طولكرم- وسط ساحة مسجد ابن تيمية في ضاحية شويكة بمدينة طولكرم شمالي الضفة الغربية وقفت عبير شحادة (59 عاما)، بانتظارنا، لا لاصطحابنا إلى المسجد، ولكن لتدلنا على المكان الذي تحوّل لمنزل لها منذ أكثر من عام.
لجأت عائلة عبير، المكونة من 6 أفراد، بعد أشهر من النزوح من مخيم نور شمس شرقي المدينة إلى المسجد المذكور، واضطرت للسكن في قبو أسفل المسجد يتكون من غرفة وصالة، وتنبعث منه رائحة الرطوبة، ويغلف جدرانه الوسخ والعفن.
وفي زاوية الصالة علّقت عبير قطعة قماش لتفصل بها المكان عن بقية أجزاء المنزل، وتجعل منه مناما لأبنائها الشباب، فالخصوصية أضحت معدومة في هذا المنزل، تقول عبير.
وعلى غير عادة البيوت الفلسطينية في يوم صيام عادي، لم تنبعث من داخل سكن عبير رائحة طعام، ولم تظهر في الجزء الذي اقتطعته من المنزل وحوّلته إلى مطبخ صغير أي تجهيزات للإفطار وتحضير السُفرة.
وتقول للجزيرة نت إن أولادها طلبوا المُسخَّن (أكلة تقليدية فلسطينية) لإفطار اليوم، لكن زيت الزيتون وهو المُكوّن الأساسي فيها غير مُتوفِّر، لذا ستكتفي العائلة بما قد يحضره أهل الخير من طعام.
وبكثير من الحنين تحدّثت عبير، عن أيام الخير في المخيم، حين كان الناس عائلة واحدة كبيرة، يتعارفون ويساعد بعضهم بعضا، وتقول إنها أصبحت -بعد النزوح- تكتفي بصنف واحد من الطعام على سفرة الإفطار، إن توفّر أصلا، وإنها تعرّفت على معنى "الكوبونات" (طرود المؤن والطعام الخيرية) بعد نزوحهم من المخيم، وإن أكثر ما يثقل قلبها كلمة نازح، وترى أن هذا الوصف "ثقيل جدا" عليها.
ولا تقتصر معاناتها وعائلتها على شح المال، وانعدام فرص العمل، بعد فقد زوجها مصدر رزقه قبل عامين، مع بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، لكن العائلة التي تشتَّتت بعد نزوحها، تعيش اليوم إحساس الاغتراب في بلدها، حيث لا علاقات اجتماعية مع المحيط، ولا اختلاط بالجيران إضافة لنزوح أقاربهم إلى مناطق متفرقة وبعيدة، وقلة التواصل بينهم.
ويعتبر اللاجئون في مخيمات الضفة الغربية أن منازلهم فيها أوطان مؤقتة، ويرون أن لا مناص من عودتهم لمدنهم وقراهم التي هُجّروا منها في نكبة عام 1948، لكن تدمير الاحتلال لهذه المخيمات أحدث شرخا في أرواحهم، تضيف عبير.
وبغصّة كبيرة تحدثت عبير عن اليوم الذي أُبلغت فيه بقرار هدم منزلها في المخيم قائلة "كان يوما صعبا جدا، حيث ذهبنا لنشهد هدم الاحتلال لمنزلنا، فنحن في عائلة شحادة هدم لنا 8 منازل، وسويت بالأرض بشكل كامل".
وعلى مدى أكثر من عام تمسّك النازحون بمخيمات شمال الضفة، ومنهم عبير، بأمل انسحاب الاحتلال من مخيماتهم والعودة إليها، لكن هذا الأمل بات يتضاءل يوما بعد آخر، لا سيما بعد تمدد فترة وجود الجيش الإسرائيلي واتساع رقعة الهدم والتدمير فيها.
وتضيف عبير "الأمل أصبح مرهقا، ويُعمّق شعورنا بالألم، وكنّا نظن أن العملية قد تستمر لأسابيع، ثم أقنعنا أنفسنا أن الاحتلال سينسحب بعد شهرين أو 3، وهكذا حتى تجاوزنا العام. اليوم حتى وإن غادر الاحتلال لا يمكن العودة للمخيم، قد يعود من بقي بيته، أو من هُدم منزله بشكل جزئي، لكن نحن لا فرصة لنا في العودة أبدا".
وفي ضاحية إكتابا قرب طولكرم، استقر الحال بالمواطنة سهام بعد نزوحها وإخوتها الستة وشقيقتها من مخيم نور شمس، فالاحتلال هدم منازلهم كلها، وتسبب بتشتُّتهم مع عوائلهم. وتقول إنها تتنقل في العيش بين منازل إخوتها الستة في أماكن نزوحهم، فهي أرمله، ولم تنجب أولادا، ولا يمكنها حتى استئجار غرفة واحدة لتعيش فيها.
وتصف سهام للجزيرة نت رحلتها خلال عام من النزوح، بأنها شاقة ومتعبة، وتقول عن شقيقتها التي نزحت وهي مصابة بالسرطان، قبل أن تُتوفى في مكان نزوحها، "الحمد لله أنها لم ترَ، الجرّافات وهي تهدم منازلنا، فهذا المشهد كان سيصيبها بجلطة تضاعف مرضها وعذابها".
وتتابع أن المنازل في المخيم "كانت سترا ومأوى للناس، وهذا ما نفتقده في النزوح الذي كشف مآسيَ كثيرة، فلا عمل ولا مصادر للرزق ولا أمان، والمصاريف مضاعفة، إضافة لتراجع في الخدمات الطبية، حيث كنّا نتعالج في عيادات المخيم، واليوم لا أجد ثمن أدوية الضغط والسكري الخاصة بي". وتؤكد سهام أن ما يحدث معهم اليوم أقسى وأمر مما حدث مع أهاليهم عام 1948.
وتشير أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا) إلى تهجير نحو 45 ألف فلسطيني منذ عملية "السور الحديدي" العسكرية الإسرائيلية في يناير/كانون الثاني عام 2025، في حين سُجلت أكثر من 3140 عملية هدم وتدمير في الضفة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي مخيم طولكرم هجّر الاحتلال قرابة 16 ألف فلسطيني، في حين نزح 11 ألفا من مخيم نور شمس إلى مناطق وأحياء في مدينة طولكرم. وفي مخيم جنين هُجّر قرابة 21 ألف شخص، ودمّر الاحتلال 1900 شقة سكنية بشكل كامل، ولا يزال مصير هؤلاء النازحين غير مستقر ومعاناتهم مستمرة في المناطق التي نزحوا إليها.
وحسب الأونروا، فإن نحو 13 مدرسة تابعة لها وتخدم 5 آلاف طفل في مخيمات شمالي الضفة الغربية مغلقة منذ بدء عملية "السور الحديدي".
وحتى اليوم، يُضطر الطلاب النازحون للتوجُّه إلى المدارس الحكومية الأقرب لمكان نزوحهم وهو ما يُحمل أهاليهم أعباء إضافية، مادية واجتماعية.
وأشار تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، صدر في 13 فبراير/شباط الماضي، إلى أوضاع المُهجّرين قسرا من المخيمات، وقال "يقيم معظم المهجّرين حاليا في مساكن مستأجرة. ولكن الأسر النازحة عاجزة، وبدرجة متزايدة، عن تحمُّل تكلفة أسعار الإيجار الباهظة للغاية".
وأضاف التقرير "يقيم نحو 100 أسرة حاليا في 6 مراكز إيواء عامة في طولكرم ونحو 65 أسرة في مركزي إيواء عامّين في جنين، ولا يزال العمل جاريا على إعداد خطط لإنشاء مركزي إيواء آخرين في مدرستين بمدينة جنين لمعالجة الحاجة المتزايدة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة