال، بالإضافة إلى معارضين حقيقيين ومفترضين، ومدافعين حقوقيين، ومحامين، وموظفين طبيين. احتُجز كثيرون في مرافق احتجاز سرية وغير رسمية تديرها أجهزة الأمن والمخابرات، وتعرضوا للإخفاء القسري.
ودعت المنظمة الدول الأعضاء في “الأمم المتحدة” إلى الضغط على السلطات الإيرانية للإفراج فورا عن أي شخص محتجز تعسفا، ووقف الإعدامات، وتطبيق لوائح تسمح بالإفراج عن السجناء أو الإفراج عنهم مؤقتا لأسباب إنسانية.
أما شريف، فقد تمكن من الخروج من المعتقل مطلع أبريل الحالي مقابل مبلغ مالي كبير دفعته عائلته لضابط رفيع المستوى في الحرس الثوري، لكن استخبارات الحرس الثوري استدعته خلال الأسبوعين الماضيين ثلاث مرات للتحقيق مجددا.
وأكد أكثر من 10 معتقلين إيرانيين أفرج عنهم مؤخرا وعائلاتهم لـ”الحرة”، أنهم يعانون من حالات مرضية ونفسية مشابهة لحالة شريف أصيبوا بها إثر التعذيب الذي تعرضوا له في المعتقلات، مع إصابة عدد منهم بمشاكل في النظر لم يكونوا يعانون منها قبل الاعتقال.
المصدر:
الحرة