أثار الهجوم الذي استهدف مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور مساء الجمعة 20 مارس/ آذار 2026 موجة من التنديد المحلي والدولي، بعد أن أكدت منظمة الصحة العالمية مقتل 64 شخصاً على الأقل، بينهم 13 طفلاً وكوادر طبية، في واحدة من أعنف الضربات التي وجهت للقطاع الصحي منذ اندلاع الحرب في السودان.
الهجوم الذي أوضحت منظمة الصحة العالمية أنه نُفذ بـ"أسلحة ثقيلة" أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من المرفق الطبي الوحيد في المدينة، ليخلف عشرات القتلى والمصابين، ويحرم مئات الآلاف من السكان والنازحين من الخدمات الطبية الأساسية.
بدأت تتكشف التفاصيل بشأن الهجوم الذي استهدف مستشفى الضعين، حيث أفادت مصادر ميدانية لـ "بي بي سي" بوقوع ضربتين متتاليتين، بدأت الأولى في تمام الساعة الثامنة وأربعين دقيقة صباحاً، ثم تبعتها ضربة ثانية بعد نحو خمس عشرة دقيقة. وبحسب شهادات المصادر، فإن الضربة الثانية كانت الأكثر عنفاً، إذ استهدفت جموع المدنيين الذين هرعوا لإنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا من الضربة الأولى، ما تسبب في مضاعفة أعداد القتلى والمصابين.
ويصف أحد سكان مدينة الضعين، وكاان شاهداً على اللحظات الأولى للقصف، حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للمستشفى قائلاً: "لقد دمرت عنابر الجراحة والولادة وقسم الطوارئ. هذا المستشفى الذي كان يعد الوحيد الذي يقدم خدمات الرعاية الصحية لولايات دارفور وغرب كردفان أصبح خارج الخدمة".
وفي تفصيل يعكس مأساوية ما حدث كشفت الشهادات عن قصة سبع سيدات كن قد فررن من منطقة "أبو زبد" بغربي كردفان بعد إصابتهن بشظايا جراء هجوم بطائرة مسيرة هناك فجئن إلى الضعين بحثاً عن الشفاء، ولكن القصف الأخير لاحقهن داخل عنابر المستشفى ليلقين حتفهن جميعاً.
كما أكد شهود العيان وجود قتلى آخرين من النازحين الذين قدموا من مدينة "المجلد" التابعة لولاية غرب كردفان، مما يشير إلى أن المستشفى كان يكتظ بضحايا المعارك القادمين من مناطق أخرى.
وعن عمليات انتشال الجثث من تحت الركام، تشير المصادر إلى أن الجهود بدائية للغاية، حيث استُخدمت جرافة وحيدة (بوكلن) في اليومين الأولين لإزاحة الأنقاض وانتشال الجثث، ومع استمرار وجود أكوام من الركام لم تُنبش بعد وانبعاث روائح التحلل في محيط الموقع، فإن ذلك يرجح ارتفاع حصيلة القتلى.
تبادلت أطراف النزاع بالسودان الاتهامات بشأن قصف مستشفى الضعين، حيث اتهمت قوات الدعم السريع، التي تسيطر على ولاية شرق دارفور، الجيش السوداني بتنفيذ غارة جوية متعمدة استهدفت المستشفى، موضحة أن الهجوم تم عبر طائرة مسيرة من طراز (أكانجي). واعتبرت في بيانها أن الحادثة تمثل "جريمة حرب مكتملة الأركان" تهدف إلى ترويع المدنيين، ودعت إلى تحقيق دولي مستقل.
في المقابل، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية بياناً استهجنت فيه هذه الاتهامات، واصفة إياها بـ "المحاولات البائسة للتضليل". وأكد الجيش التزامه بالقانون الدولي الإنساني، مشدداً على أن استهداف المنشآت المدنية ليس من عقيدته القتالية. واتهم الجيش قوات الدعم السريع باتباع "نهج ممنهج" في قصف المرافق الصحية، مستشهداً بحوادث سابقة في مدن الأبيض، والدلنج، وكادقلي، وأم روابة، متهماً قوات الدعم السريع باتخاذ المدنيين دروعاً بشرية وتضليل الرأي العام العالمي.
أعقب حادثة القصف هذه صدور العديد من البيانات المنددة بما حدث، حيث وصف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية "تيدروس أدهانوم غيبريسوس"، ما حدث بحاضرة شرق دارفور "الضعين" بأنه "سفك دماء" جديد يضاف إلى سلسلة استهداف المرافق الطبية، مؤكداً مقتل طبيب وممرضتين ضمن الضحايا. وفي منشور له على منصة "إكس"، طالب غيبريسوس بنزع فتيل النزاع وضمان حماية المدنيين والكوادر الإنسانية.
من جانبها أوضحت إدارة المستشفى أن من بين القتلى 7 نساء (ثلاث منهن حوامل) و8 من كبار السن، بالإضافة إلى 44 رجلاً، مؤكدة أن الإصابات بلغت 89 حالة، شملت كوادر طبية وأطفال.
وأدانت منظمة أطباء بلا حدود الهجوم واصفة إياه بـ "المروع"، وشددت على أن المستشفيات يجب أن تظل مساحات آمنة، وحذرت من أن استمرار استهداف البنية التحتية الطبية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ويحرم آلاف السودانيين من حقهم في الحياة.
ودخلت شبكة أطباء السودان على خط التوثيق الميداني، محملة الطيران الحربي التابع للجيش المسؤولية عن القصف الذي استهدف المستشفى التعليمي. مؤكدةً أن الهجوم لم يكتفِ بحصد الأرواح فحسب، بل دمر أقساماً أساسية، مما يضع مئات الآلاف من سكان الولاية والنازحين في مواجهة مباشرة مع خطر الموت جراء غياب الرعاية الصحية. وشددت الشبكة على ضرورة تجنيب المرافق المدنية ويلات الصراع المسلح، واصفة الحادثة بأنها تعميق للأزمة الإنسانية المتجذرة في الإقليم."
من جانبه أعرب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن "استيائه الشديد" من الحادثة، محذراً من أن استمرار استهداف المستشفيات يفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وتعد مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، مدينة استراتيجية ومركز ثقل اجتماعي واقتصادي في غربي السودان، حيث تشكل حلقة وصل حيوية تربط إقليم دارفور بولايات كردفان ودولة جنوب السودان عبر خط السكة الحديد والطرق البرية. وقد اكتسبت أهمية مضاعفة خلال الحرب الحالية إذ تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ بدايات الحرب. ويأتي تدمير مستشفى الضعين التعليمي في سياق انهيار شبه كامل للنظام الصحي في السودان، حيث تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن أكثر من 70 بالمئة من المرافق الصحية في مناطق النزاع باتت خارج الخدمة.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة