في خطوة وصفها البعض بالتاريخية، وتحت وطأة التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، أعلنت الحكومة اللبنانية الاثنين عن حظر أنشطة حزب الله الأمنية والعسكرية مؤكدة أن السلطة وحدها تملك قرار السلم والحرب، كما كلفّت أجهزة الدولة باتخاذ ما يلزم من إجراءات ل حصر السلاح بيد الدولة.
وقد جاء هذا القرار غداة إطلاق حزب الله بضعة صواريخ على شمال إسرائيل مساء الأحد سارعت إثره تل أبيب إلى شن غارات على الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت التي شهدت قصفا خلّف مقتل أكثر من 52 شخصا وأكثر من 149 جريحا.
اللافت أن القرار حظي بالإجماع حتى من قبل الوزراء الشيعة في الحكومة والذين يمثلون حركة أمل بزعامة رئيس البرلمان نبيه بريّ الحليف الوثيق لحزب الله.
ولم يتأخر رد الحزب على قرار الحظر الذي اتخذته حكومة نواف سلام حيث قال نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي إن إسرائيل لم تكن بحاجة إلى ذريعة لتشنّ هجوما على لبنان، مستنكرا "احتجاج حكومة سلام على مقاومة الاحتلال بدل الاستفادة منها" وفق تعبيره.
كما أطلق قماطي تهديدا مدوّيا تجاه إسرائيل قال فيه :" العدوّ أرادها حربا مفتوحة فلتكن حربا مفتوحة".
منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1989، استطاعت تركيبة الجيش اللبناني أن تتجاوز النعرات الطائفية، وأصبح لبلد الأرز جيش وطني موّحد يدين بالولاء للدولة لا للطائفة والمذهب، لتُطوى بذلك صفحة مظلمة في تاريخ لبنان حيث كانت للمليشيات المسلّحة الكلمة الفصل قبل أن تُحلّ في ربيع 1991 ويتم الشروع في بناء الجيش.
لكن هذا الجيش الذي يحظى بإجماع الشعب والسلطة يفتقر رغم شرعيته، إلى الوسائل التي تمكّنه من أداء مهامه الدستورية والحفاظ على أمن الوطن داخليا وخارجيا. إذ لا أسلحة ثقيلة لديه ولا مقاتلات حربية ولا مضادات أرضية، ولا ميزانية مناسبة في بلد على شفا الإفلاس الاقتصادي. ومن هنا جاء الإعلان عن مؤتمر دعم الجيش المرتقب انعقاده في باريس بعد ثلاثة أيام إذا لم يتم إلغاؤه في ظل اشتعال الجبهة اللبنانية وانخراط حزب الله في المواجهة الدائرة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.
وقد كانت الحرب الأخيرة والحروب التي قبلها، خير شاهد على عجز الجيش اللبناني على صدّ الهجمات المدمّرة التي شنتها إسرائيل ولا منعها عن احتلال مناطق استراتيجية في بلاده. في الوقت ذاته، فإنه لم يستطع الوقوف بوجه حزب الله في حربه ضد الدولة العبرية وقبلها مشاركتُه في الحرب الأهلية السورية . ولأن الطبيعة تخشى الفراغ، فقد حلّ الحزب محلّ الجيش في مواضع كثيرة نظرا لإمكانياته العسكرية التي كانت إيران مصدرَها الأساسي.
ثمة نقطة أخرى، من يضمن أن هذا الجيش الوطني الذي يضمّ في صفوفه جنودا وضباطا شيعة، سيبقى موحّدا إذا ما طُلب منه نزع سلاح حزب الله الشيعي؟
لذلك وبدون مدّ الجيش بالأسلحة الثقيلة والدفاعات الجوية وبدون ميزانية مالية تمكنه من تجهيز قوته بالمعدات اللازمة وتضمن لجنوده العيش الكريم، فإنه سيبقى رهين التجاذبات والحسابات السياسية داخليا وخارجيا.
وإن وُجد التجهيز، فهل سيكون للجيش اللبناني الحقّ في الردّ على الهجمات الإسرائيلية اليومية أم أنه سلاحه سيكون وقتها رهين المخازن والمستودعات في غياب التفويض السياسي داخليا والمحاذير الخارجية؟
من يتابع أدبيات التنظيم وعلى مدى السنوات والأشهر الأخيرة، يبدو الحزب مصمّما على موقفه الرافض لنزع سلاحه رغم الضربات التي تلقاها على يد إسرائيل منذ أكتوبر 2023 والتي كان أهمّها وأشدّها إيلاما اغتيالُ أمينه العام حسن نصر الله في سبتمبر 2024.
فحزب الله رفض مؤخرا مهلة الأربعة أشهر التي مُنحت للجيش في إطار خطة نزع سلاح التنظيم قبل الانتقال للمرحلة الثانية. وحجة التنظيم في هذا أن إسرائيل لم تتوقف عن انتهاك سيادة لبنان بشكل شبه يومي عبر شنّ آلاف الغارات منذ اتفاق وقف إطلاق النار.
ويعني القرار، أن الجيش والسلطات الأمنية مطالبون بملاحقة مطلقي الصواريخ من عناصر حزب الله وتقديمهم للعدالة. ومن هنا جاء الرد القوي من نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي الذي وصف الحكومة "بالخارجة عن القانون الدولي الذي يجيزللشعوب مقاومة الاحتلال" وفق تعبيره.
وأمام هذا الإصرار على التمسك بالسلاح، يضع القرارُ الجيش "في وجه المدفع" إن صحّ التعبير. فكيف سيواجه حزبَ الله إذا ما رفض تسليم ترسانته وما مدى احتمالية حدوث مواجهة بين الطرفيْن رغم أن الحزب أكّد في أكثر من مناسبة أنه لن يرفع السلاح بوجه أي جندي أو ضابط لبناني.
إن حزب الله الذي رأى النور عام 1982 أي في أوج الحرب الأهلية اللبنانية، ليس مجرد تنظيم مسلّح رفع شعار مقاومة إسرائيل وخاض عدة حروب ومواجهات ضد الدولة العبرية أدت إحداها لانسحاب تل أبيب من الشريط الحدودي الذي كانت تحتله منذ عام 1978.
فالتنظيم حاضر بقوة في المشهد السياسي عبر انخراطه في العملية الانتخابية وفوز بعض عناصره بمقعد في البرلمان وكرسي في الحكومات المتعاقبة، وقد استطاع على مدى عقود إيجاد موطئ قدم له في النسيج الاجتماعي اللبناني، فأصبحت لديه مؤسسات تعليمية وصحية ومالية وإعلامية وفّرت له شعبية نظرا للدعم الذي كان يقدمه من قروض ميسّرة وخدمات ما جعله يثبّت حضوره داخل بيئته ويعطي كل الزخم لعبارة مفادها أن "حزب الله دولةٌ داخل دولة".
المصدر:
يورو نيوز