في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
صيدا- في باحة مدرسة البزري في مدينة صيدا، يمشي مصطفى الخليل بخطوات متعبة ممسكا بيد طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز عامها الثاني. تتعثر الطفلة بخطواتها القصيرة بين العائلات المنتشرة في الساحة، بينما يراقبها والدها بنظرة تختلط فيها الحيرة بالقلق.
مصطفى، النازح من بلدة كفركلا الحدودية، يقف لحظة وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن يتحدث عن ابنته التي وُلدت في زمن الحرب. وبنبرة يغلفها التعب، قال للجزيرة نت إنها لم تعرف منذ ولادتها سوى أصوات القصف ومشاهد النزوح، متسائلا بمرارة: كيف يمكن للأهالي أن يبنوا مستقبلا لأطفالهم "في ظل هذا الواقع القاسي"؟
حولهم تتحول باحة المدرسة إلى مساحة مكتظة تتقاسمها مئات الأسر التي وجدت في المكان مأوى مؤقتا، هنا يعيش مصطفى وعائلته منذ وصولهم إلى صيدا في ظروف يصفها بأنها صعبة، إذ تنقصهم جوانب أساسية كثيرة من احتياجاتهم، ورغم امتنانه لجهود إدارة المدرسة والمتطوعين الذين يحاولون التخفيف من معاناة النازحين، فإنه يدرك أن إمكانياتهم تبقى محدودة أمام هذا العدد المتزايد من العائلات.
وفي تفاصيل الحياة اليومية داخل مركز الإيواء تتجلى معاناة أخرى؛ فالأسر تفتقر إلى البطانيات واللحافات، ولا تجد ماء ساخنا، مما يجعل استحمام الأطفال أمرا بالغ الصعوبة. وحتى الطعام أصبح تأمينه عبئا إضافيا على كثير من العائلات التي استنزفتها رحلة النزوح الطويلة.
غير أن قصة مصطفى ليست سوى واحدة من عشرات القصص المشابهة داخل هذا المركز، فعلى مقربة منه، يستعيد عباس تفاصيل رحلة النزوح التي قادته من جنوب لبنان إلى صيدا، وكأنها ما زالت ماثلة أمامه بكل ما حملته من تعب وانتظار.
فالطريق الذي يفترض أن يُقطع في ساعات قليلة تحول إلى مسار مرهق استمر أياما، بعدما اضطر عباس وعائلته إلى التوقف مرارا تحت ضغط الازدحام والخوف. وعلى جانبه، أمضوا ليلتهم يفترشون الأرض بانتظار فرصة لمتابعة السير.
وصرح للجزيرة نت بأنهم ناموا على الطريق يوما ونصف يوم تقريبا قبل أن يتمكنوا أخيرا من الوصول إلى صيدا، بعد رحلة اختلط فيها التعب بالقلق على الأطفال والمسنّين.
لكن الوصول إلى مركز الإيواء لم يكن نهاية المعاناة؛ فالحياة داخله لا تخلو من صعوبات يومية. فقد أشار إلى أن المساعدات المتوفرة "جيدة عموما"، غير أن بعض الاحتياجات الأساسية ما زالت تعاني نقصا خصوصا ما يتعلق بالفرش والبطانيات واللحافات، في ظل تكدس العائلات داخل الصفوف الدراسية التي تحولت إلى غرف نوم مؤقتة.
يحاول النازحون التكيف مع واقعهم الجديد، حاملين معهم تعب الطريق الطويل، آملين أن تكون هذه المحطة مؤقتة ريثما يتمكنون من العودة إلى بيوتهم التي تركوها خلفهم على عجل.
في أحد الصفوف التي تحولت إلى غرفة إيواء، تجلس زهراء إلى جانب أطفالها محاولة تدفئتهم بما توفر من أغطية خفيفة، ولا تزال آثار رحلة النزوح الطويلة بادية على ملامحها بعد ساعات مرهقة قضتها على الطريق قبل أن تصل إلى صيدا.
تستعيد تلك المعاناة بمرارة، قائلة للجزيرة نت إنها امتدت إلى داخل مركز الإيواء أيضا، فالبرد يتسلل إلى الغرف التي تفتقر إلى وسائل تدفئة كافية، في حين تعاني العائلات نقصا في البطانيات والفُرش، وهو ما يجعل الليل أكثر قسوة على الأطفال.
ورغم ذلك، وبين القلق على أطفالها والحنين إلى بيتها الذي تركته خلفها، تتمسك زهراء بأمل العودة، مرددة دعاء بأن يحفظ الله الجميع وأن يعود النازحون إلى بيوتهم سالمين.
وفي زاوية أخرى من المركز، يجلس الحاج ياسر بين مجموعة من النازحين يتبادل معهم أحاديث الصبر والرجاء. ورغم قلة المساعدات وكثرة الاحتياجات، لا يكاد يغادر لسانه الحمد، مرددا أن الفرج لا بد أن يأتي، وأن الأمل يبقى في أن تعود العائلات يوما إلى ديارها وأرضها التي اضطرت إلى مغادرتها تحت وطأة الحرب.
تعيش صيدا، بوابة جنوب لبنان، ضغطا إنسانيا متزايدا مع تدفق آلاف النازحين إليها هربا من الغارات الإسرائيلية والتحذيرات العسكرية المتصاعدة على الحدود اللبنانية الجنوبية، وبينما تحولت المدارس والمرافق العامة إلى مراكز إيواء، تبدو المدينة اليوم أمام تحدّ كبير لاستيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين من مناطق القصف.
من جهته، أكد نائب رئيس بلدية صيدا أحمد عكرة للجزيرة نت أن المدينة تمر بمرحلة شديدة الحساسية في ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن التدفق الكثيف للنازحين إليها. وأوضح أنها استقبلت حتى الآن نحو 12 ألف نازح موزعين على 24 مركز إيواء رسمي داخلها، إضافة إلى عدد مماثل تقريبا يقيمون لدى أقاربهم أو معارفهم في الأحياء السكنية.
وأشار إلى أن هذا التدفق الكبير فاق الإمكانات المتاحة، مما أدى إلى نقص حاد في الاحتياجات الأساسية داخل مراكز الإيواء، لافتا إلى أن العجز يقدَّر بنحو 75% من المواد المطلوبة، وفي مقدمتها المواد الغذائية والمستلزمات الطبية وغيرها من الحاجات الضرورية.
ودعا عكرة الجمعيات المحلية والدولية إلى التدخل العاجل لدعم المدينة ومساندة جهود البلدية، مؤكدا أن استمرار تدفق النازحين من دون دعم كافٍ سيزيد من تعقيد الوضع الإنساني.
وقد أصبحت صيدا -وفقا له- عند حدود قدرتها الاستيعابية القصوى، مشيرا إلى أن البلدية تضطر إلى أن تطلب من النازحين الجدد القادمين إليها التوجه نحو مناطق الشمال أو الجبل، لأن المدينة لم تعد قادرة على استقبال أعداد إضافية في الوقت الحالي.
ومع تصاعد القصف الإسرائيلي على قرى جنوب لبنان، تزايدت حركة النزوح باتجاه صيدا التي تحولت خلال الأيام الماضية إلى إحدى أبرز نقاط الاستقبال للنازحين بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط الجنوب بالعاصمة بيروت، وتصل إلى المدينة يوميا مئات السيارات المحملة بالأسر التي تركت منازلها على عجل بحثا عن مناطق أكثر أمنا.
ورغم كونها منطقة استقبال للنازحين، فلم تكن صيدا بمنأى عن الاستهداف الإسرائيلي خلال الأيام الماضية، فقد شُنّت غارات على مواقع داخلها وفي محيطها، بينها مركز تابع ل لجماعة الإسلامية ومبنى المقاصد.
في ظل هذا المشهد، تبدو صيدا اليوم أمام اختبار إنساني صعب، فالمدينة التي تحولت إلى ملاذ لآلاف النازحين تجد نفسها مضطرة للتعامل مع أزمة إنسانية متفاقمة، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة تحد من قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة لحجم الاحتياجات المتزايدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة