في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كابل- لا تبدو الضربات الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية مجرد تطور أمني عابر على الحدود، بقدر ما تعكس تصاعدا في التوتر بين البلدين، وتداخلا متزايدا بين الاعتبارات الأمنية والسياسية، في مشهد يزداد تعقيدا مع تباين الروايات الرسمية، وتراجع الاهتمام الدولي بالملف الأفغاني مقارنة بملفات أخرى.
فخلال الأيام الماضية، شهدت مناطق في أفغانستان بينها العاصمة كابل غارات جوية وقصفا مدفعيا باكستانيا. وتقول إسلام آباد إن هذه العمليات تستهدف مواقع تستخدمها جماعات مسلحة، على رأسها حركة طالبان باكستان، التي تتهمها بشن هجمات داخل أراضيها.
في المقابل، تنفي كابل هذه الاتهامات، مؤكدة التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها لتهديد دول أخرى، في إشارة إلى التزاماتها بموجب اتفاق الدوحة.
ويأتي هذا التصعيد مع تزايد الهجمات داخل باكستان، وهو ما يضع الحكومة هناك تحت ضغط أمني داخلي، ويدفعها -وفق مراقبين- إلى تبنّي خيارات أكثر صرامة في التعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد عيسى خيل، في حديثه للجزيرة نت، إن "باكستان تنظر إلى التهديدات الأمنية المرتبطة بحركة طالبان باكستان باعتبارها تحديا مباشرا لأمنها الداخلي"، مشيرا إلى أن "التعامل مع هذه الجماعة بات يشكل أولوية لدى صناع القرار في إسلام آباد".
لكنه يضيف أن "طبيعة العمليات العسكرية داخل الأراضي الأفغانية تثير تساؤلات بشأن نطاقها وأهدافها، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن استهداف مواقع متعددة".
من جانب آخر، تجد السلطات في كابل نفسها أمام تحديات مركبة، مع أوضاع اقتصادية صعبة وعزلة دولية مستمرة منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في أغسطس/آب 2021.
ويقول الباحث في الشؤون الأفغانية عبد الحكيم رحيمي، للجزيرة نت، إن "قدرة كابل على التعامل مع هذا التصعيد تظل محدودة، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية"، مضيفا أن "أي تصعيد واسع قد ينعكس سلبا على الوضع الداخلي، ويزيد من تعقيد المشهد".
وترى الباحثة في العلاقات الدولية مريم صديقي أن هذا الموقف لا يعكس غيابا للاهتمام بقدر ما يعكس أولويات مختلفة لدى القوى الكبرى.
وتوضح صديقي للجزيرة نت أن " الولايات المتحدة تركز أساسا على ملف مكافحة الإرهاب، بينما تميل الصين إلى الحفاظ على الاستقرار بما يخدم مصالحها الاقتصادية، في حين تنشغل روسيا بملفات أخرى تجعل من أفغانستان أولوية أقل في الوقت الراهن".
وتضيف أن هذا التباين في الأولويات يحد من إمكانية تشكُّل موقف دولي موحَّد بشأن التصعيد الحالي.
وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد، في حديثه للجزيرة نت، إن كابل ترى أن "استهداف مواقع داخل أفغانستان يثير تساؤلات بشأن طبيعته وأهدافه"، مشيرا إلى أن بلاده "تلتزم باستخدام قدراتها لأغراض داخلية تتعلق بحفظ الأمن".
وأضاف أن الحكومة الأفغانية تدعو إلى معالجة الخلافات عبر الحوار، وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
ويتهم ذبيح الله مجاهد ما يصفه بتيار داخل الجيش الباكستاني -يُنظر إليه على أنه قريب من الولايات المتحدة- بالوقوف وراء هذا التصعيد، مشيرا إلى أنه يتحرك بدعم خارجي، مشددا على أن "الشعب الباكستاني يتطلع إلى السلام والاستقرار في أفغانستان، لكنَّ مجموعة من الجنرالات تسعى إلى تأجيج الأوضاع بدوافع خارجية، وبهدف خلط الأوراق في جنوب آسيا".
ويضيف أن هذه التحركات -بحسب تقديره- تأتي في سياق أجندات خارجية، داعيا العلماء والرأي العام في باكستان إلى ممارسة دورهم في الحد من أي خطوات من شأنها تعميق التوتر أو الإضرار باستقرار المنطقة.
يرى مراقبون أن التصعيد الحالي قد يتجه نحو مسارات عدة، أبرزها تهدئة عبر وساطات إقليمية خاصة من دول معنية بالاستقرار في المنطقة، أو استمرار التوتر في شكل ضربات محدودة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
كما لا يُستبعد -وفق تقديرات- أن تفضي الضغوط المتبادلة إلى تفاهم أمني غير معلن بين الطرفين، يهدف إلى احتواء التصعيد ومنع توسعه.
في المحصلة، يعكس المشهد الراهن تعقيد العلاقات بين كابل وإسلام آباد، إذ تتداخل الهواجس الأمنية مع الحسابات السياسية. ويظل غياب موقف دولي حاسم عاملا إضافيا، يترك الباب مفتوحا أمام مزيد من التطورات في منطقة لا تحتمل الكثير من التصعيد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة