آخر الأخبار

وائل حلاق: فصل السلطات مبدأ إسلامي.. والمذاهب "صمام الأمان" للنظام الدستوري

شارك

يبحر بنا هذا اللقاء الاستثنائي الذي أجريناه في "الجزيرة نت" في أغوار العقل الفقهي والدستوري للإسلام، بصحبة واحد من ألمع فلاسفة التشريع في العصر الحديث، البروفيسور وائل حلاق. ويأتي هذا الحوار مستندا إلى مادة أحدث مؤلفاته الضخمة: "الفصل الراديكالي للسلطات: تاريخ الدستورية الإسلامية" (Radical Separation of Powers: A History of Islamic Constitutionalism)؛ وهو السفر الذي لا يقف عند حدود التأريخ للنظم السياسية الإسلامية، بل يتجاوزها ليعيد صياغة فهمنا لآليات اشتغال "السلطة" و"القانون" و"الأخلاق" في مشكاة الحضارة الإسلامية، عبر قرون من العطاء المعرفي المستقل.

يستعصي فهم ولادة هذا السفر بمعزل عن ذاك "الزلزال الفكري" الذي فجره كتاب حلاق السابق "الدولة المستحيلة"؛ فبينما بسط الأخير أطروحة نقدية بنيوية حول استحالة المواءمة بين القيم الأخلاقية الإسلامية ونموذج الدولة القومية الحديثة، انبعث العمل الجديد بوصفه "مرافعة تاريخية وفلسفية" متممة. وهو بذلك، يفيض في تفصيل الإجابات عن الأسئلة التي بقيت في ذمة الفصل الثالث من "الدولة المستحيلة"، ويجلو الكيفية التي استطاع بها الإسلام -تاريخيا- إرساء نظام دستوري يتفوق بمتانته الأخلاقية وقيمه الجوهرية على سائر النماذج الليبرالية المعاصرة.

"في كتابه الجديد، يوضح حلاق كيف استطاع الإسلام إرساء نظام دستوري يتفوق بمتانته الأخلاقية وقيمه الجوهرية على سائر النماذج الليبرالية المعاصرة"

تتجاوز الدوافع التي يستحضرها حلاق في هذا العمل حدود الرصد الأكاديمي البارد، إذ ينطلق من رغبة جازمة في تنقية مفهوم "الدستورية الإسلامية" من كدر التأويلات القاصرة وحملات النقد التي استهدفت أطروحاته السابقة. فهو يذهب إلى أن النموذج الدستوري الغربي القائم على مبدأ "فصل السلطات" قد تداعت أركانه وآل إلى إفلاس وتداع عملي، في حين ظل النموذج الإسلامي -بواسطة مؤسسة "المذهب" واستقلالية الفقهاء- يجسد فصلا حقيقيا وجذريا للسلطة، يذود عن حياض الشريعة ويحميها من تغول الحكام ونزعاتهم الاستبدادية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إيطاليا تجمد تعاونها العسكري مع إسرائيل.. لماذا فعلتها ميلوني الآن؟
* list 2 of 2 الإيكونوميست: كيف عززت الأقمار الصناعية الصينية المجهود الحربي الإيراني؟ end of list
إعلان

يبسط حلاق على مدار 12 فصلا، وفي حيز يربو على 500 صفحة، مضامين كتابه التي تتقصى التحولات في الفكر الدستوري الإسلامي، بدءا من القرن الرابع الهجري وصولا إلى منتصف القرن التاسع عشر. ولا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي المجرد، بل يقدم تشريحا دقيقا للسلوك الاجتماعي الذي صير الشريعة ثقافة جامعة وصمام أمان يحول دون نفاذ إرادة الحاكم المطلقة؛ مرسيا حقيقة أن "المذهب" لم يكن مجرد مدرسة فقهية، بل كان نظاما دستوريا متكاملا يمنح القانون مشروعيته واستقلاله.

مصدر الصورة طرح حلاق في "الدولة المستحيلة" نقدًا بنيويًا لاستحالة توافق القيم الإسلامية مع الدولة الحديثة (الجزيرة)

يعمد حلاق في أطروحته إلى إجراء تشريح نقدي للمقاربات الاستشراقية والعلمانية، التي أخفقت في إدراك كنه هذا النظام لقصور أدواتها عن استيعاب البعد الروحي والنزعة التعاطفية للشريعة. ويخلص حلاق إلى أن استعادة هذا التاريخ الدستوري لا تقف عند حدود استذكار الماضي، بل تبرز كضرورة فلسفية لتبيان مآزق الدولة الحديثة التي استأثرت باحتكار الأخلاق والقانون معا؛ مؤكدا أن النموذج الإسلامي قدم -تاريخيا- إجابة رصينة حول كيفية لجم السلطة المطلقة وحماية الحقوق الجماعية في ظلال منظومة أخلاقية متعالية.

المحاور: اسمح لي أن استهل حديثي بسؤال جوهري: كيف ولدت فكرة هذا الكتاب؟ وما الذي جعلك تستشعر ضرورة المضي في تأليفه؟

تتعدد بواعث التأليف وتتباين دوافعه؛ فحينا يعرض للباحث سؤال لم يظفر بجواب شاف فيما سلف من تصانيف، وحينا يكون التأليف مقتضى وظيفيا، كشأن طالب الدكتوراه الذي يروم نيل درجته العلمية من خلال أطروحته. وفي أحايين أخرى، يغدو الكتاب الأول مفزعا لتساؤلات مستجدة، تتولد عنها إجابات قد تتبلور في صورة مقالة، أو دراسة، أو حتى سفر ضخم ينوء بحمله العصبة.

بيد أن هذا السفر لم يبرز إلى الوجود بهذه الطريقة؛ فعلى الرغم من أن قضايا النظرية السياسية كانت تستبد باهتمامي منذ عهد أن كنت طالبا في مرحلة البكالوريوس، حيث كانت أحد ميداني تخصصي آنذاك، إلا أن فكرة التصنيف في المسائل الدستورية لم تكن لتخطر لي على بال، حتى كان صدور كتابي "الدولة المستحيلة" عام 2013 عن دار نشر جامعة كولومبيا، وما تلاه من ذيوع تجلى في ترجمته إلى لغات عدة، كانت فاتحتها النسخة العربية الصادرة عام 2014.

لقد بسطت في كتابي "الدولة المستحيلة" أطروحة مفادها استحالة إرساء كيان سياسي إسلامي في ظل هيمنة نظام الدولة الحديثة؛ كيان يتخذ من القيم والمعايير الإسلامية الجوهرية ركيزة لوجوده، وهي ذات القيم التي سادت المجتمعات المسلمة ووجهت دفتها طوال اثني عشر قرنا خلت، سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي في منتصف القرن التاسع عشر. وقد طرق الكتاب أبواب قضايا جوهرية شتى، لم يختص منها بالمسألة الدستورية سوى فصل واحد -هو الفصل الثالث- الذي وسمته بـ: "الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة؟".

"في كتاب الدولة المستحيلة، نافح حلاق عن فكرة مفادها استحالة إرساء كيان سياسي إسلامي في ظل هيمنة نظام الدولة الحديثة"

وقد برهنت في مطاوي هذا الفصل، أولا، على أن النموذج الدستوري الليبرالي -بشقيه النظري والتطبيقي- ينطوي على مآزق وإشكالات بنيوية بالغة العمق، لدرجة يسوغ معها القول إن نظرية "الفصل بين السلطات"، التي نافح عنها أقطاب الفكر الدستوري الغربي، قد تداعت أركانها وآلت إلى الانهيار بالفعل. وثانيا، فقد جليت مواطن تفوق النموذج الدستوري الإسلامي على نظيره الليبرالي؛ وبناء عليه، فإنه لم يعد ثمة ما يغري المسلمين بمحاكاة ذلك النظام أو اقتفاء أثره.

إعلان

ولا يخفى على القارئ ما أحدثه كتابي "الدولة المستحيلة" من حراك فكري وسجال مستفيض في العالمين العربي والإسلامي، وفي المحافل الأكاديمية الغربية على حد سواء. وقد كان للفصل الثالث منه -الذي لم يتجاوز 36 صفحة- نصيب وافر من سوء التأويل، بل وإنه لتعرض في واقع الأمر لحملة شعواء من النقد الحاد. ومن ثم، يجيء هذا الكتاب ليكون مرافعة علمية عن كبريات الأطروحات التي أرساها ذلك الفصل، معززة بتنقيحات وتفصيلات ضاق عنها مقامه، فاستوجبت بسطا لم يكن ليتحقق في حيز بذاك الضيق.

إن هذا الكتاب، والذي أعتقد أنه أول تاريخ دستوري للإسلام يتم تدوينه، يستقصي الحقبة الواقعة بين أواخر القرن الرابع الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر (أي منذ مطلع القرن الحادي عشر إلى منتصف التاسع عشر للميلاد). وأود التأكيد هنا على أن هذا العمل لا يقف عند حدود السرد التاريخي الزمني، بل هو دراسة بنيوية معمقة للتحولات الدستورية الإسلامية، ترصد ثلاث مراحل كبرى سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي إلى ديار المسلمين. ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، تشتمل على 12 فصلا، وتربو صفحاته على 550 صفحة.

"يقدم كتاب حلاق الجديد دراسة معمقة للتحولات الدستورية الإسلامية، ترصد ثلاث مراحل كبرى سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي إلى ديار المسلمين"

وإنني لأستأذن القارئ العربي في توجيه ملحوظة تحذيرية أخرى؛ فبناء على ما خبرته طوال عقدين أو ثلاثة من الزمان، استرعى انتباهي تزايد فئة من الشباب الذين يندفعون في الجدال، وينافحون باستماتة عن أطروحات بعينها دون زاد كاف من القراءة، حتى في أدق التخصصات حصرا. بل إن العجب ليبلغ مداه حين يتصدى البعض لمجادلتي في صميم نتاجي الفكري، وهم لم يقفوا عليه إلا من خلال شذرات مقتطعة وقبسات متفرقة؛ وهذا المسلك -إن جاز الوصف- ليس معيبا فحسب، بل هو عين الجهل وذاته.

لذا، فإنني أهيب بالمهتمين بهذا الشأن أن يستفيضوا في قراءة هذا الكتاب -أو أي سفر جاد- قراءة فاحصة متدبرة، وإلا فليمسكوا ألسنتهم عن الخوض فيه؛ إذ لا يغني عن المرء قراءة فصل هنا أو هنالك، ولا يكفيه اعتصار المقدمة والخاتمة لإصدار حكم جازم. فلو كان الاجتزاء كافيا، لما أفنيت من عمري خمس سنوات في تسطير 550 صفحة.

ومن ثم، فإن القراءة العجولة المبتسرة لا تعدو كونها ضربا من ضروب التدليس. فإذا ما رام قارئ أن يدلي برأي يعتد به حول هذا الكتاب، فإنني أهيب به أن يستقصي قراءته بتمامها، وأن يمعن فيه النظر والتدبر قبل أن يرسل القول إرسالا؛ وإلا فإنه سيكون قد بخس نفسه حقها، وأساء إلى جمهرة القراء، وجار على جهدي هذا. وهي نصيحة تنسحب على سائر الكتب، وتصدق على كل مؤلف كائنا من كان.

مصدر الصورة حلاق: كتاب "الفصل الراديكالي للسلطات: تاريخ الدستورية الإسلامية" أول تاريخ دستوري للإسلام يستقصي الحقبة بين أواخر القرن الرابع ومنتصف القرن الثالث عشر الهجري (الجزيرة)

المحاور: تقول في طرحك إن أهم ما يميز "الدستورية الإسلامية" أن الإمام لم يمتلك أبدا حق التشريع. كيف حدث ذلك؟ وما دلالته؟

ليستبين الجواب عن هذا السؤال الحصيف، أجد لزاما علي أن استهل حديثي بطرح جملة من التوطئات والمقدمات الجوهرية. أولاها: أن المبادئ الدستورية الأكثر تجذرا في الإسلام إنما تكمن في كنه شريعته وماهيتها؛ إذ تنصهر كافة الشؤون المتصلة بالحكم في مشكاة الشريعة، حتى لا تكاد تبين لها ذات مستقلة خارج حياضها. ومؤدى ذلك أن الشريعة، وإن استقامت قراءتها بوصفها منظومة فقهية وقضائية، فإنه يسعنا بالقدر ذاته من الجلاء أن نقرأها بوصفها بنية دستورية متكاملة من الأفكار والممارسات.

أما الركيزة الثانية التي ينبغي فهمها، فهي الفكرة المحورية الناظمة لمنظومة الحكم في الإسلام، وبيانها: أن الله جل وعلا قد فطر العالم على الحق، فجاء نسيج الكون محبوكا بتدبير إلهي قوامه العدل؛ وهو مفهوم يضرب بجذوره في أعماق التصور الإسلامي. ثم إن الله بعث إلى الأمم والشعوب -كاليهود والنصارى- شرائع شتى، رسمت لكل منهم معالم منهاجهم، وهدتهم سبل لزوم الصراط المستقيم، فكانت تلك الكتب والشرائع مرآة لعلم الله وميزان عدله.

"الشريعة، كما هي منظومة فقهية وقضائية، يمكننا أن نقرأها بوصفها بنية دستورية متكاملة من الأفكار والممارسات"

ومن بين تلك الرسالات، تنزل الوحي بالإسلام على العرب بلسان عربي مبين ليعقلوا عن الله خطابه "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" (سورة يوسف – الآية 2)، غير أن هذا التنزيل لم يأت ليعفي العقول من كد النظر، بل حثها على التدبر والاستبصار. ومع ذلك فإن العلم الإلهي عزيز المنال، إذ ينطوي طبقات لا حصر لها من العمق والجلال، لذا استوجب تأويلا بشريا ينهض على علوم راسخة في شتى الفنون، وفي مقدمتها علوم اللغة. ومن هنا أضحى (العلم) هو الجوهر والملاذ؛ إذ لا مطمع في فقه كلام الله بغير علم، ولا سبيل إلى نيل العلم إلا من بوابة اللغة، فلا علم لمن لا لسان له.

مصدر الصورة العلم الإلهي يحتوي طبقات لا حصر لها من العمق والجلال، لذا استوجب تأويلا بشريا ينهض على علوم راسخة في مقدمتها علوم اللغة (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

إن نيل (العلم) ممتنع إلا من مشكاة (العقل)، وهو الخصيصة التي فارق بها الإنسان سائر العجماوات، غير أن العقل في الرؤية الإسلامية ليس مجرد ملكة ذهنية، بل هو مرتهن بالقدرة على التفريق بين الصلاح والفساد. ومن ثم، لم تقف غاية العقل عند حدود إدراك كنه الوجود وموضع الإنسان من فلكه، بل غدا الدعامة التي لا يستقيم دونها تهذيب النفس، أو صياغة أي فكر أو فعل سياسي. فالعقل، متى استقام حده واستوفى شرطه، لم يكن إلا (عقلا أخلاقيا) بصورة حتمية.

إعلان

وعلى خلاف المفهوم الحديث للعقل، الذي تقوقع في حدود العقلانية "الأداتية" القاصرة، جاء التصور الإسلامي للعقل رحبا ومركبا، مجسدا لتلك الدقائق التي طالما حفلت بها المصنفات الإسلامية، ولا سيما رائق أنظار أساطين الصوفية. فقد أجمع الفكر السائد آنذاك على أن كل فضيلة سامية أو فعل خلقي كريم لا بد لهما من "أصل" ينبثقان عنه، ولم يكن ذلك الأصل سوى "العقل" ذاته؛ فهو ينبوع الدين ومنطلقه، وهو عماده وقوامه. وإذا كان العقل هو "ملاك" الحياة السوية، ومعيار التعبد والإيمان، فبه وحده تستجلى "حقائق الأمور" وتكشف حجب الظواهر. ولعل أبهى تجليات العقل تكمن في كونه الملكة المتفردة بالتمييز بين الحسن والقبح، وهي خصلة حبي بها الإنسان دون سواه؛ إذ لا يتصور في حق غيره من العجماوات أن تنهض بعبء هذا التمييز بين الخير والشر، أو تطالب بمقتضياته.

"سلطان العقل هو الذي يمهد السبل لقيام الدين، ولقيام الحياة البشرية قاطبة على وجه البسيطة"

كما يعد "العقل" ملاك الأمر في تدبير شؤون الدنيا وتصريف أحوالها، برغم ما يعرض للبشر من شقاق ونزاع وصراع. وبعبارة أخرى، فإن "سلطان العقل" هو الذي يمهد السبل لقيام الدين، بل ولإمكانية الحياة البشرية قاطبة على وجه البسيطة. فلا جرم إذن أن نلفي هذا الفهم للدور الجوهري للعقل والعلم متصدرا -على الدوام- فواتيح المصنفات في الفقه، والتربية، وعلم الكلام، والتدبير السياسي، وما شابهها. ومن ثم، وجب التأكيد على أن أي محاولة لفهم المفاهيم السياسية في الإسلام ستظل قاصرة ما لم تستكنه أولا بنية العقل والمعرفة في تلك الثقافة. وهذا الحكم ينسحب على الحداثة أيضا؛ إذ لا مطمع في فقه مفاهيمنا السياسية المعاصرة ما لم نفهم بنية العقل الحديث، في ماديته، وأدواتيته، ونزعته التي تجعل من الإنسان قطب الرحى ومركز الوجود.

وإذ كان "العقل" -بمقتضى حده- هو الملكة العاقلة التي تزجر عن "الهوى" وتصرف عنه، فإن العقلانية تغدو تمرسا على الفضيلة؛ والفضيلة هنا هي كنه معرفة "الدين" والنزول عند مقتضاه، أي تمثل تلك القيم المعيارية التي نعتبرها جوهر التدين. وفي مضمار هذا الفهم للدين، بعث الأنبياء لتبليغ الوحي وتبيانه، وهو وحي ليس من لدن أنفسهم قطعا، بل هم رسل مبلغون، ومصدر الحق فيه هو الله وحده. وفي رحاب الإسلام، اضطلع "العلماء" بمهمة شرح وتفصيل الرسالة الإلهية والبيان النبوي، الذي هو في لبه كشف عن مكنون كلام الله. ولما كان هؤلاء هم حماة "العلم"، فقد استحقوا هذا اللقب اشتقاقا مما برعوا فيه؛ ومناط براعتهم يبدأ من إرساء "تقنيات الذات"، وهي السبل الكفيلة بغرس الانضباط الذاتي ورعاية الجوانب الأخلاقية في النفس، وهي ذاتها الذريعة لتحقيق المقاصد والمنافع التي توخاها الدين.

مصدر الصورة حلاق: العقل ملاك الأمر في تدبير شؤون الدنيا وتصريف أحوالها برغم ما يعرض للبشر من شقاق ونزاع وصراع (شترستوك)

إن الصلة بين العلماء -بوصفهم القائمين على العلم الإلهي (أي الشريعة)- وبين تقنيات التكوين الأخلاقي للذات، صلة حاضرة دوما في المصادر الإسلامية، بل وتكتسب قوتها النموذجية حتى على المستوى القرآني؛ فقد وجه الأمر القرآني المؤكد بتحصيل علم الشريعة تحديدا إلى من يوصف بـ "الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره" (صحيح البخاري، 1/160).

تلك هي المرتكزات العقائدية التي صاغت البنية الدستورية للإسلام منذ بزوغ فجره الأول. ففي القرن الهجري الأول، تبلورت ثقافة تشريعية استندت بصفة أصيلة إلى "فقه الفقهاء"؛ وهم طبقة من العلماء المستقلين الذين صبغوا علمهم بورع شديد، واستحال لديهم درس "الشريعة" -بأحكامها المنظمة للشعائر والعبادات- ضربا من القربة وطاعة تتعبد بها النفوس لهذه الرسالة الخاتمة. لم ينحدر هؤلاء الفقهاء من طبقة سياسية متنفذة -كما كان شأن نظائرهم من حقوقيي الرومان إبان عهد الجمهورية- ولم يبتغوا على علمهم جزاء ماديا ولا شكورا؛ فقد كان التبحر في "العلم" -وظل كذلك- نسكا تعبديا تترفع هامات أصحابه عن الأرزاق الحكومية أو العطايا السلطانية، فكان العلم لديهم كإقامة الصلاة أو إيتاء الزكاة.

"لم ينحدر الفقهاء الإسلاميون الأوائل من طبقة سياسية متنفذة -كما هو حال نظائرهم من الحقوقيين الرومان إبان عهد الجمهورية- ولم يبتغوا على علمهم جزاء ماديا ولا شكورا"

إن هؤلاء الفقهاء، الذين تخرجوا في غالبهم من رحم الحواضر العسكرية الآخذة في الاتساع (من ثغور وأمصار)، قد انتدبوا أنفسهم لمدارسة "أحكام الدين" في حقبة بلغت فيها صولة الإسلام السياسية والعسكرية مداها، وفي وقت شاطر فيه قادة الدولة هؤلاء الفقهاء شغفهم بالشريعة وعنايتهم بها. ومع ذلك، وبرغم ما ملكه أولئك القادة من أدوات القهر وأسباب النفوذ، إلا أنهم لم يروموا قط اغتصاب حق التشريع في هذه الإمبراطورية الناشئة.

إعلان

وبرغم كلفهم بمدارسة الأحكام، إلا أنهم نأوا بأنفسهم عن مهمة "استنباطها"، وتركوا زمامها لعلماء مستقلين بائنين عن السلطة التنفيذية. بل إن الخلفاء أنفسهم -وإن كان بعضهم أساطين في الفقه، لا سيما في صدر الدولة- لم يختلج في روعهم يوما صياغة "تشريع" للدولة على نسق ما سنه أباطرة الرومان أو البيزنطيين أو الصينيين.

بل إن مبعث الدهشة هو استمساك الدولة بهذا النهج في العقود الأولى التي أعقبت وفاة النبي؛ وهي برهة زمنية كانت فيها السلطتان، السياسية والتشريعية قابلة للتشكل وفق أي مآل، وحين لم يكن إجماع الأمة قد استقر بعد على ماهية السلطة الشرعية. ومؤدى ذلك أن الخلفاء لم يكونوا "مشرعين" بأي دلالة مألوفة -أو حديثة- لهذا المصطلح؛ فبرغم ما انبسطت عليه أيديهم من سيادة مطلقة في ميادين الحرب والسياسة، إلا أن تلك السيادة قد وقفت عاجزة دون النفاذ إلى "ميدان الحكم المركزي"؛ ذلك الميدان الذي كان يرسم بضوابطه الفقهية حدود المجالات الأخرى وكيفية سيرها، بما في ذلك المجال "السياسي" ذاته.

بيد أن كل ما تقدم لا يكشف لنا عن العلة الحقيقية التي كفت أيدي الخلفاء الأقوياء عن احتواء الوظائف التشريعية لطبقة الفقهاء، أو حتى سلوك سبيل المحاولة في ذلك المنزع. فقد كان بمقدورهم -من باب الدهاء السياسي- أن يخلوا بين هؤلاء العلماء وبين ما برعوا فيه من استنباط، مع نسبة تلك "الأحكام" إلى الإرادة السلطانية، وجعلها صدى لمشيئة الخليفة، لتغدو هذه المشيئة هي مآل السلطة ومستقرها الأخير. غير أنهم لم يجنحوا إلى ذلك قط؛ وهو أمر مرده إلى سببين جوهريين على الأقل.

"الخلفاء المسلمون لم يكونوا مشرعين بأي دلالة مألوفة -أو حديثة- لهذا المصطلح؛ رغم ما انبسطت عليه أيديهم من سيادة مطلقة في ميادين الحرب والسياسة"

أولا: إن استكناه الأحكام الشرعية كان ينهض على الاشتباك المباشر مع معين التنزيل القرآني، مؤيدا بصريح السنة النبوية المطهرة. ولما كانت هذه الأحكام ثمرة لمعرفة قوامها التقوى، فقد جاءت نتاجا لتأمل ذاتي، بل وفردي، مهما بلغ ذلك التأمل غايته في الانضباط المنهجي والاستدلالي. ولئن كانت حلقات العلم ومساجلات الأقران ديدنا مألوفا، إلا أن كيمياء الاستنباط وما تؤول إليه من نتائج كانت تصطبغ بصبغة فردية فكرية خالصة، فضلا عما يكتنفها غالبا من عويص المسائل ودقيق النظر. وهذا ما يميط اللثام عن جوهرية نشوء مؤسسة (المجتهد)؛ ذلك المفكر الشرعي الذي يجهر برأيه المستنبط عن نظر وقناعة، يحدوه في ذلك ورع صادق وإخلاص عقيدة، متذرعا بمناهج في التأويل والقياس تفترض سلفا مثل هذه الأحوال النفسية السامية.

مصدر الصورة كان التبحر في العلم ولا يزال نسكا تعبديا تترفع هامات أصحابه عن الأرزاق الحكومية أو العطايا السلطانية (الجزيرة)

بيد أن هذه الظاهرة تكشف، في الوقت ذاته، عن نشوء خصيصة ملتحمة بها بنيويا، وهي "التعددية الفقهية"؛ إذ يستوي المجتهدون جميعا في استحقاقهم المشروع لالتماس الآراء، أو استنباط ما يلوح لآفاق نظرهم أنه "حكم الله" في نازلة بعينها. لقد غدت قاعدة "كل مجتهد مصيب" ركيزة تشريعية كبرى انتظم بها عقد المنظومة بأسرها. وكان أولئك الفقهاء، قاطبة، جزءا عضويا من النسيج المجتمعي الذي انبثقوا منه؛ لذا فإن محاولة التضييق عليهم -وهم حملة لواء الشريعة- كانت ستؤول بالضرورة إلى وأد الإرادة المجتمعية التي كانوا، دون غيرهم، الأقدر على التعبير عن مكنونها. وبعبارة أخرى، لم يكن لكائن من كان -بما في ذلك الخلفاء- أن يغل أيديهم عن ممارسة نشاطهم، أو يتحكم في كثرتهم، أو ينازعهم مقامهم الراسخ. وإذا ما تساوت قدما الجميع في مضمار البحث عن القصد الرباني، فأي واحد منهم كان يأمل في تقديم فقهه على أقرانه بتبنيه "تشريعا خليفيا" ملزما؟

"التعددية الفقهية، بإغراقها في قيم المساواة، قد استبعدت بالكلية أي احتمال لقيام تراتبية سلطوية"

إن هذه "التعددية الفقهية"، بإغراقها في قيم المساواة، قد استبعدت بالكلية أي احتمال لقيام تراتبية سلطوية. وإذا كان الخليفة عاجزا عن قسر هذه التعددية أو تبديل طبيعتها (بافتراض نزوع رغبته إلى ذلك، وهو ما لم يكن)، فما كان له أن يجسر على ادعاء حق التشريع. وهذا يفضي بي إلى الاعتبار الثاني، وهو "الرؤية الكونية" والروح التي بذرها القرآن في النفوس: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" (سورة غافر – الآية 16). إن إقحام أي سلطة وسيطة بين المؤمنين وربهم لم يكن ليعني إلا منابذة جوهر الرسالة القرآنية وتقويض أركان الإسلام برمته؛ بل كان سيعني، في المآل، خيانة للمهمة المقدسة التي رأى النبي ﷺ أنها علة بعثته من لدن الحق سبحانه. إن كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، التي عليها يحيا المسلمون وعليها يموتون، والتي هي ميسم الإسلام وعنوانه، لا تعدو في حقيقتها أن تكون "فلسفة دستورية" من الطراز الأول.

إن العزم القرآني على محق أي سلطة وسيطة يمثل إحدى أعظم ركائز الوحي؛ فلا خليفة ولا بشر كائنا من كان، ولا حتى المسيح (النبي عيسى بن مريم عليه السلام)، بمقدوره الاضطلاع بهذا الدور. وهكذا، فبينما كان النفي القرآني للوساطة مسألة اعتقادية في مبتدئها (تتصل ببيان فساد مقولة التثليث ومزاعم الجاهلية في بنات الله)، إلا أن تجلياتها صاغت معالم الدستور والسياسة في أبهى صورها وأعمقها.

بل يسعنا المضي قدما لنسحب هذا "اللاهوت السياسي" على جوهر الرسالة القرآنية؛ فنفي البنوة عن المسيح إنما يرتكز إلى أصل الأصول في القرآن، وهو "الوحدانية المطلقة" (الله أحد)، الذي لا شريك له ولا واسطة تجمعه بالبشر. إن هذه الوحدانية هي، في الحقيقة، جذر التصور السياسي القائل بأن الله -وحده لا شريك له- هو الحاكم والملك والسلطان؛ فهو المشرع الأوحد، وما الفقيه المؤول إلا سادن لبيانه، مستكنه لأسرار لسانه. لقد كان ذلك تكليفا إلهيا ونسكا دينيا جليلا؛ ومن هنا نستبين كيف أن القرآن الكريم، بل وحتى "اللوح المحفوظ"، لم ينأيا يوما عن جوهر السياسة ومآلاتها.

"واحد من أهم آثار عقيدة التوحيد إرساء مبدأ جوهري يقضي بأن القوة السياسية والعسكرية في كيان الدولة -أي السلطة التنفيذية- لا تملك حق التشريع، بل ويحظر عليها السعي إليه"

وقد أفضى الأثر الدستوري لهذه العقيدة اللاهوتية إلى إرساء مبدأ جوهري يقضي بأن القوة السياسية والعسكرية في كيان الدولة -أي السلطة التنفيذية- لا تملك حق التشريع، بل ويحظر عليها نشدانه؛ تجسيدا للنموذج القرآني الذي قصر "استنباط الأحكام" بالعلماء الراسخين في العلم حصرا، وجعله حمى منيعا يختص به سدنة الشريعة، فهم وحدهم المؤهلون لسبر أغوار المقاصد الإلهية واستجلاء مكنونها. وحتى في الأحوال التي صادف فيها كون هؤلاء العلماء خلفاء على رأس الدولة، فإن مشروعية إسهامهم في صياغة الأحكام لم تكن تستمد مددها من منصب الحكم السياسي، بل كانت تنبع حصرا من علمهم وفضل اجتهادهم.

حتى لو جاء عالم على رأس الدولة، فإن مشروعية إسهامه في صياغة الأحكام لا تستمد من منصبه ولكن من علمه (مواقع التواصل الاجتماعي)

المحاور: كيف تجسد الشروط التي ألزم بها الماوردي وابن جماعة ولي الأمر ذلك الفصل الصارم بين سلطة الحكم وحق التشريع؟

هذا سؤال حصيف، ومن الأهمية بمكان أن نعرج عليه في هذا المقام، عقب فراغنا من بسط القول في استقلالية السلطة التشريعية. وتتجلى قيمة هذا الطرح في كون التعريف الموروث لمهام "الإمام" أو "السلطان" يمثل، في صميمه، بيانا دستوريا يرسم حدود السلطة التنفيذية، ويبين ما أنيط بها من تبعات وما خرج عن حياض اختصاصها. وما سلكه بدر الدين بن جماعة (639 هـ – 733 هـ) في هذا المضمار لم يكن إلا تقريرا لأمر مستقر في الوجدان الفقهي، وأحسبه محل إجماع متفق عليه؛ وهو ذات النهج الذي انتصر له أبو الحسن علي الماوردي (364 هـ – 450 هـ) وابن الفراء أبو يعلى الحنبلي (380 هـ – 458 هـ) وكوكبة من الفقهاء امتد ذكرهم حتى أواخر العهد العثماني.

وقد أحصى ابن جماعة واجبات الحاكم في 10 بنود، وسلك الماوردي سبيله، غير أن الأخير أوجزها في كتابه "أدب الدنيا والدين" ضمن 7 أبواب؛ ورغبة في الاختصار، سأقصر حديثي على تلك الأبواب السبعة التي تنطوي في مطاويها على ما سواها.

نلحظ أن الوظيفة الأولى هي "حفظ الدين"؛ وهو مطلب يسري حكمه بالشمول، حتى لا نكاد نلفي نصا سياسيا عني بوظائف الإمامة أو السلطنة إلا وجعله في الصدارة. وتقتضي هذه المهمة أن الدين -بمؤسساته ومنظومته المعيارية- كيان قائم ومستقر بيقين؛ إذ ينبني هذا الواجب على افتراض أن دور الحاكم لا يكمن في "إنشاء" الدين، بل يقتصر على صون حياضه وحفظ أركانه فحسب.

وثانيا، فإن هذا الحفظ لا يستقيم إلا إذا مضى على السنن الذي استقر به الدين وأقره السلف الصالح؛ ومؤدى ذلك أن الدين، والشريعة التي تشد عضده، هما من يفرضان على الحاكم ميثاق حمايتهما. أما من المنظور السياسي، فإن الغاية من ذلك هي توكيد "علوية الشريعة" وسيادتها المطلقة على كافة النوازع التأويلية أو التشريعية لدى الحاكم.

"في رحاب الإسلام، تغدو الشريعة هي الضابط والمهيمن على المجال السياسي، لا تابعا له، وهذا فعل دستوري من الطراز الأول"

وتلك هي الخصيصة التي ترسي الفارق الجوهري بين الإسلام والثقافات الغربية؛ ففي رحاب الإسلام، تغدو الشريعة هي الضابط والمهيمن على المجال السياسي، لا تابعا له. وهذا فعل دستوري من الطراز الأول ألح عليه الكتاب المسلمون أيما إلحاح. ويبدو أن انتقاء مصطلح "الدين" في هذا السياق جاء عن قصد وتدبر؛ ليعبر عن نفاذ الشريعة بوصفها "سجية" وثقافة، وتجربة حياتية معاشة بالكامل. إن الحكم بهذا المفهوم، يظل دوما راسخا في مشكاة إرادة الشريعة الربانية، مقيدا بحدودها ومحاطا بأسوارها من كل جانب. وهي عقيدة تأسيسية استقر عليها الإجماع منذ عصور مبكرة؛ إذ نبه أبو عبيد القاسم بن سلام (157 – 224 هـ) إلى القوة المعيارية لهذه العقيدة في صدر الأمة، مؤكدا سيادتها المطلقة التي لم تشبها شائبة معارضة أو نشاز صوت.

أوجز الماوردي واجبات الحاكم في كتابه "أدب الدنيا والدين" ضمن 7 أبواب (الجزيرة)

وثمة مآل آخر يترتب على هذه العقيدة؛ وهو ألا يبتدع الحاكم لنفسه تأويلا شاذا أو منزعا يفارق جادة الشريعة، كما يتعين عليه صون مقام العلم من أن يخوض فيه غير أهله من الأفراد أو الجماعات. فإذا ما برزت فئة مارقة تجاهر بمنابذة أصول هذا "الدين"، وجب على السلطان استجلاء حقائق الإسلام مستعينا بالحجج الدامغة لعلماء الأمة، ليبصر المتمردين بمواضع زللهم ومواطن ضلالهم. فإن هم لم يفيئوا إلى الحق ونيبوا لجادة الصواب، استحقت محاكمتهم وفق القواعد المرعية والمستقرة في الشريعة. وبذلك، يصان كيان "الأمة" ويحفظ حماها ودينها من غوائل التشرذم ومزالق الشتات.

وتأمل كذلك في أن شرط "حفظ الدين" يستبطن في طياته مطلبا فرعيا، مفاده أن وظيفة السلطان تمتد لتشمل السعي الدؤوب نحو "تطبيق" أحكام الدين؛ غاية تحويلها إلى ممارسة عملية ونمط حياة معاش. وهذا المطلب يتسق تماما بواجب رعاية "صلاح الدنيا"؛ ذلك الواجب الكفيل بانتظام شؤون العالم، واستقامة أحواله على نحو يجمع بين السداد والمنفعة.

أما الوظيفة الثانية، فهي تمثل -بطبيعة الحال- الماهية الجلية والجوهر الأصيل للسلطة التنفيذية؛ والمتمثلة في: "حيازة القوة القسرية". إذ يناط بالحاكم مسؤولية بسط الأمن في شقيه الداخلي والخارجي (أي حياطة الثغور وصون الحدود)؛ ويستغرق مفهوم الأمن الداخلي حماية كيان المجتمع من غوائل الفئات المارقة التي سلف لي ذكرها آنفا. أما الوظيفة الثالثة فهي "عمارة البلاد"؛ ويتحقق ذلك عبر مد يد العون للأنشطة الاقتصادية وتنميتها، وتشييد الطرق والمسالك وتذليل سبلها. وهذا المطلب، شأنه في ذلك شأن المطالب السالفة، نجد له صدى في جل المصنفات التي استفرغت الجهد في استقصاء هذا الموضوع.

"دواوين المظالم هي هيئات قضائية يتربع الحاكم على سدتها، وتختص أصالة برد الحقوق إلى نصابها ورفع الحيف عن الرعية فيما يقترفه رجال الدولة من تجاوزات"

والرابعة هي "جباية الأموال والخراج" وفق ما تقضي به أحكام الشرع، مع التزام جادة الاستقامة وتحري النزاهة في طرائق جمعها ووجوه إعادة توزيعها. ويستتبع هذا الواجب -بالضرورة- اضطلاع الحاكم بمسؤولية إدارة الأراضي والمساحات، بشتى أصنافها وتنوع فئاتها. فيما تتجلى الوظيفة الخامسة في إدارة محاكم الشريعة ودواوين المظالم بميزان القسط والعدل؛ و"دواوين المظالم" هي هيئات قضائية يتربع الحاكم على سدتها، وتختص أصالة برد الحقوق إلى نصابها ورفع الحيف عن الرعية فيما يقترفه رجال الدولة من تجاوزات، سواء أكانوا من حملة السلاح أم من سائر الولاة والموظفين، بل ويمتد اختصاصها ليشمل قضاة الشريعة أنفسهم. ومؤدى ذلك أن الحاكم هو المرجعية الإدارية العليا للجهاز القضائي؛ فبيده مقاليد تعين القضاة وعزلهم، وعليه تقع تبعة ضمان انتظام سير العدالة في محاكم البلاد.

أما السادسة، فهي واجب إقامة الحدود؛ تلك العقوبات التي سطر أحكامها القرآن الكريم في مقامه الأسمى والجليل. وتأتي السابعة ختاما لتوجب على السلطان اصطفاء العمال والولاة من ذوي الأمانة والمقدرة والكفاية، لينهضوا بمهامهم بصدق وإخلاص، كنواب عنه في تدبير مصالح الرعية وتصريف شؤون البلاد في مختلف أقاليم الدولة.

"برغم ما تبسط عليه السلطة التنفيذية يدها من نفوذ قسري عريض، إلا أنها تظل محرومة من أي اختصاص تشريعي في الإسلام"

وكما أشرت سلفا، فقد استقرت هذه التبعات المنوطة بولي الأمر بوصفها تقاليد سياسية رصينة ضربت بجذورها في عمق التاريخ الإسلامي حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا. وإن أظهر ما يستوقف الناظر في هذه الأعراف هو خلو مهام الحاكم خلوا تاما من أي نزوع للتشريع؛ فبرغم ما تبسط عليه السلطة التنفيذية يدها من نفوذ قسري عريض، إلا أنها تظل محرومة من أي اختصاص تشريعي. ومن ثم، يلزمنا الاستنتاج بأن ذلك "الفصل الجذري" له دلالة إضافية؛ إذ لم يتوقف الأمر عند حدود استقلال الشريعة منذ مطلع عهد الوحي فحسب، بل كان فصلا كليا ومطلقا وشاملا؛ ذلك أن السلطة التنفيذية -بصفتها التنفيذية- كانت هي الأخرى قائمة بذاتها، ولم تجسر يوما على ادعاء نسبة الصلاحيات التشريعية إلى حياضها.

الوظيفة الخامسة للحاكم عند الماوردي هي إدارة محاكم الشريعة ودواوين المظالم بميزان القسط والعدل (مواقع التواصل)

المحاور: تطرقتم إلى مسألة "الحجر على الإمام". برأيكم: كيف وضع الماوردي من خلالها حدودا مؤسسية على السلطة الشخصية للحاكم؟

يجب أن ندرك أن التأكيد على "الهوية الشخصية" للحاكم -أو لأي مسؤول عام على حد سواء- ليس إلا ثمرة للمسار الذي سلكه التاريخ الأوروبي؛ وهو مسار اختلف تماما عن التاريخ الإسلامي والطريقة التي ساس بها المسلمون أنفسهم. ومن الجلي أن ثمة دوما أساليب شتى للحياة، وسبلا متعددة لاستكناه حقيقة الأشياء؛ فلكل مجتمع منطقه الداخلي الذي يحكمه، وطريقته المتفردة لرؤية العالم والعيش فيه.

إن منزع الحداثة الأوروبية إلى تعيين "ذات" المسؤول الحكومي وتحديد هويته، إنما ينبع من مقتضيات النظم الدستورية التي تحظر على الشخص الواحد الجمع بين ولايتين في فرعين مختلفين من فروع السلطة؛ فلكي تستقيم هذه "الثنائية"، غدا لزاما أن يكون شخص الحاكم أو الوالي معروفا ومشخصا بيقين. وما هذا التوجس من "الثنائية" إلا رغبة في درء الفساد؛ إذ إن حشد صلاحيات أكثر من فرع في يد واحدة لا يعني سوى حيازة سلطة تفتقر إلى الشرعية، والارتقاء بها إلى مقام الاستبداد. وهذا، في مبتدأ الأمر ومنتهاه، هو الباعث الجوهري الذي أفضى إلى بزوغ مبدأ "الفصل بين السلطات" في الفضاء الأوروبي.

لا بد من إدراك أن ثمة افتراضا غائرا يكمن في هذا السياق؛ ومؤداه أن استحواذ الفرد على مقاليد سلطات شتى يعطل، بآلية حتمية، قدرة كل سلطة على كبح جماح الأخرى، الأمر الذي يمهد السبيل لإساءة استغلال المنصب والنفوذ. فضلا عن ذلك، فإن فروع السلطة التي جمعت في يد واحدة ستفتقد بالضرورة ميزة الرقابة البينية، لعلة انصهارها في ذات واحدة.

"القاعدة الأساسية لمبدأ الفصل بين السلطات هي الرغبة في مجابهة طمع سلطة بطمع أخرى، ومدافعة طموح جهة بطموح جهة مضادة"

ولنستذكر هنا أن القاعدة الأساسية والقطب الذي يدور عليه فلك "الفصل بين السلطات" هو الرغبة في مجابهة "طمع" سلطة بطمع أخرى، ومدافعة "طموح" جهة بطموح جهة مضادة. ومقتضى ذلك أن التصور الحاكم للطبيعة البشرية في الفكر السياسي الغربي (والحداثي المعاصر) يقوم على افتراض أن الإنسان كائن طماع، متكالب على السلطة، ومجبول على نزعات الشر. وبموجب هذا التصور، يغدو الركون إلى الوازع الأخلاقي لكبح هذا الطموح رهانا خاسرا؛ لكون "الأخلاقي" قد عزل مفاصله عن سائر مجالات الفعل الإنساني.

يفترض ماكس فيبر أن الوازع الأخلاقي والالتزام القيمي لا ينهضان ككوابح كافية لدرء الفساد (غيتي)

وبناء على ما تقدم، يتجلى افتراض "فيبري" (نسبة إلى ماكس فيبر) يرسخ خلف فلسفة الفصل بين السلطات في صيغتها الأوروبية؛ وجوهره أن الوازع الأخلاقي والالتزام القيمي لا ينهضان ككوابح كافية لدرء الفساد، بل إنهما في حقيقة الأمر يفتقران لأي قوة رادعة. ومن هذا المنطلق انبثق المفهوم الفيبري حول "العقلانية الصورية" و"البيروقراطية العقلانية"؛ وهو المنطق عينه الذي ينحي الواجب الأخلاقي جانبا، ليقيم مقامه بيروقراطية مرتهنة لصرامة القواعد وجفاف الأنظمة.

وكما يتبدى للقارئ من خلال إجاباتي على أسئلتكم الأخرى، فإن مفهوم "الدين" الذي قامت عليه بنية التنظيم الاجتماعي والسياسي في الإسلام، ينهض على افتراض كون الفاعلين السياسيين ذوات أخلاقية في المقام الأول، وأن ملكتهم الأخلاقية تضطلع بدور محوري في صيانة الأمانة وحسن الأداء.

ففي الإسلام تتبوأ "الاستقلالية الأخلاقية" و"المسؤولية الذاتية" مكانة "البيروقراطية العقلانية" المهيمنة في الدولة الحديثة؛ إذ ترتكز فلسفة الطبيعة البشرية الناظمة للممارسة الاجتماعية والسياسية في الإسلام على تصور للنفس يمتد عبر طيف يترجح بين "الفطرة الخيرة" في أصل خلقتها، وبين "النفس المحايدة" القابلة للارتقاء والتهذيب. وإن هيمنة "تهذيب الذات" على مفاصل الخطاب الإسلامي لهي البرهان الساطع على طواعية الطبيعة البشرية للتخلق بالفضيلة، وعلى أن الجوهر الإنساني مفطور -في أصله- على القابلية للانصياع لقيم الحق والخير.

"ينهض الدين على افتراض كون الفاعلين السياسيين ذوات أخلاقية في المقام الأول، وأن ملكتهم الأخلاقية تضطلع بدور محوري في صيانة الأمانة وحسن الأداء"

وعلى الرغم من أن الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كان فصلا جذريا -سواء بوازع الوقائع التاريخية أو بمقتضى العقيدة السياسية- إلا أنه من حيث المبدأ، لا يهم أي مسؤول ينهض بأي واجب، ما دام الواجب قد استوفي على وجه التمام. إذ يرتكز الافتراض هنا على أن معيار الصلاح ليس "النظام البيروقراطي" العقلاني، بل "النية" في إمضاء الواجب وفق ما تمليه أحكام الشريعة. وبناء عليه، لو سلم جدلا بأن قائدا عسكريا اعتلى سدة القضاء في محكمة شرعية، واتفق أنه قضى في النوازل بما يقضي به القاضي المتبصر، لكانت أحكامه صحيحة من الناحية النظرية.

ومن هنا، كان الفصل بين السلطات في الإسلام أكثر "طبيعية" -بل وأكاد أقول أكثر "انسيابية"- من ذلك الفصل القسري الممنهج في التجربة الأوروبية؛ إذ لم يكن الإسلام بصدد مواجهة معضلة "الطاغية" الذي يقبض على زمام السلطات قاطبة، بدعوى أنها تفويض إلهي منزل. وكما أسلفت بيانه، فإن هذا الانفصال قد انبثق من حقيقة كون التشريع شأنا نصيا إلهيا، ومسألة تأويلية (هرمينوطيقية) عميقة الغور.

وثمة ملمح آخر يتجلى في هذا السياق؛ وهو أن منطق "الإنابة" في المهام الإدارية والوظائف السلطانية كان يحتكم بدوره إلى ذات المعيار. إذ لم تكن هوية الجابي الذي يعينه الخليفة أو السلطان -وإن شابه الفساد- هي محط الأنظار، بل كان المدار والتعويل على استيفاء هذا الجابي لواجبه وفق ما تقتضيه أحكام الشريعة.

ومن هنا، فإنه حينما كان جور المسؤولين يتجاوز مداه ويبلغ بالرعية مبلغ الغليان، لم تكن الجموع تهرع عادة إلى جهة التعيين لبث الشكوى، بل كانوا يبادرون من تلقاء أنفسهم بملاحقة المسؤول الجائر بذاته. والعلة في ذلك أن التبعة الجنائية والوزر الأخلاقي يقعان على عاتق مباشر الوظيفة؛ إذ هو من يتحمل وزر المسؤولية القانونية والأخلاقية بتمامها، وهما اللتان لم تكونَا في الإسلام إلا وجهين لعملة واحدة.

الفقه السياسي الإسلامي أرسى مبدأ أن شرعية الفعل التنفيذي رهنٌ بصحة إجراءاته وموافقته للشرع، لا بشخص الحاكم أو هويته البيروقراطية (شترستوك)

المحاور: كيف يستحضر الغزالي مفهوم "المآل الأخروي" ويوظفه كأداة للرقابة الدستورية لتقييد الإرادة المطلقة للحاكم؟

هذا سؤال ممتاز؛ إذ يمكن مقاربته بوصفه قضية تاريخية تارة، وبوصفه مسألة تتصل بالمنهجية والوعي النظري تارة أخرى، واسمح لي أن استهل إجابتي بالنقطة الأخيرة. فحين نتناول مفهوم ‘الآخرة’ في مجتمعات ما قبل الحداثة من منظور القرن الحادي والعشرين العلماني، يتحتم علينا استحضار "نقاطنا العمياء" بوصفنا مراقبين، كي لا نقع في فخ التنصيب كقضاة على الآخرين أو على عوالم الماضي. وتتجلى المعضلة هنا في "خارجية" المراقب -أي في تموضعه خارج سياق التجربة المبحوثة- وهو مراقب يمتلك في يده موازين القوة، ويصوغ بخطابه سرديات تاريخية تظل في جوهرها، سرديات سياسية بامتياز.

يخاطب الغزالي السلطان السلجوقي بنبرة إرشادية تشبه نبرة المعلم مع تلميذه، ولو قدر لميكافيلي أن يخاطب أميره بمثل تلك النبرة، لكان جزاؤه ضرب العنق على الأرجح. ولما تأتى للغزالي أن يتحدث بهذا الأسلوب إلا لكونه يتحرك ضمن "هابيتوس" (بنية اجتماعية ونفسية مستقرة) ينضوي تحت لوائه هو والسلطان معا، ويمنح كلا منهما مكانة محددة المعالم سلفا.

"خاطب الغزالي السلطان السلجوقي بنبرة إرشادية تشبه نبرة المعلم مع تلميذه، ولو قدر لميكافيلي أن يخاطب أميره بمثل تلك النبرة، لكان جزاؤه ضرب العنق على الأرجح"

ففي رحاب "الهابيتوس"، يصاغ إدراك المرء وفهمه للعالم وفقا للقواعد وأنماط الوجود التي تفرضها تلك البنية الرصينة؛ فلا يملك أي فاعل أن يفرض إرادته الخاصة على "الهابيتوس" ومن هنا، يطور المنتمون لهذا "الهابيتوس" مواقف محددة تجسد قيما مشتركة تشكلت عبر التاريخ والثقافة، وغالبا ما تستقر هذه المواقف في منطقة "اللاوعي"، فتتبدى في هيئة حقائق طبيعية لا يتطرق إليها الشك والجدل.

بناء على ما تقدم، فإن مقاربة "الهابيتوس" من منظور خارجي -أي دون استكناه أغواره بعين المنتمي إليه أو القريب من جوهره- مآلها الإخفاق في إدراك كنهه الروحي وبنيته المتعددة الطبقات، أو ما نصطلح عليه في معجمنا العلمي بالبنية النفسية والعاطفية. إنها بعبارة أخرى، عجز عن فقه الكيفية التي تتدخل بها الأطر النفسية والمشاعرية في صياغة قوالب الفكر والعقل والمنطق، بل وفي تشكيل الرؤية الكونية والتصورات الوجودية برمتها.

وبالمثل، فإن استبعاد أي مكون داخل "الهابيتوس" لمجرد كونه يبدو ثانويا أو عديم الجدوى في عين المراقب الخارجي، ليعد سقطة معرفية فادحة، وهو في ميزان "الفيلولوجيا" – أي الدراسة التاريخية للنصوص، ضرب من ضروب البحث الذي ضل طريقه. وبصورة أكثر دقة وواقعية، فإن "الفيلولوجيا العلمانية" -أو بعبارة أدق: الجهاز الفيلولوجي "العلمي-العلماني"- يفتقر إلى الأدوات اللازمة، ويفتقد بالتالي إلى الأهلية لدراسة هذا النمط من "الهابيتوس"؛ إذ ستغفل هذه المناهج عما هو جوهري (أو تزهد في شأنه في أحسن الأحوال)، في حين ستسرف في تضخيم ما هو هامشي وثانوي.

إن "الفيلولوجيا التعاطفية" -والتي أرى وجوب إحلالها محل المناهج الفيلولوجية القائمة- لا تقف عند حدود كونها وسيلة تتسم باللطف والإنسانية لدراسة "الآخر" في أبعاده الثقافية والتاريخية والروحية؛ بل هي في جوهرها منهجية واعية لاستبصار العالم وفهمه. وتقتضي هذه الفيلولوجيا التعاطفية أن يستوعب المراقب التبعات والآثار القصوى لمفاهيم كـ: القدرة الإلهية، وعظمة الخلق والإبداع، والرزق، وملكية العالم، والعلم المطلق، وصولا إلى يوم القيامة؛ إذ إن كل هذه المفاهيم -بما فيها المفهوم الأخير- تكتنز دلالات وآثارا سياسية بالغة القوة والنفود لدى المؤمنين بها.

والآن، وبالعودة إلى الإجابة عن السؤال بوصفه ظاهرة تاريخية عينية؛ فمتى استوعبنا هذه القضايا المنهجية، أدركنا أن استحضار الغزالي (وغيره) لمعاني القدرة الإلهية المطلقة والرحمة، والعلم الشامل والزهد، لم يكن مجرد ترديد لشعارات جوفاء، بل كان ركائز سياسية متينة تولد في مآلها منظومة قيمية متكاملة. إن تلك الثيمة المستمرة والملحة بأن الله هو مالك الملك الأحد، والصمد، والقوي الجبار، ما هي في حقيقتها إلا تقريرات لما نصطلح عليه في زمننا الحداثي بـ ‘السيادة’.

"الثيمة المستمرة والملحة بأن الله هو مالك الملك الأحد، والصمد، والقوي الجبار، ما هي في حقيقتها إلا تقريرات لما نصطلح عليه في زمننا الحداثي بالسيادة"

لقد كان السلطان السلجوقي على يقين تام بأن لسطوته حدودا لا يتجاوزها، ولم يكن يملك من النفوذ ما يزين له أن بمقدوره إنفاذ مشيئته في كل أمر؛ إذ كان يدرك إدراكا جليا أنه لا يحوز حق التشريع، وأن مآل القانون ليس بيده؛ ذلك أن القانون هو ‘شرع الله’، وهو شرع مستودع في عهدة العلماء الأتقياء وحملة العلم. هذا هو "الهابيتوس" الذي كان مهيمنا آنذاك، وما كان الغزالي إلا ناطقا بلغة يعي السلطان والخاصة والعامة دلالاتها ومقاصدها على حد سواء.

تذكير الغزالي بالآخرة وعظمة القدرة الإلهية وعلم الله الشامل لم يكن وعظًا عابرًا، بل كان أداة رقابة دستورية تقف في وجه إرادة السلطان المطلقة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

المحاور: كيف تضطلع المذاهب الفقهية بدور "صمام الأمان الدستوري"؟ وما هي الآلية التي تقدمها تلك المذاهب لكبح جماح السلطة ومنع استبداد الحكام؟

اسمح لي أن أجلو بوضوح تلك الأهمية القصوى التي اضطلع بها "المذهب" في تاريخ الإسلام السني؛ فبمقدار ما يستعصي على الخيال تجريد تاريخ مصر القديم من أهراماتها وصروح مدافن فراعنتها، يستحيل كذلك تصور الإسلام بمعزل عن مذاهبه. فالمذهب هو الذي خط المعالم والحدود (الشرعية) في أبعادها الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو الذي أرسى الدعامة والضمانة لما يمكن تسميته بـ "الحمايات الدستورية".

إن أولى عتبات الفهم بخصوص المذهب هي إدراك كونه الوسيلة التي أضفى بها الإسلام صفة "المشروعية" على أحكامه وقوانينه. ففي الأنظمة السياسية الحديثة، يستمد القانون شرعيته من صدوره عن "الدولة الوطنية"؛ إذ يكتسب صفته القانونية لكونه يمثل -افتراضا- صوت الأمة وتجسيدا لإرادة الدولة. أما في فضاء الإسلام السني، فإن الشريعة -باعتبارها منظومة من الأحكام والضوابط- لا تستمد مشروعيتها إلا من خلال المذهب.

" في فضاء الإسلام السني، فإن الشريعة -باعتبارها منظومة من الأحكام والضوابط- لا تستمد مشروعيتها إلا من خلال المذهب"

والمذهب هنا لا يعني أن الأحكام الفقهية مجرد نتاج اجتهاد تشريعي فردي، وإن كان هذا يمثل جانبا من الحقيقة، بل إن المذهب ينطوي على وجود ‘إجماع’ بين زمرة من الفقهاء المتعاقبين عبر الأجيال؛ إجماع يقضي بأن منظومتهم التشريعية في كليتها هي الثمرة الناضجة لمناهج وأصول مرجعية متفق عليها.

وبمعنى ما، يمكننا التمييز بين نمطين من "أصول الفقه": نمط جلي ذائع، سطرت فيه مؤلفات جليلة ومعقدة أحيانا، ونمط آخر "ضمني" شكل ما يمكن نعته بـ "نظام التشغيل الفقهي". لقد انصب اهتمام أصول الفقه المشهورة، بصفة أساسية، على استكناه "الأدلة الكلية" وطرائق الاستدلال الكبرى، بينما التفتت -بصورة ثانوية- إلى مناهج التأويل والاستنباط الخاصة أو "الأدلة الجزئية".

ونظرا للطبيعة العامة والشمولية لهذه المبادئ التأويلية (الهرمنيوطيقية)، فقد تقاطعت المذاهب الأربعة جميعها عند معين أصول الفقه المشهورة؛ وهذا ما يفسر لنا كيف تسنى لفقيه مالكي أو حنبلي، على سبيل المثال، أن يضع شرحا وافيا على مصنف في أصول الفقه وضعه عالم شافعي.

أما النمط الآخر، وهو أصول الفقه "الضمنية"، فتتمثل في تلك القواعد والضوابط الخاصة التي استنبطها كل مذهب وتبناها، وغدت لدى فقهائه جزءا لا يتجزأ من ممارستهم التطبيقية الراسخة. فمن قبيل المثال، يقرر الحنفية في أصلهم أن "الغصب" المستوجب للضمان مشروط بإزالة يد المالك عن ملكه ونقله من حيازته الأصلية على وجه التعدي. وفي المقابل، يذهب الحنابلة إلى تعريف الغصب بمجرد الاستيلاء والقهر، سواء أزيلت العين عن مكانها أم بقيت؛ وبناء على هذا التباين في التأصيل، فإن وضع اليد على بساط بمجرد الجلوس عليه -دون نقله- يعد غصبا موجبا للضمان عند الحنابلة، في حين لا يراه الحنفية كذلك.

أما في شأن استرداد التعويضات، فقد أفضى هذا التباين الجوهري في تعريف "الغصب" إلى بروز فوارق عميقة في الفروع الفقهية بين المدرستين؛ فبينما يذهب الحنابلة إلى تحميل "الغاصب" مآلات المسؤولية تجاه المالك الشرعي عن سائر نماء العين المغصوبة وما تدره من عوائد، يضع الحنفية قيودا محكمة تحول دون استرداد المالك للحقوق الناشئة عن ذلك النماء.

وينطلق الحنفية في ذلك من منطق يقضي بأن نماء المال المغصوب أو غلته لم تكن قائمة وقت "إزالة يد المالك" عن أصل ملكه، وحيث إنها كانت معدومة آنذاك، فلا يترتب في ذمة الغاصب حيالها أي ضمان. ويجلي هذا المثال المعنى الجوهري لمصطلح "المذهب" بوصفه عقيدة تشريعية تنظم سلكا من القضايا المتماثلة -كما في مسائل الضمان هنا- وتصهرها تحت لواء أصل كلي واحد؛ وبهذا الاعتبار، يتبين كيف يتمايز مذهب مدرسة عن أخرى تمايزا قد يصل في مراميه إلى حد التضاد.

"أرسى الإجماع دعائم سلطة المذهب عبر إمداده بقوة تأويلية وثقافية صيرت منه صوتا معبرا عن كيان الجماعة"

وهنا، يتجلى لنا أن مشروع صياغة"أصول الفقه" -الذي استغرق أمد إتمامه أربعة قرون- كان يرمي في جوهره إلى تشييد ركيزة "الإجماع". فبفضل الإجماع، توطدت "حجية" القياس بوصفه منهجا سنيا خالصا يختص به أهل النظر من الفقهاء دون سواهم، كما أرسى الإجماع دعائم سلطة المذهب عبر إمداده بقوة تأويلية وثقافية صيرت منه صوتا معبرا عن كيان الجماعة.

لقد أفلح الإجماع في صهر الآراء الفقهية الفردية المتباينة في محك كتلة تشريعية صلبة، وكأنما غدا مجموع الفقهاء يمثلون هيئة اعتبارية ومجردة تنطق بلسان وحدة متماسكة. ومن هنا، كان الاعتداء على المذهب أو السعي في تقويضه يعد صداما مباشرا مع الثوابت العقدية للجماعة ودينها؛ ذلك أن منعة هذا الكيان الاعتباري كانت تنهل قوتها من تجذر المذهب في مشكاة منظومة تأويلية مقدسة لا يتطرق إليها الوهن.

ومن ثم، فقد كان اعتزام الحاكم إبطال الشريعة، أو تعطيل أحكامها، أو حتى السعي في تبديلها، يعد ضربا من المروق والمشاقة؛ وكأنما يعمد الحاكم بفعله ذاك إلى إعلان انقضاء دين الإسلام نفسه. لقد كانت الشريعة بمثابة "ثقافة" مهيمنة، وهي ثقافة متجذرة في صميم الدين؛ لذا لم يكن ليخطر ببال الحاكم -حتى على سبيل التوهم- أن تأتي مراسيمه وقراراته مناقضة لأصولها أو خارجة عن فلكها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا