خلال مؤتمر صحفي، أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن عزم تركيا على البقاء خارج الصراع، محذرا إيران من "الإصرار على الخطأ والتشبث به".
ورغم امتلاك الجيش التركي قدرات واسعة للرد على الهجمات الإيرانية، إلا أن خياراته تعتمد على مدى تقبل الشعب التركي للتدخل. ومع اقتراب موعد أول انتخابات رئاسية في البلاد بعد أردوغان ، والتي ستُجرى خلال عامين أو أقل، فإن الشغل الشاغل للرئيس هو ضمان استمرار حركته السياسية.
ويرى المحلل السياسي سنان جيدي، الأستاذ الجامعي والباحث البارز في الشؤون التركية بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، أنه إذا ما صعدت طهران الضغط على أنقرة، سيواجه أردوغان تحدي إعادة بناء الردع ضد إيران مع تجنب التصعيد السياسي الخطير.
يُرجّح أن يكون هدف الهجومين الإيرانيين الفاشلين قاعدة إنجرليك الجوية حسب المقال التحليلي الذي نشرته مجلة ذا ناشيونال إنتريست على موقعها . وقاعدة إنجرليك هي منشأة عسكرية رئيسية في جنوب تركيا، تقع مباشرة على مشارف مدينة أضنة. ونتيجة لذلك، أمرت وزارة الخارجية الأمريكية جميع الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم بإخلاء القنصلية في أضنة.
ظاهريا، تُعدّ إنجرليك هدفا عسكريا بالغ الأهمية، ومن شأنه أن يُشكّل صدمةً للقوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في حال نجاح هجوم إيراني عليها. وتُعتبر قاعدة استراتيجية حيوية لتركيا وحلف الناتو ككل لعدة أسباب: فهي أهم قاعدة عسكرية تركية، وتُمثّل مركزا لوجستيا لقوات الناتو في الشرق الأوسط، وتستضيف نحو 1800 جندي ومدني أمريكي إلى جانب جنود أتراك وجنود آخرين من قوات الناتو.
إضافة إلى ذلك، تُعدّ إنجرليك موقعًا لتخزين الأسلحة النووية الأمريكية، حيث تضم ما بين 20 و50 قنبلة ذرية من طراز B-61. كل هذه العوامل تجعل قاعدة إنجرليك تبدو هدفا جذابا، يمكن لإيران أن تضربه لتوجيه ضربة قوية لمعنويات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
لكن من غير الحكمة أن يصر النظام الإيراني على محاولة ضرب قاعدة إنجرليك أو غيرها من المواقع العسكرية على الأراضي التركية، فعلى عكس ممالك الخليج التي تتعرض لقصف إيراني مكثف بالطائرات المسيرة والصواريخ، تمتلك تركيا جيشا تقليديا كبيرا وفعالا، إلى جانب صناعة دفاعية محلية قوية.
وتستمد أنقرة قوتها الجوية من طائراتها المتطورة، وإن كانت قديمة، التابعة لحلف الناتو، بما في ذلك أكثر من 200 طائرة مقاتلة من طراز إف-16 أمريكية الصنع، بالإضافة إلى طائراتها المسيرة القتالية محلية الصنع.
وقد أثار إطلاق إيران النار على تركيا غضب حلف الناتو، وقد يدفع أي هجوم ناجح على الأراضي التركية الدول الأعضاء في المعاهدة إلى بدء مناقشة العمل العسكري الجماعي بموجب المادة 5، بدلًا من الاكتفاء بتعزيز الدفاعات.
ولعل الأهم من ذلك، أن هجمات الحرس الثوري الصاروخية تستفز تركيا بلا داع، بالنظر إلى الجهود التي بذلتها حكومة أنقرة للدفاع عن طهران وتجنب الضربات الأمريكية قبل 28 فبراير/ شباط.
ومنذ اندلاع الحرب، ما زال أردوغان يمنع الطائرات الحربية الأمريكية من دخول المجال الجوي التركي، رافضا أي مشاركة في العمليات الهجومية ضد النظام الإيراني. ولن تُجبر الهجمات الصاروخية الباليستية المتكررة القادة الأتراك على السعي للسلام، بل ستؤدي إلى نفور من ساندوا طهران في الماضي.
ويؤكد الانقسام داخل القيادة العليا الإيرانية المتضررة هذا الاحتمال. بينما اعتذر الرئيس مسعود بيزشكيان عن الضربات التي استهدفت جيران إيران، رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أي ندم، قائلا: "لا جدوى من الحديث عن أي شيء سوى الدفاع والرد الساحق على الأعداء".
هناك عدة سيناريوهات حسب المحلل السياسي التركي، قد تُشعل ردا عسكريا تركيا وتدخلا ما في الحرب مع إيران:
أولا، نجاح هجوم صاروخي للحرس الثوري الإيراني على الأراضي التركية. سواء أصاب الصاروخ هدفه المقصود، أي إحدى القواعد الجوية أو محطات الرادار الرئيسية في تركيا، أو أخطأ الهدف وأصاب منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، فقد تُضطر حكومة أردوغان إلى تحديد مواقع الوحدات أو المواقع المسؤولة وضربها.
ثانيا، تزايد الضغوط من حلفاء تركيا وشركائها للانضمام إلى الحرب، في ظل الهجمات المتكررة من طهران ووكلائها. حتى بمعزل عن مخاوف الناتو، شنت إيران ووكيلها، حزب الله اللبناني، هجمات على أصدقاء أنقرة ومصالحها الاستراتيجية: أذربيجان وقبرص.
فيما يتعلق بادعاءات حماية منطقة الاحتلال ذات الأغلبية التركية في شمال قبرص، أرسلت تركيا بالفعل ست طائرات مقاتلة من طراز إف-16 إلى الجزيرة، رغم أن الحكومة القبرصية لا ترغب في أي حشد عسكري تركي. وإن دوي صفارات الإنذار فوق مواقع الشركاء الرئيسيين، واحتمالية طلب حلف الناتو للمساعدة اللوجستية، من شأنه أن يُمهد الطريق لتدخل تركي.
ثالثا، وبشكل منفصل نوعا ما، تبرز القضية الكردية. فقد أفادت وسائل إعلام عالمية بوجود شائعات عن عمليات استخباراتية أمريكية إسرائيلية لتسليح وتجهيز المتمردين الأكراد الإيرانيين لشن تمرد ضد النظام في 3 مارس/ آذار. هؤلاء المتمردون، بمن فيهم حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) - الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تُكنّ له أنقرة كراهية شديدة، سيخوضون معركة طويلة الأمد من أجل الحكم الذاتي الكردي على طول الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا. وبالنظر إلى سجل أنقرة في التعامل مع القوات الكردية في سوريا، فمن المرجح أن تُشعل انتفاضة حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) هجمات جوية و/أو برية تركية عبر الحدود.
بالنسبة لأردوغان، بقاء الجمهورية الإسلامية يخدم غرضاً جيوسياسيا. فشبكة الجماعات الوكيلة الإيرانية، من حزب الله إلى حماس ، تُبقي الضغط على إسرائيل وتُفتت موازين القوى الإقليمية. هذا التفتت يُتيح لتركيا مساحة استراتيجية لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط والقوقاز وأفريقيا. لكن خطر تحول تركيا إلى ساحة حرب غير مقصودة يُقوّض موقفها كوسيط ويُحد من مناورات أنقرة.
تريد تركيا إضعاف إيران، ولكن ليس استبدالها بحكومة ديمقراطية موالية للغرب يُمكن أن تُصبح منافسا إقليميا قويا وحليفا لإسرائيل. إن نظامًا إيرانيًا مُنهكًا، لا يزال قادرًا على ممارسة ضغوط بالوكالة ضد إسرائيل ، يُسهم في الحد من الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، التي يعتبرها أردوغان ضرورية لطموحات تركيا.
إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر بإطلاق صواريخ على قاعدة عسكرية تركية أو منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، فقد يُؤيد العديد من الأتراك ردا محدودا. مع ذلك، بدأ حزب الشعب الجمهوري المعارض بالفعل في حشد الناخبين ضد أردوغان وسياسته تجاه إيران، مُدعيا أنه مُنفتح جدا على العمل العسكري.
يُعدّ الرأي العام المحلي بالغ الحساسية، إذ يستعد أردوغان لإنهاء ولايته الرئاسية، مما يمهد الطريق لانتخابات مصيرية هي الأهم في تركيا منذ أكثر من عقدين. ومنذ الانتخابات الأخيرة في عام 2023، تراجعت شعبية حكومة أردوغان بشكل ملحوظ بسبب تآكل الديمقراطية، ولا سيما اعتقال مرشح حزب الشعب الجمهوري للرئاسة، أكرم إمام أوغلو، في مارس/ آذار 2025.
هذا، إلى جانب خطة أردوغان الواضحة لدعم ابنه بلال كزعيم لحزب العدالة والتنمية ومرشح رئاسي، قد أدى إلى نفور شريحة واسعة من الشعب التركي، حتى من أشدّ ناخبي الرئيس ولاءً. وإذا رأى أردوغان ضرورة للرد العسكري على الضربات الإيرانية أو تحركات المتمردين الأكراد، فسيكون من الصعب عليه تحديد هدف واضح، ووضع حدود، وإعداد خطة للانسحاب.
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW