القدس المحتلة- يتمثل الهدف المعلن للعملية العسكرية التي أطلقت عليها تل أبيب اسم "زئير الأسد" في إسقاط النظام الإيراني، في حين يبقى قرار توسيع نطاق العمليات أو حصرها مرتبطا بالقيادة الأمريكية، وسط احتمالات تصعيد إقليمي يشمل دولا وقوى إقليمية إضافية مثل الحوثيين في اليمن.
وشملت العملية استهداف القيادة العليا للنظام ومراكز القوة الأمنية والسياسية، في مسار متدرج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران الدفاعية وتحقيق تغيير جذري في السلطة.
وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد نفذتا ضربات على مواقع إستراتيجية في طهران التي ردت بعملية عسكرية مضادة سمتها "الوعد الصادق 4".
وتعمل الضربات على خلق ظروف لفرض حصار محكم على إيران، مع الاستمرار في استهداف النظام وقوات الأمن، في مسعى لإحداث تغيير داخلي محتمل وتحقيق أهداف إستراتيجية طويلة المدى.
بدأت العملية، صباح السبت، بهجوم جوي إسرائيلي مكثف استهدف الدفاعات الجوية الإيرانية لضمان التفوق الجوي، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة لتوسيع نطاق الضربات وتعزيز تأثيرها، مع التركيز على تحييد وابل الصواريخ الإيرانية الأولى ومنظومات الدفاع الجوي القصيرة والطويلة المدى.
ويقوم نمط "زئير الأسد" على مرحلتين، حسب محلل الشؤون الاستخبارية والعسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي، الأولى تبدأ بهجوم جوي إسرائيلي مكثف يستهدف مواقع محددة داخل طهران، تعقبه مرحلة ثانية تدخل فيها الولايات المتحدة بثقلها العسكري الكامل لتوسيع نطاق الضربات وتعزيز تأثيرها.
وحسب بن يشاي، يتمثل الهدف المركزي للهجوم المشترك في تحييد وابل الصواريخ الإيراني الأول، الذي كان -وفق تقديره- جاهزا للإطلاق من منصات تحت الأرض وأخرى مكشوفة، وذلك لمنع رد سريع ومكثف على الضربة الافتتاحية.
إلى جانب ذلك، استهدفت العملية ما تُعرف بـ"أهداف النظام"، فضلا عن ما تبقى من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، ومنها الدفاعات القصيرة المدى. ويهدف هذا المسار، بحسب تحليله، إلى تأمين الأجواء أمام الصواريخ الأمريكية البعيدة المدى مثل صواريخ " توماهوك"، ومنع اعتراضها أثناء تنفيذ المرحلة اللاحقة من الهجوم.
ويضيف أن هذا الواقع يفرض على الجانب الإيراني إعادة التخطيط وإعادة التموضع تحت نيران مستمرة، وهو ما يَحُد من قدرته على تنفيذ رد واسع ومكثف في وقت واحد.
ولهذا، فإن عمليات إطلاق الصواريخ اتجاه إسرائيل -وفق التقدير ذاته- تجري بأعداد محدودة نسبيا، لا تتجاوز العشرات في كل مرة، بدلا من إطلاق مئات الصواريخ دفعة واحدة. كما أنها تُنفَّذ بصورة متواصلة ومتقطعة، وعلى فترات متباعدة، وليست ضمن موجات متتالية وكثيفة كما كان متوقعا في سيناريوهات سابقة.
ويرى أن هذا النمط يفرض على الإسرائيليين البقاء مُددا أطول في المناطق المحمية والملاجئ، لكنه في المقابل يقلل من مستوى الخطر الفوري، إذ يخفف من احتمال التعرُّض لوابل صاروخي واسع ومركز في وقت قصير.
من جانبه، رأى المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، في تقديراته عن أبعاد الحرب الجارية أن الهدف المعلن يتمثل في العمل المشترك بين إسرائيل والولايات المتحدة لإسقاط النظام في إيران، لكن استكمال هذا المسار حتى نهايته يبقى مرهونا بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يملك مفاتيح توسيع العملية أو حصرها ضمن سقف محدد.
وأشار هرئيل إلى أن الولايات المتحدة تقود الجزء الأكبر من العمليات عبر هجمات مكثفة نفذتها طائرات مقاتلة ومسيَّرات استهدفت مئات الأهداف داخل إيران، لكنَّ دور الجيش الإسرائيلي -برأيه- ليس ثانويا. فقد استشعر النظام في طهران خطورة التحرك المشترك، فردَّ بهجمات مضادة طالت دولا لم تعلن رسميا مشاركتها الفعلية في الحرب، مما يعكس اتساع دائرة الاشتباك واحتمال انزلاقه سريعا إلى تصعيد إقليمي أوسع.
وتقدّر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن عملية "زئير الأسد" الحالية تتجاوز من حيث الحجم والتعقيد هجوم "الأسد الصاعد" الذي وقع في يونيو/حزيران 2025. ويرى هرئيل أن محاولات الاغتيال والضربات المركزة لا ينبغي النظر إليها بأنها عمليات منفصلة، بل هي جزء من إستراتيجية شاملة يُعوَّل عليها لإضعاف النظام تمهيدا لاحتمال انهياره.
في المقابل، لفت إلى أن إيران رفعت منسوب ردها هذه المرة بصورة واضحة، إذ جاء الرد سريعا وواسع النطاق، وشمل إطلاق وابل من الصواريخ اتجاه إسرائيل، إضافة إلى استهداف قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، في تطور يعكس انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر حساسية.
ويرجّح هرئيل أن يتجه الصراع إلى مزيد من الكثافة والاتساع الجغرافي، مع احتمال دخول قوى إقليمية إضافية على خط المواجهة، من بينها الحوثيون في اليمن الذين صدرت عنهم بالفعل إشارات تهديد أولية. كما يستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال إطلاق صواريخ من جبهات أخرى مثل لبنان والعراق واليمن.
التقدير ذاته تبناه رئيس تحرير موقع "زمان يسرائيل" ديفيد هورويتس، الذي يرى أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المباشر على إيران يشكل لحظة مفصلية ذات تداعيات عميقة، ليس فقط على مستوى المواجهة الثنائية بل على توازنات النظام الدولي برمّته.
وأشار إلى أن الهدف يتجاوز الضربة العسكرية التقليدية إلى محاولة تغيير بنية الحكم في طهران، إذ يعد ترمب الإيرانيين بالسيطرة على بلادهم بعد الهجوم، لكن النظام الإيراني أعد سيناريوهات مضادة لمواجهة هذا المسار.
ولفت إلى أن مآلات هذه المواجهة لن تنعكس على طرفي الصراع فحسب بل ستؤثر في معادلات أوسع، إذ إن جزءا كبيرا من استقرار النظام الدولي بات مرتبطا بنتيجة هذا الاشتباك المفتوح.
وأكد أن طبيعة الهجوم الأخير تختلف عن سابقاته من حيث الحجم والنطاق، إذ لا تقتصر على استهداف بنى عسكرية بل تمتد لتشمل مواقع مرتبطة بالقيادة العليا، بما يعكس -وفق تقديره- توجها واضحا نحو تقويض النظام نفسه لا مجرد ردعه.
وفي المقابل، يطرح هورويتس احتمال أن يكون النظام في طهران قد خلص إلى أن تحمُّل ضربة عسكرية واسعة أقل كلفة من القبول بشروط يَعُدها مذلة أو مضعِفة لهيبته. بل قد يراهن -بحسب القراءة ذاتها- على قدرته على الصمود في وجه الهجوم، والخروج من المواجهة محتفظا بتماسكه، في وقت قد تبدو فيه الولايات المتحدة وإسرائيل عاجزتين عن ترجمة التفوق العسكري إلى إنجاز إستراتيجي حاسم.
استعرض المراسل العسكري في صحيفة "معاريف" آفي أشكنازي مراحل الضربة العسكرية التي نفذتها إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي والجيش الأمريكي عملا وفق خطة عمليات معدَّة سابقا منذ أشهر.
وأوضح أن الهجوم بدأ بضربة افتتاحية استباقية استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية لضمان التفوق الجوي، بالتزامن مع ضرب مراكز القوة في النظام والمؤسسة الأمنية، تمهيدا لما وصفها بإمكانية انقلاب داخلي للشعب الإيراني ضد نظام آية الله الذي يحكم منذ 47 عاما.
ونُفذ الهجوم في وقت واحد على مواقع عدة في طهران، حيث كان يوجد كبار القادة السياسيين والأمنيين، مستندا إلى جهود استخبارية دقيقة من جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية لتحديد اللحظة الأنسب لنجاح العملية. ومع ذلك، فقد جاء اختيار الصباح بدل الليل ليحقق عنصر المفاجأة التكتيكية مرة ثانية، رغم الاستعدادات المكثفة التي اتخذها الإيرانيون.
وأشار أشكنازي إلى أن المرحلة الحالية للحملة تمثل سباقا مع الزمن للقوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية لضرب البنية التحتية الصاروخية، لمنع أي إطلاق محتمل اتجاه إسرائيل أو القواعد الأمريكية وحقول النفط في الخليج العربي.
أما المرحلة الثالثة -حسب تقديره- فتهدف إلى فرض حصار محكم على إيران، مع مواصلة استهداف النظام وقوات الأمن، وتهيئة الظروف المناسبة لدفع المواطنين نحو تنفيذ انقلاب داخلي، في إطار ما وصفه بالمسار الشامل لإضعاف النظام وإحداث تغيير جذري في السلطة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة