نابلس – لم تكن عتمة الزنازين في سجون الاحتلال الإسرائيلي يومًا مجرد مكان لـ "احتجاز الحرية"، بل لطالما كانت "مقابر للأحياء"، كما تصفها مؤسسات حقوقية، حيث يواجه الأسرى الفلسطينيون فصولا غير مسبوقة من سياسة "الإعدام البطيء".
وفي قلب هذا المشهد تبرز حكاية عائلتي عليوي وحرز الله من مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، كواحدة من أكثر القصص الإنسانية تجسيدا لواقع الحركة الأسيرة؛ إذ لم يكن وقع القيد وحده ما تقاسمته العائلة، بل تشاركت في "إرث الفقد" الذي ضرب أركانها مرتين في غضون عام واحد.
فبعد نحو عام على استشهاد الأسير سميح عليوي، عاد الموت ليخطف ابن شقيقته الأسير مروان حرز الله (50 عامًا) نهاية مارس/آذار الماضي، إذ لم تشفع له قدمه المبتورة نتيجة إصابة قديمة، لتضيف سمر عليوي (أم أسامة) وجعا إلى وجعها.
الشهيد الأسير مروان حرز الله توفي في سجون الاحتلال بعد أيام من اعتقاله في يناير/كانون الثاني الماضي (الجزيرة)
لم يكن الأسير الشهيد مروان حرز الله يعاني من أمراض مزمنة قبل اعتقاله، باستثناء إصابة قديمة أدت إلى بتر إحدى قدميه، وفق ما يرويه ابن شقيقه فتحي، مؤكدا أنه كان يمارس عمله بشكل طبيعي في هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الفلسطينية حتى لحظة اعتقاله بتهمة التحريض في 8 يناير/كانون الثاني الماضي.
وينحدر حرز الله من مخيم العين غرب مدينة نابلس، حيث وُلد ونشأ، وعاش تفاصيل حياته هناك. وسبق أن خاض تجربة الاعتقال خلال الانتفاضة الأولى، إذ أمضى نحو 5 سنوات في سجون الاحتلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يلتحق بقوات الأمن الوطني بالسلطة الفلسطينية، ثم يعمل في قطاع الإعلام الرسمي.
فتحي حرز الله، الأقرب إلى الشهيد مروان وآخر من جالسه قبل ساعات من اعتقاله، يستذكر في حديثه للجزيرة نت عمه قائلا "كان يتمتع بحضور عائلي لافت، وقريبا من أبناء إخوته"، ما عمّق من وقع الفقد على العائلة.
أما لحظة الاعتقال، فيصفها بأنها "مفاجئة" مبينا أن آخر لقاء جمعهما قبل ساعات فقط، حين وعده مروان بالاتصال في اليوم التالي. لكن اتصالا عند الواحدة ليلًا أبلغه باقتحام منزل العائلة واعتقاله. وفي اليوم التالي، تبين أنه نقل إلى سجن "مجدو" الإسرائيلي.
يصف فتحي لحظة تلقي خبر استشهاد عمه وهو أب لـ 7 أطفال بأنه "صدمة قاسية وغير متوقعة"، خاصة في ظل تطمينات سابقة عن حالته. ويشير إلى أنه تلقى الخبر عبر الجهات الرسمية، قبل أن يضطر بنفسه لإبلاغ العائلة عند ساعات الفجر الأولى، في مشهد يصفه بـ "المؤلم"، مشيرا إلى حالة انهيار أصابت زوجة الشهيد وأبناءه في حينه.
ويضيف أن العائلة لم تتسلم حتى الآن تقريرا رسميا عن سبب الوفاة في تاريخ 23 يناير/كانون الثاني الماضي: "نحن لا نعرف ماذا حدث بالضبط، هل هي جلطة أم أمر آخر؟ الوضع في السجون حاليا مخيف جدا".
الجرح أكثر عمقا لدى المسنّة سمر عليوي (أم أسامة)، فهي لم تتعافَ بعد من صدمة استشهاد شقيقها الأسير سميح عليوي قبل أقل من عام داخل السجون، حتى جاء خبر استشهاد ابنها مروان: " لا يزال جرحي مفتوحا، لم يلتئم بعد، فأخي لم يمضِ على استشهاده عام، واستشهد ابني بنفس الظروف".
وتضيف أم أسامة في حديثها -للجزيرة نت- أن أكثر ما يثقل قلبها ويشغله اليوم ليس رحيل الشهيدين إنما مصير حفيدها تحرير (22 عاما) نجل الشهيد مروان، الذي لا يزال معتقلا في سجون الاحتلال ولا تعرف إن كان علم باستشهاد والده أم لا.
وفي امتداد لحكاية الفقد، تبرز شهادة سجود ابنة الشهيد الأسير سميح، التي تشير إلى أن والدها عانى قبل اعتقاله من أوضاع صحية معقدة "من بينها فتق في جدار المعدة وكتلة في البطن يشتبه في أنها ورم، إلى جانب عدم التئام جرح عملية جراحية سابقة".
وتضيف أنه كان يخضع لفحوصات طبية مكثفة بشكل شبه أسبوعي، وكان في انتظار إجراء عملية جراحية، ما جعل اعتقاله في تلك المرحلة يشكل خطرا مباشرا على حياته، لكنها تؤكد أن "الأيام الأخيرة قبل استشهاده كانت الأكثر غموضا، إذ انقطعت أخباره بشكل مفاجئ، ولم تتمكن العائلة من الحصول على أي معلومات عبر المحامين حول ظروفه الصحية".
حسب سجود، فإن العائلة لم تتسلم حتى اليوم توضيحا أو تقريرا رسميا حول استشهاده، ما ترك العائلة أمام تساؤلات مفتوحة حول ما جرى داخل السجن". لكنها تضيف أن إفادات الأسرى تؤكد تعرض والدها للضرب المبرح ما أدى إلى كسر في كتفه دون أن يتلقى أي علاج.
الأسير سميح عليوي استشهد في ظروف غامضة (الصحافة الفلسطينية)
ووفق نادي الأسير الفلسطيني، فإن استشهاد سميح عليوي وابن شقيقته مروان حرز الله، يأتي "ضمن إطار منظومة متكاملة من السياسات تستهدف الأسرى الفلسطينيين بشكل ممنهج، يتجاوز حدود الحالات الفردية إلى بنية قائمة على الإيذاء والتدمير".
وتقول المتحدثة باسم النادي أماني سراحنة -للجزيرة نت- إن "المسألة لم تعد تتعلق بحالات وفاة عارضة نتيجة ظروف الاعتقال، بل نحن أمام عملية تصفية جسدية شاملة (…) الزنازين تحولت إلى مقاصل صامتة، حيث يقتل الأسير الفلسطيني عبر هندسة الموت التي تتبناها إدارة السجون تحت غطاء سياسي وقانوني رسمي إسرائيلي".
وتابعت أن "ما يصطلح عليه بـ"الإعدام البطيء" هو في حقيقته تتويج لعقود طويلة من سياسات الاحتلال، التي شهدت حالات إعدام ميداني مباشر داخل السجون، وتلفت إلى تنوع أدوات القتل من الرصاص إلى تهيئة ظروف اعتقالية تؤدي حتما إلى تلاشي الجسد وفنائه، وتحصرها فيما يلي:
وتقول المتحدثة باسم النادي إن هناك صعوبات في توثيق الجرائم داخل السجون فـ "تقارير التشريح الطبي، رغم أهميتها، لا تُظهر إلا العلامات الفيزيائية المباشرة التي أدت إلى الوفاة، لكنها تعجز عن توصيف "حفلات التعذيب" – بكل ما تحمله الكلمة من قسوة – التي يمر بها الأسير قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة".
وتكشف عن ارتفاع عدد الشهداء الأسرى إلى 326 شهيدا منذ عام 1967، كان مروان آخرهم، من بينهم 89 شهيدا ارتقوا في فترة ما بعد (مرحلة الإبادة) 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتؤكد أن هذه الأرقام "رغم دقتها الموثقة، تظل اجتهادات مبنية على هويات معلومة، بينما قد تكون الأعداد الحقيقية أكبر بكثير في ظل التعتيم الإسرائيلي المطبق".
وتصف المرحلة الحالية بأنها "المرحلة الأكثر دموية" في تاريخ الحركة الأسيرة والشعب الفلسطيني، حيث تحول السجن إلى فضاء أساسي لممارسة "الإبادة الجماعية" وتدمير الأسرى جسديا ونفسيا.
ووفق نادي الأسير فإن عمليات الإعدام في سجون الاحتلال سبقت قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي نهاية مارس/آذار الماضي.
ويحيي الفلسطينيون الجمعة 17 أبريل/نيسان يوم الأسير الفلسطيني تحت شعار "معا ضد الإبادة والإعدام.. ومعا لإسقاط قانون إعدام الأسرى"، بينما يقبع 9600 أسير بينهم نساء وأطفال وآلاف المعتقلين إداريا في سجون الاحتلال.
المصدر:
الجزيرة