استمرت يوم الثلاثاء محاكمة عدد من المدنيين في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في البلاد بعد اعتقالهم على خلفية رفع شعارات مناوئة لتنظيم الإخوان المصنف إرهابيا وسط اتهامات لكتيبة البراء، الجناح العسكري للتنظيم الإخوان، باستخدام السلاح لتصفية الخصوم السياسيين.
ومنذ اندلاع الحرب حتى الآن، أصدرت محاكم محلية أكثر من 300 حكمٍ في قضايا سياسية أو اتهامات بالتعاون، شملت أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد.
ويشير الخبير القانوني كمال محمد الأمين إلى أن انقلاب أكتوبر 2021 كان يهدف في الأساس إلى استعادة سلطة الإخوان وقمع القوى المدنية بقوة السلاح.
ويوضح: "منذ انقلاب البرهان بدأت الأوضاع الدستورية والقانونية في التخبط، وازدادت سوءا بعد اندلاع حرب أبريل 2023".
ويقول الأمين لموقع سكاي نيوز عربية: "بعد فشل الانقلاب في تحقيق غاياته، لجأت قيادات الجيش والإخوان إلى خطة إشعال الحرب بهدف العودة إلى السلطة والقضاء على ثورة ديسمبر".
اتهامات سياسية بقوة السلاح
منذ أكثر من ثلاثة أشهر، يمثل أمام المحاكم في دنقلا بشمال السودان ومدن أخرى في البلاد الشاب منيب عبدالعزيز وعدد من الناشطين السياسيين، الذين حاولوا إحياء ذكرى ثورة ديسمبر التي أطاحت بنظام الإخوان في أبريل 2019، قبل أن يعودوا إلى الواجهة مرة أخرى بعد انقلاب قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في أكتوبر 2021.
وتحت بلاغ قيدته عناصر من كتيبة البراء ضده بسبب مواقفه السياسية، يخضع الدكتور أحمد الشبا منذ يناير لمحاكمة، يقول حقوقيون إنها تجسد مثالًا حيًا للتشفي السياسي تحت ستار القوة.
واعتبرت المحامية نفيسة حجر أن ما يجري من محاكمات يشكل انتهاكا واضحا للعدالة. وأوضحت لموقع سكاي نيوز عربية: "جوهر الصراع يكمن في تسييس البندقية وتحويل المؤسسة العسكرية الوطنية إلى وعاء للأيديولوجيا التنظيمية، مما يضع الجيش السوداني أمام تحدي الشرعية الدولية والمقبولية الوطنية".
وترى حجر أن الاستمرار في "دوامة العنف العقدي" يعكس فشلًا في الفصل بين المعتقد السياسي الشخصي والواجب المهني للمؤسسات، وهو ما أدى تاريخيًا إلى استنزاف موارد السودان في حروب بالوكالة عن أوهام أيديولوجية.
خلق بيئة قمعية طاردة
وهدد قائد كتيبة البراء، في مناسبات عديدة، قوى الثورة وتحدّاها بالعودة إلى البلاد، في اتساق كامل مع التهديد الذي أطلقه قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في الثلاثين من يناير لقيادات في تحالف صمود، حين قال: "إن أقدامهم لن تطأ أرض السودان مرة أخرى".
ويربط مراقبون هذا الاتساق في رؤية قيادة الجيش وتنظيم الإخوان بالنزعة إلى استخدام السلاح من أجل خلق بيئة قمعية تصب في صالح التنظيم.
ووفقًا للوزير الأسبق بالخارجية السودانية مهدي الخليفة، فإنه لا يمكن تجاهل البيئة القمعية المحيطة، في ظل لجوء عناصر تنظيم الإخوان، الذين يسيطرون على مفاصل الدولة، إلى تسجيل بلاغات كيدية وتحريك مجموعات مسلحة لترويع القيادات المدنية.
وأوضح: "قد يصل الأمر إلى تصفيات جسدية تحت غطاء الفوضى الأمنية، فضلًا عن استخدام قوانين فضفاضة واتهامات التعاون التي طالت حتى متطوعي التكايا".
وأضاف: "شهدنا كيف تم قمع أول تظاهرة في أم درمان في ذكرى الثورة، وكيف تحولت بعض المحاكمات إلى أدوات ردع سياسي".
ويشدد الخليفة على أن عملية استعادة المجال العام تقتضي، قبل كل شيء، تفكيك عسكرة السياسة.
وفي السياق ذاته، يشير محمد شورة، رئيس حزب الأمة القومي بمنطقة الخرطوم شرق، إلى أن الخطر الذي يواجه السودان حاليا لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في "إعادة إنتاجها سياسيًا عبر خطاب الانتقام".
وكثف قائد كتيبة البراء، المصباح طلحة، خلال الأيام الماضية، تحركاته مصحوبًا بمجموعة مسلحة في عدد من مناطق البلاد، مركزا في خطابه على تهديد القوى المدنية بشكل علني. وفي المقابل، تعتقل الأجهزة الأمنية عشرات المدنيين المطالبين بوقف الحرب.
ويقول شورة: "نشهد تصعيدا مقلقا في خطاب قيادات مرتبطة بالحركة الإسلامية، يصل حد التلويح بالسلاح والتحريض العلني في لقاءات جماهيرية، كما ظهر بوضوح في حديث المصباح طلحة حول القيادي في تحالف صمود خالد عمر في منطقته بوسط السودان في فبراير الماضي".
ويحذر شورة من انزلاق بعض المنصات الرسمية أو المرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى استخدام مفردات ذات حمولة سياسية مثل "القحاتة" في سياقات يفترض أن تكون جامعة لكل السودانيين، لا منحازة لطرف ضد آخر. ويوضح: "هذا النوع من الخطاب يضعف ما تبقى من الثقة في المؤسسات، ويعزز الشعور بأن الدولة نفسها أصبحت طرفًا في الصراع السياسي".
تهمة التعاون: حسابات سياسية بنكهة عرقية
تنظر إحدى المحاكم في جنوب الخرطوم هذه الأيام في قضية يُتهم فيها 77 شخصا بالتعاون مع الدعم السريع، وسط جدل متزايد حول استخدام تهمة التعاون لتصفية خلافات سياسية أو عرقية.
ومنذ اندلاع الحرب حتى الآن، أصدرت محاكم محلية نحو 250 حكما بالإعدام والمؤبد، شملت 16 امرأة، إلى جانب صدور أحكام بشكل مستمر في الدمازين بإقليم النيل الأزرق، منها أحكام بالإعدام والمؤبد والسجن لعشرات النساء، فضلا عن نساء معتقلات لفترات داخل سجون الدمازين في انتظار الحكم، وفقًا لما نقلته تقارير عن المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب مبارك.
وفي هذا السياق، يرى الخبير القانوني كمال الأمين أن طرفي الحرب استخدما السلاح لتحقيق أهداف سياسية، مشيرا إلى انتهاكات واسعة ارتُكبت بحق المدنيين، ووجهت لهم تهم جاهزة بدعوى "محاربة المتعاونين".
ويحذر الأمين من خطورة ذلك، ويقول: "يلزم القانون الدولي أطراف الحرب بحماية المدنيين وصون الكرامة الإنسانية، ويمنع أي طرف من الانفراد بمحاكمة الطرف الآخر إلا بعد وقف الحرب والاتفاق على كيفية تقديم المتهمين لمحاكمة عادلة".
ووفقا للأمين، فإن المحاكمات التي جرت وتجري تحت ذريعة التعاون شهدت تلاعبا خطيرا بمواد القانون الجنائي، ولم تُطبق فيها معايير المحاكمة العادلة.
ويوضح: "تم تقديم مدنيين أجبرتهم ظروفهم القاهرة على التواجد في مناطق سيطر عليها الدعم السريع سابقًا لمحاكمات أشبه بمحاكم التفتيش في القرون الوسطى، وصدرت بحقهم عقوبات بالإعدام أو السجن المؤبد، كما عُقدت محاكم ميدانية لثوار في منطقة الحلفاية وغيرها، وذُبحوا بدعاوى باطلة لا تصمد أمام أبسط قواعد المنطق القانوني".
المصدر:
سكاي نيوز