آخر الأخبار

خط ديورند.. مدنيّون يدفعون ثمن التصعيد بين أفغانستان وباكستان

شارك

كابل – مع حلول المساء في إحدى القرى القريبة من خط ديورند الفاصل بين أفغانستان و باكستان، كان نور علي يجمع ما تبقى من متاع أسرته على عجل قبل مغادرة منزله، فالقصف الصاروخي الذي بدأ قبل أيام لم يتوقف، وتحوَّلت القرى الحدودية إلى مناطق يسودها الخوف والترقّب.

يقول نور علي، وهو أحد سكان مديرية علي شير في ولاية خوست شرقي أفغانستان، إن معظم سكان المنطقة اضطروا إلى مغادرة منازلهم بعد سقوط صواريخ على القرى القريبة من الحدود.

وأضاف للجزيرة نت: "الهجمات الصاروخية لا تزال مستمرة في منطقة دبغي. وجميع السكان تقريبا غادروا منازلهم. يعيش هنا سكان ثلاث قرى، والصواريخ التي تُطلق من الجانب الباكستاني تسقط على منازل المدنيين".

أوضاع صعبة

وتواجه كثير من العائلات التي نزحت أوضاعا إنسانية صعبة، إذ لا يملك بعضهم مكانا للإقامة، بينما لا يستطيع آخرون تحمّل تكاليف الانتقال إلى مناطق أخرى.

في ولاية بكتيكا المجاورة، وصف الأفغاني محمد الله، من سكان منطقة أنغور أده في مديرية برمل، مشهدا مشابها، حيث إطلاق النار من الجانب الباكستاني لا يزال مستمرا، بينما سقطت قذيفة هاون على أحد المنازل، ونزحت عائلات عديدة إلى مديريتي أرغون وسروبي بحثا عن ملاذ آمن.

وتشير شهادات سكان محليين في ولايات أخرى مثل قندهار وكونر إلى أن استمرار القصف والاشتباكات دفع مزيدا من العائلات إلى مغادرة القرى الحدودية، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهات.

مصدر الصورة أطفال أفغان نازحون بسبب القتال يلجؤون لمأوى مؤقت بمديرية مهمند شرق أفغانستان (الجزيرة)

تصعيد متبادل

وتستمر الاشتباكات بين القوات الأفغانية والباكستانية لليوم الثامن على التوالي على طول خط ديورند، في واحدة من أكثر جولات التوتر حدة بين الجانبين منذ أشهر.

وأعلنت وزارة الدفاع الأفغانية، الخميس الماضي، أنها نفذت هجمات جوية على مواقع للقوات الباكستانية في إقليم بلوشستان، ردا على ما وصفته بهجمات جوية وبرية نفذتها القوات الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية.

إعلان

وقال نائب المتحدث باسم الوزارة صديق الله نصرت، للجزيرة نت، إن القوات الأفغانية استهدفت مقار قيادة ومواقع عسكرية للقوات الباكستانية عبر الحدود، مشيرا إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفها، وإسقاط 3 طائرات استطلاع مسيّرة باكستانية.

في المقابل، أعلن وزير الإعلام في باكستان عطاء الله تارار أن الجيش الباكستاني ألحق خسائر كبيرة ب حركة طالبان منذ بداية المواجهات، مؤكدا تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع داخل أفغانستان.

بينما رفضت وزارة الدفاع الأفغانية هذه الأرقام ووصفتها بأنها "دعاية إعلامية"، مؤكدة أن خسائرها محدودة مقارنة بما أعلنته إسلام آباد، ولا يمكن التحقّق بشكل مستقل من صحة الأرقام.

جذور التوتر

ويرتبط التصعيد الأخير باتهامات متكررة من إسلام آباد للحكومة الأفغانية بإيواء عناصر من " حركة طالبان باكستان"، وهي جماعة مسلّحة تنشط ضد الدولة الباكستانية. لكنّ كابل تنفي هذه الاتهامات، وتؤكد أنها لن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد أي دولة.

مصدر الصورة نازحون في أحد المخيمات المؤقتة على طول خط ديورند بفعل التصعيد العسكري الأخير (الجزيرة)

خط ديورند

ويمتد خط ديورند على طول نحو 2.640 كيلومتر بين أفغانستان وباكستان، ويعتبر الحدود الفاصلة تاريخيا منذ اتفاق بريطانيا مع الإمبراطورية الأفغانية عام 1893.

ورغم اعتراف باكستان به كحدود دولية، ترفض الحكومة الأفغانية السابقة، وحكومة طالبان الآن، ذلك رسميا، معتبرين أن بعض الأراضي الواقعة على الجانب الباكستاني تاريخيا أفغانية.

ويُشكّل هذا النزاع التاريخي حول خط ديورند خلفية رئيسية للتوترات الحالية، إذ غالبا ما تتهم باكستان طالبان الأفغان بإيواء مسلحين على الجانب الأفغاني، يستخدمون الأراضي الحدودية لتنفيذ هجمات ضد الجيش الباكستاني، بينما تؤكد الحكومة الأفغانية أنها لن تسمح باستخدام أراضيها ضد أي دولة.

وتحوّلت القرى الحدودية الواقعة على طول خط ديورند إلى مناطق متأثرة بشكل مباشر بالصراع، حيث اضطر آلاف المدنيين للنزوح مع استمرار القصف والاشتباكات المتبادلة.

أبعاد سياسية

ويرى محللون أن التوتر بين كابل وإسلام آباد يتجاوز كونه مجرد اشتباكات حدودية، إذ يرتبط بملفات أمنية وسياسية معقّدة تراكمت خلال السنوات الماضية.

وقال الباحث في شؤون جنوب آسيا منكل عزيز، للجزيرة نت، إن الخلاف بين الجانبين يتمحور أساسا حول ملف الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة "طالبان باكستان".

وأضاف أن إسلام آباد ترى أن وجود عناصر من هذه الجماعة داخل أفغانستان يُمثّل تهديدا مباشرا لأمنها القومي، في حين تؤكد السلطات في كابل أن مسؤولية الأمن داخل الأراضي الباكستانية تقع على عاتق إسلام آباد نفسها.

وأشار منكل إلى أن التصعيد العسكري الأخير قد يعكس أيضا حالة فقدان الثقة بين الطرفين، موضحا أن العلاقة بين طالبان وباكستان التي اتسمت في السابق بدرجة من التقارب تمر حاليا بمرحلة توتر غير مسبوقة منذ عودة الحركة إلى الحكم في أفغانستان عام 2021.

من جهته، رأى المحلل الأفغاني حارث حسن أن الاشتباكات الأخيرة تحمل كذلك رسائل سياسية تتجاوز البُعد العسكري المباشر.

إعلان

وقال للجزيرة نت إن التصعيد قد يكون محاولة من الطرفين لإظهار قدرتهما على الردع أمام الرأي العام الداخلي، خاصة في ظل الضغوط الأمنية التي تواجهها باكستان من الجماعات المسلحة، مقابل سعي حكومة طالبان إلى تأكيد سيطرتها على الحدود.

وحذّر حسن من أن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية وأمنية أوسع في المناطق الحدودية، التي تعاني أصلا من ضعف الخدمات والبنية التحتية، مشيرا إلى أن أي تصعيد طويل الأمد قد يفتح الباب أمام توترات إقليمية أكبر في جنوب آسيا.

مصدر الصورة منزل مدمر في ولاية كونر شرقي أفغانستان عقب القصف والاشتباكات بين القوات الأفغانية والجيش الباكستاني (الجزيرة)

تحرّكات دبلوماسية

وكانت قد بدأت تحرُّكات دبلوماسية لاحتواء الأزمة، حيث أعلن ضمير كابولوف، المبعوث الخاص ل روسيا إلى أفغانستان، أن موسكو مستعدة للوساطة بين طالبان وباكستان لخفض التوتر.

كما أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن استعداد بلاده للمساهمة في جهود استعادة وقف إطلاق النار بين الجانبين.

وهذه التحرُّكات تعكس مخاوف إقليمية من تحوُّل التوتر الحدودي إلى مواجهة أوسع قد تؤثر على استقرار المنطقة.

قلق دولي

من جانبها، أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، نزوح نحو 118 ألف شخص من منازلهم، بينهم حوالي 115 ألفا في أفغانستان، و3 آلاف في باكستان، جرّاء الاشتباكات الحدودية والغارات المتبادلة بين القوات الأفغانية والجيش الباكستاني.

وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن استمرار القتال يُهدد حياة المدنيين ويعرقل وصول المساعدات الإنسانية، داعيا الطرفين إلى وقف العنف وحماية المدنيين.

مصدر الصورة مخيمات مؤقتة في ولاية ننغرهار يستضيف النازحين الفارّين من القصف على خط ديورند (الجزيرة)

المدنيون في الواجهة

بينما تتصاعد الاتهامات المتبادلة، يبقى المدنيون في القرى الحدودية أول المتضررين، وهنا بجوار خط ديورند، لم يعد السكان يتحدثون عن السياسة أو النزاعات الحدودية، بقدر ما يبحثون عن مكان آمن لحماية أطفالهم من القصف.

ومع استمرار التوتر العسكري، تتجه الأنظار إلى الجهود الدبلوماسية لترقّب قدرتها على احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى مواجهة أوسع بين الجارتين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا