فرضت الشروط الإسرائيلية المشددة هذا العام واقعا مختلفا على إحياء ذكرى النكبة، بعد أن حالت القيود الأمنية والتعجيزية دون تنظيم مسيرة العودة المركزية إلى القرى المهجرة التي اعتاد الفلسطينيون بالداخل تنظيمها تزامنا مع ما يسمى "يوم الاستقلال" الإسرائيلي والذي يحل هذا العام اليوم الأربعاء.
وشملت هذه القيود تحديد أعداد المشاركين، وفرض شروط على الشعارات، ومنع رفع العلم الفلسطيني، ما قيد جوهر الفعالية وحولها إلى حدث محدود فاقد لمعناه الحقيقي.
أمام هذا الواقع، لم تتوقف الفعاليات بل أعادت تشكيل نفسها بأشكال بديلة، بين مسيرات عائلية متفرقة في القرى المهجرة، وحضور رقمي واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للحفاظ على الذاكرة الجماعية واستمرار رواية النكبة وتجسيد حق العودة رغم القيود.
وفي ظل هذه التحولات، برزت شهادات اللاجئين في الداخل، بين من يستعيد تفاصيل قريته المهجرة، ومن ينقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، ومن يسعى لإيجاد مسارات جديدة لإحياء الذكرى. هذه الأصوات مجتمعة تمهد لمشهد أوسع، يعكس كيف يتكيّف الفلسطيني مع الواقع المفروض، دون أن يتخلى عن حقه في العودة أو روايته التاريخية.
وهذه الشهادات، بتقاطعاتها الإنسانية والوطنية، ترسم ملامح مشهد مركب، تتداخل فيه الذاكرة مع الواقع، والحنين مع التحدي، لتشكّل مدخلا لفهم كيف يُعاد إنتاج حق العودة، لا كذكرى عابرة، بل كحالة مستمرة من الحضور والتمسك.
في كل عام، ومع اقتراب ذكرى النكبة، كان أمجد شبيطة يشد الرحال نحو قرية مسكة المهجرة، تلك البقعة التي لا تزال تسكن ذاكرته كما لو أنه غادرها بالأمس.
لم تكن الزيارة مجرد طقس سنوي عابر، بل رحلة عودة معنوية إلى الجذور، حيث تختلط الحكايات برائحة الأرض، وتنهض التفاصيل الصغيرة من تحت الركام لتعيد تشكيل صورة الوطن كما كان قبل عام 1948.
ينتمي شبيطة، المولود في بلدة الطيرة داخل المثلث، إلى عائلة اقتلعت من مسكة قضاء كفر سابا، وهي قرية لا تبعد سوى مسافة قصيرة عن مكان نشأته، لكنها ظلت بعيدة بقدر ما يحمله اللجوء من ألم وحنين، وكان أبريل/نيسان بالنسبة له محطة لاستعادة الذاكرة، حيث يلتقي آلاف الفلسطينيين في مسيرة العودة، مؤكدين تمسكهم بحق لا يسقط، مهما طال الزمن.
يروي شبيطة -للجزيرة نت- تفاصيل قريته كما لو أنها حاضرة أمامه: سهول خضراء، وبساتين حمضيات، وأزقة نابضة بالحياة. ذاكرة لم تستطع سنوات الطمس والهدم أن تمحوها، بل زادتها رسوخا في وجدان من عاشوا النكبة ومن ورثوا حكايتها. يقول بنبرة واثقة إن العودة ليست مجرد حلم، بل يقين مؤجل، تحمله الأجيال جيلا بعد جيل.
هذا العام، تغير المشهد عندما أُلغيت مسيرة العودة المركزية بفعل القيود الإسرائيلية، لكن ذلك لم يوقف الخطى. عاد شبيطة إلى مسكة، لا على عجل كما في السابق، بل ليقضي يوما كاملا بين أطلالها، يتأملها بعين من يكتشفها للمرة الأولى. "ربّ ضارة نافعة"، يقولها وهو يشير إلى فرصة عيش التفاصيل التي كانت تختطفها زحمة المسيرات والتنقل بين المناطق.
بدلا من المسيرة المركزية، تحولت العودة إلى فعل عائلي واسع، حيث انطلقت العائلات نحو قراها المهجرة في مختلف أنحاء البلاد، وجلس الكبار شهود النكبة، يروون الحكايات، بينما ينصت الأبناء والأحفاد، يلتقطون الرواية الشفوية كأمانة يجب أن تُحفظ، وهكذا، لم تعد العودة مجرد مسيرة، بل لحظة امتداد حية بين الماضي والحاضر.
يرى شبيطة أن ما جرى هذا العام، رغم ما يحمله من قيود، قد يفتح بابا لعودة أكثر اتساعا في المستقبل، فمحاولات القمع والترهيب، كما يقول، لم تنجح يوما في كسر إرادة الفلسطينيين في الداخل، بل زادتهم تمسكا بحقهم، وعلى أطلال القرى، حيث يقف التاريخ شاهدا، تتجدد الحكاية كل عام… وتبقى راية العودة مرفوعة، تنتظر لحظة الحقيقة.
على سفوح جبال الكرمل، حيث تتناثر بقايا قرية أم الزينات كذاكرة لا تموت، يقف المهندس سليمان فحماوي كل عام، محاطا بأحفاده، يروي لهم الحكاية ذاتها… حكاية طفل هُجّر من بيته، ولم يغادره يوما.
كان فحماوي يومها صغيرا حين اقتُلعت عائلته من القرية الواقعة في قضاء حيفا، لم يبتعد كثيرا، فقط مئات الأمتار في جبال الكرمل، لكنها كانت مسافة كفيلة بأن تصنع فصولا طويلة من اللجوء والتشريد.
هناك، عاش سنواته الأولى وهو يرى قريته من بعيد، حتى جاءت أوائل ستينيات القرن الماضي، حين هدمت المنازل، وكأن الهدم كان محاولة لاقتلاع الذاكرة نفسها. انتقلت العائلة بعدها إلى الفريديس قضاء حيفا، ثم استقر بها المقام أخيرا في مدينة أم الفحم، لكن الرحلة لم تنتهِ، بل تحولت إلى حكاية تُروى وتورث.
اليوم، وبعد عقود تقترب من الثمانين على النكبة، لم يعد فحماوي ذلك الطفل، لكنه ما زال يحمل الشعور نفسه، يصطحب أبناءه وأحفاده إلى أم الزينات، لا لزيارة عابرة، بل لزرع المعنى؛ أن العودة ليست مجرد ذكرى، بل وعد حي يسكنهم.
في مثل هذه الأيام من نيسان، كان فحماوي ينشغل بالتحضيرات لمسيرة العودة المركزية، بصفته أحد مؤسسي لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين، لكن هذا العام كان مختلفا، فشروط الشرطة الإسرائيلية التعجيزية لم تلغِ المسيرة فقط، بل حاولت تقليص معناها.
ومع ذلك، لم تتوقف الخطى. "بدل مسيرة واحدة، أصبحت عشرين"، يقولها فحماوي بنبرة لا تخلو من التحدي، فعشرات العائلات توجهت إلى قراها المهجرة، في مسيرات محلية امتدت من أواخر أبريل/نيسان الجاري حتى منتصف مايو/أيار المقبل، لتتحول الفكرة من "يوم العودة" إلى "شهر العودة".
في أم الزينات، يجلس فحماوي مع أحفاده، يشير إلى مكان كان بيتهم، يصف الطريق والحقول، والوجوه التي غابت، ولا يكتفي بالسرد، بل يترك لهم مساحة ليشعروا بالمكان ويبنوا علاقتهم الخاصة مع القرية، فهنا تصبح الذاكرة أكثر من رواية.. تصبح تجربة.
يرى فحماوي أن هذه العودة العائلية رغم بساطتها، تحمل قوة مختلفة، فهي فسيفساء من الحكايات الفردية التي تتكامل لتصنع مشهدا جماعيا أكبر، فكل عائلة تعود وكل طفل يسمع، وكل حفيد يسأل… هو امتداد للحكاية، وضمان لاستمرارها.
وفي مواجهة محاولات الطمس والتشويه، كما يقول، لم تعد الذاكرة هشّة، بل تحولت إلى إرث يحمله الجيل الجديد بثقة، والأطفال الذين يرافقونه اليوم إلى أم الزينات، لم يعيشوا النكبة، لكنهم باتوا حراس روايتها، وأمناء على حق لا يسقط.
وعلى أطلال القرية، حيث تختلط الحجارة بالصمت، يواصل فحماوي سرد حكايته، لا كشاهد على الماضي فقط، بل كصانع لمستقبل يؤمن به.. مستقبل يعود فيه الطريق إلى أصحابه.
لم يكن قرار تعليق "مسيرة العودة" الميدانية هذا العام سهلا على خالد عوض، المنسق الإعلامي لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين. فالمسيرة، التي اعتاد الفلسطينيون في الداخل إحياءها منذ نحو 3 عقود، لم تكن مجرد فعالية سنوية، بل لحظة تجمع بين الذاكرة والحق، بين الحكاية والأرض.
كان المخطط أن تتجه الحشود هذا العام إلى أراضي قرية الدامون المهجرة قضاء عكا، كما في كل عام، حيث تمتد الخطى فوق تراب القرى التي غابت عن الخارطة وبقيت حاضرة في الوجدان.
لكن، كما يروي عوض -للجزيرة نت- اصطدمت التحضيرات بجدار من الشروط التي وصفها بـ"التعجيزية"، من تحديد لعدد المشاركين بألف فقط، في مسيرة اعتادت استقبال عشرات الآلاف، ومنع رفع العلم الفلسطيني، واشتراطات أمنية معقدة، إلى جانب تهديدات باقتحام المسيرة في حال عدم الالتزام.. كلها عوامل جعلت الاستمرار في الشكل الميداني مغامرة محفوفة بالمخاطر.
يقول عوض إن القرار لم يُتخذ على عجل، بل جاء بعد أشهر من العمل والتحضير، وبعد نقاشات مطولة مع جهات وطنية وحقوقية، وفي مقدمتها لجنة المتابعة العليا ومركز "عدالة" الحقوقي، وكان السؤال الأثقل: كيف نحافظ على المعنى دون أن نعرض الناس للخطر؟ وجاء الجواب بتحويل المسيرة من الميدان إلى الفضاء الرقمي.
"ليس تراجعا"، يؤكد عوض، بل "تحول في الشكل، لا في الجوهر". هكذا ولدت فكرة "مسيرة العودة الرقمية"، التي ستنطلق عبر منصات التواصل الاجتماعي، حاملة البرنامج ذاته تقريبا: كلمات للمهجرين، لأهالي الدامون، لممثلي القوى الوطنية، وحتى حضور يهودي تقدمي، إلى جانب فقرات فنية تحافظ على الرواية وتمنحها صوتا جديدا.
في نظره، لا تُختزل النكبة في مسيرة واحدة، ولا في مكان واحد، فهي ذاكرة حيّة تتجدد بوسائل مختلفة، ومن هنا، تمتد الفعاليات هذا العام حتى منتصف مايو/أيار المقبل، ضمن مشروع "آثار النكبة"، لتتحول الذكرى من يوم إلى مساحة زمنية أوسع، ومن تجمع مركزي إلى حضور موزع في كل مكان.
ورغم غياب المشهد الجماهيري في الدامون، يرى عوض أن الرسالة لم تتغير. "نحن لا نحيي ذكرى فقط، بل نؤكد حقا"، يقولها بنبرة حازمة، فتعليق المسيرة الميدانية لا يعني التخلي عن العودة، بل ربما يعكس إصرارا أكبر على التمسك بها، بوسائل تتجاوز القيود.
وفي النهاية، تبقى الحكاية كما هي، تتنقل من جيل إلى جيل، ومن ساحة إلى شاشة، دون أن تفقد معناها، ويختصر عوض ذلك بشعار يردده بثبات: "لا تنازل، لا مساومة، ولا تفريط"، وكأن الصوت، وإن تغير شكله، لا يزال قادرا على الوصول.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة