في المدينة القديمة بالموصل شمال العراق، لا يبدو جامع النوري الكبير مجرد مبنى أُعيد ترميمه بعد سنوات الحرب، بل أشبه بقطعة من ذاكرة المدينة عادت لتستقر في مكانها الطبيعي.
على مدى قرون، ارتبط اسم الجامع ومنارته الحدباء بصورة المدينة وهويتها، ويعتبر أهالي الموصل إعادة إعمار الجامع أكثر من مجرد مشروع ترميم؛ إنها استعادة لرمز ظل حاضراً في وجدانهم حتى في سنوات الغياب والدمار.
في يوليو/تموز 2017، فجّر تنظيم داعش الجامع ومنارته الحدباء خلال المعارك، قبل أن تطلق اليونسكو في فبراير/شباط 2018 مبادرة "إحياء روح الموصل” لإعادة الحياة إلى المدينة القديمة. ومع استكمال الأعمال التمهيدية من إزالة الأنقاض وتأمين الموقع، دخل المشروع في 2020 مرحلة جديدة، وتبع ذلك إطلاق مسابقة دولية لإعادة تصميم المجمع، بعد مشاورات واسعة مع أهالي المدينة لضمان الحفاظ على هويته التاريخية.
تُظهر الصورة مصلين في مسجد النوري ببلدة الموصل القديمة مع المئذنة المائلة في الخلفية أثناء صلاة عيد الفطر التي أُقيمت للمرة الأولى منذ حوالي تسع سنوات بعد تدمير المسجد وإعادة افتتاحه قبل بضعة أشهر.صورة من: Ismael Adnanيعود تاريخ الجامع إلى القرن الثاني عشر وبناه نور الدين زنكي، وتُعرف منارته الحدباء بارتفاعها وميلها الشهير، ما جعلها أيقونة تاريخية للموصل على مدى مئات السنين.
بالنسبة لصفوت الطائي، 34 سنة، وهو من أبناء الموصل، فإن جامع النوري "تاريخنا وتاريخ أجدادنا، ورمز وهوية الموصل التراثية والأثرية”.
ويقول "إن الجامع ليس مجرد مكان للصلاة، بل أحد عوالم الموصل العريقة”. هذا المعنى يتكرر في حديث كثير من الموصليين الذين يرون في الجامع علامة على الانتماء ومرآةً لذاكرة المدينة.
يستعيد صفوت لحظة سماعه خبر تدمير الجامع وهو نازح خارج الموصل بسبب احتلال المدينة، ويصفها بأنها "صدمة لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة”.
أما اليوم، فيقول "إن رؤية الجامع يعود من جديد، ورؤية المنارة تعانق السماء، كانت لحظة تعيد الأمل إلى القلب".
هذا البعد العاطفي يظهر أيضاً في شهادة سعد الله طه، أحد سكان المدينة القديمة، الذي يقول "كنت شاهداً على تفجير المنارة والجامع، وبكيت يومها من شدّة الألم".
ويضيف "فرحتي اليوم لا يمكن وصفها بعودة الصلاة إلى الجامع الذي كبرت وترعرعت قربه".
بالنسبة لسعد الله، كما بالنسبة لكثيرين، فإن عودة الجامع تمثل دليلاً على أن الموصل ، رغم حجم الخراب الذي أصابها، استطاعت أن تتمسك بإرادة الحياة.
وليس الجامع في نظر الموصليين مجرد رمز ديني، بل معلم تاريخي ضارب في القدم، فالمجمع يعود إلى القرن الثاني عشر، ويُعد من أبرز معالم الموصل التاريخية، بينما تُعرف منارته الحدباء بارتفاعها وميلها الشهير الذي جعلها إحدى أيقونات المدينة عبر مئات السنين.
أسامة مصطفى، وهو موظف في متحف خاص قرب الجامع ومهتم بتاريخ المدينة، يلاحظ التغيير الذي طرأ على محيط الجامع بعد انطلاق أعمال الإعمار، يقول "إن المنطقة القريبة من الجامع كانت منسية بالكامل، لكنها تحولت تدريجياً إلى نقطة جذب للزوار والمهتمين بالأماكن التاريخية ".
ويشير إلى "أن كثيرين من الناس بدأوا يشترون محلات أو يستأجرون بيوتاً بالقرب من الجامع بسبب القيمة التراثية للمكان".
بالنسبة إليه، فإن عودة الجامع لم تكن معمارية فقط، بل "عودة للروح” و”عودة للثقة” أيضاً، إذ شعر الناس أن مدينتهم قادرة على النهوض من جديد.
ويؤكد سكان آخرون أن أثر عودة الجامع يتجاوز رمزيته الدينية إلى تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في المدينة، ويقول مصطفى حسين "إن الجامع يمثل أحد أبرز الرموز الدينية في الموصل، وإن عودته، بالتزامن مع تزايد زيارات العرب والأجانب، تعزز حضور المدينة من جديد."
فيما يرى ماجد حازم "أن ما كشفته أعمال التنقيب من قاعة الصلاة ومحلات الوضوء القديمة للجامع أضاف إلى الموقع الحالي قيمة أثرية وثقافية وسياحية أكبر"
تُظهر الصورة مصليين في مسجد النوري بمدينة الموصل القديمة أثناء صلاة عيد الفطر التي أُقيمت للمرة الأولى منذ حوالي تسع سنوات بعد تدمير المسجد وإعادة افتتاحه قبل بضعة أشهر.صورة من: Ismael Adnanومن داخل الجامع نفسه، يصف إمامه وخطيبه الشيخ ذاكر حساوي عودة النشاط إلى المكان بأنها عودة للحياة فيقول " عودة الحياة إلى الجامع الكبير النوري، هي عودة الحياة إلى أنفسنا التي فقدناها في زمن من الأزمنة”.
ويقول إن الجامع يشكل في وجدان الموصليين "أثراً عظيماً لأنه يحكي أيامهم وذكرياتهم وسنوات مضيئة من تاريخ المدينة".
ويرى حساوي "أن حضور العوائل إلى الجامع اليوم لا يقتصر على العبادة، بل يمتد أيضاً إلى التقاط الصور مع آثاره ومعالمه التاريخية، في مشهد يختصر العلاقة الخاصة بين المكان وأهالي نينوى."
وتشير اليونسكو إلى أن مبادرة "إحياء روح الموصل” لم تقتصر على جامع النوري وحده، بل شملت أيضًا إعادة تأهيل منازل تراثية ومدارس ومعالم دينية أخرى، وأسهمت في خلق آلاف فرص العمل وتدريب حرفيين محليين، في محاولة لربط إعادة الإعمار العمراني بالتعافي الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمدينة.
في 1 سبتمبر/أيلول 2025، افتُتح جامع النوري الكبير رسمياً أمام الأهالي بعد اكتمال أعمال الإعمار، بما في ذلك ترميم المنارة الحدباء، في حدث شكّل لحظة رمزية للموصل تعكس استعادة جزء أساسي من هويتها التاريخية وعودة الحياة الدينية والثقافية إلى قلب المدينة.
ومؤخراً، شهد الجامع أول صلاة عيد الفطر بعد تسع سنوات من توقف النشاط الديني، إذ أُقيمت الصلاة في 20 آذار/مارس 2026، لتجسد هذه اللحظة استعادة الروح الدينية والارتباط الروحي العميق لسكان المدينة بالجامع ومكانته في ذاكرة الموصل .
العراق، الموصل، 2026، مسجد النوري | المصلون أثناء صلاة عيد الفطر صورة من: Ismael Adnanهكذا، لا يختصر جامع النوري قصة حجر أعيد تركيبه فوق حجر، بل يروي حكاية مدينة تصر على أن تستعيد ذاكرتها. وبين المصلين والزوار والعوائل التي تعود إلى المكان، يبدو الجامع اليوم علامة واضحة على أن الموصل لا تكتفي بتجاوز دمارها، بل تعيد تعريف نفسها من خلال رموزها الأعمق: التاريخ، والهوية، والقدرة على البدء من جديد.
تحرير: يوسف بوفيجلين
المصدر:
DW