آخر الأخبار

الحرب قد اشتعلت والمنطقة تندفع نحو المجهول

شارك

كما كان متوقعا، بدأ هجوم أمريكي ـ إسرائيلي مشترك على إيران، يشق هذه المرة مسارا مختلفا، إذ لا يقتصر الهدف عند المهاجمين على تدمير قدرات إيران العسكرية، سواء الصاروخية أو المتجهة إلى امتلاك سلاح نووي، حسبما تقول واشنطن وتل أبيب، إنما يستهدف إسقاط نظام الحكم.

يسوّق المهاجمون ما أقدموا عليه من عدوان على أنه "ضرورة" لهم، و"فرصة" للشعب الإيراني كي يتحرر، وسط استعادة استعارتين من التاريخين القديم والمعاصر، على حد سواء، وهي مسألة باتت معهودة في مختلف الحروب التي خاضتها إسرائيل والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كجزء من الحرب النفسية ضد الخصم، ومحاولة تعبئة الجبهة الداخلية خلف الجيش، أو تلطيف غلواء العدوان في المخيلة والذهنية لصفوة الناس وعمومهم عبر أرجاء العالم.

فقد رأينا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصل الحاضر بالماضي البعيد عن قائد يهودي طُرد من بلاد فارس ثم جمع فلول جيشه وأشتاته، وانتصر على من طردوه، وهي رواية لا دليل قاطعا عليها، إنما هي ضمن الأساطير المستعادة، دينية كانت أو تاريخية أو متخيلة على لسان نتيناهو، وغيره من ساسة إسرائيل.

ورأينا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يسترجع استعارة "حرب التحرير" التي سبق أن طُرحت قبيل إسقاط نظام صدام حسين، وثبت أنها أتت للعراقيين بالمعاناة والفقر والخوف، وليس بالحرية.

ثم تتلاقى الاستعارتان في استعارة ثالثة جامعة هي "زئير الأسد"، حسب المسمى الذي تم إطلاقه على الحرب الراهنة، وهي استعارة محملة بكل الدلالات القادمة من قوانين الغابة، حيث الصياد والفريسة.

هذه الاستعارات الثلاث تحيط بما أسماه نتنياهو: "إزالة خطر وجودي على إسرائيل"، وبالطبع تمسّ ما تراه السلطة في إيران خطرا وجوديا عليها، إذ هي المرة الأولى التي تعلن فيها واشنطن وتل أبيب معا العمل على إسقاط النظام الإيراني الحاكم عبر الحرب المفتوحة، بعد أن كانتا في السابق تكتفيان بتحريض الداخل الإيراني على السلطة، أو النفخ في أوصال أي هبّة أو انتفاضة أو غضبة واسعة كي تكمل طريقها نحو إطاحة الحكم الذي أتت به الثورة الإيرانية عام 1979، أو الاكتفاء بضرب حلفاء إيران في بلدان عربية، أو وجود إيران على أرض سوريا المجاورة.

إعلان

وفي السابق أيضا، كانت الضربات الأمريكيةـ الإسرائيلية تستهدف تقليم المخالب العسكرية الإيرانية، أو تعويقها، دون حديث مباشر وجهوري عن إسقاط النظام، وكانت طهران تدرك هذه المعادلة، وتعمل على امتصاص الضربة أو تفويتها، وتعويض ما ينتج عنها من خسائر، ثم مواصلة الطريق نحو تطوير القدرات العسكرية، ومن ثم كان باب العودة إلى المفاوضات يظل مواربا، وممارسة لعبة كسب الوقت بالنسبة للإيرانيين لا تتوقف، ولا يتوقفون هم عن إدارتها بمهارة.

إن ما بعد هذه الحرب التي بدأت قبل ساعات غير ما قبلها. فحروب الوجود ذات الخيارات الصفرية لا تترك ندوبا ولا خدوشا على السطح، إنما تحفر آثارا مبرّحة وجارحة في الأعماق

هذه المرة لم تعد لدى النظام الإيراني أي فرصة لكسب وقت، أو ممارسة حذر، أو التدرج المحسوب وفق ما تسميه طهران: "الصبر الإستراتيجي"، أو الاكتفاء بتحريك الجبهات التي صنعتها أو ساندتها إيران في المنطقة كخط دفاع أو أوراق ضغط، ما دام أن الأمر يتعلق بإسقاط النظام، وهو- إن جرى وفق المخطط المعلن من قبل واشنطن وتل أبيب- سيعقبه تهديد وجودي للدولة الإيرانية، بغض النظر عمن يحكم.

وهذا راجع إلى أشياء راسخة ترتبط بخلفيات التركيبة السكانية في إيران، حيث الاختلاف العرقي والمذهبي والثقافي والإحن التاريخية، وأشياء طارئة تتعلق بالتوعك الاقتصادي والخلاف السياسي.

ولعل إدراك القيادة الإيرانية للمعادلة الجديدة، أو لطبيعة الحرب هذه المرة، هو ما جعلها تقوم بأمرين متزامنين، بشكل غير مسبوق على هذا النحو، وهما:


* الرد على الهجوم دون انتظارٍ لساعات مثلما جرى من قبل.
* وتوسيع رقعة المواجهة لتشمل كل إسرائيل، وكافة القواعد الأمريكية في المنطقة.

هذا التصرف بقدر ما يعبر عن ذهاب إيران إلى حرب مفتوحة بكل إمكانياتها، فهو يشرع كل النوافذ المؤدية إلى إطالة أمد الهجوم عليها، فلا الولايات المتحدة ستتهاون في استهداف قواعدها، بهذه الطريقة التي تحمل كل هذا التحدي السافر، وبشكل مباشر من الحرس الثوري الإيراني، ولا إسرائيل ستترك فرصة سنحت لها بإنهاء ما تراه خطرا إيرانيا دائما عليها، مع دخول الولايات المتحدة الحرب بطاقة عالية على هذا النحو غير المسبوق.

لكن المعادلة لن تقف فقط عند حدود ما قرره القادة في مكاتبهم، ولا ما يقدره العسكريون في ميادين القتال، بل ستمتد إلى ما تراه الشعوب لاحقا. فالسلطة في إيران ستكون قادرة على مواصلة الرد القوي، سواء بانتقام سريع، أو بحرب استنزاف طويلة الأمد، إن التفّ الشعب الإيراني حولها، والعكس صحيح.

وسيجد نتنياهو نفسه في حاجة إلى مراقبة مدى قدرة الشعب الإسرائيلي على التحمل إن استمرت الصواريخ الإيرانية في السقوط على رأسه، لا سيما أن حرب الـ12 يوما السابقة أظهرت قدرة إيران على إيذاء الداخل الإسرائيلي، وهو ما ترجمه عدد طلبات التعويض عقب توقف القتال، إذ بلغ 75 ألف طلب.

من جانبه، ذهب الرئيس الأمريكي إلى الحرب وهو يواجه اعتراضات داخلية من بعض الديمقراطيين، وأعضاء من النخبة الأمريكية، السياسية والثقافية والاجتماعية، وسط انخفاض شعبيته إلى 36% في أدنى نسبة لها منذ عودته إلى الحكم في فترته الرئاسية الثانية، ووسط عبء تسويق الدفاع عن إسرائيل، مع تأثر قطاع عريض من الشعب الأمريكي بنتائج "حرب الإبادة الجماعية"، التي مارسها الجيش الإسرائيلي ضد أهل غزة.

إعلان

فإذا صمد الإيرانيون وتمكنوا من إلحاق أذى بالقواعد الأمريكية في المنطقة وغيرها، ونجحوا في تسويق ما يجري على أنه عدوان لا مبرر له على بلادهم، إلى الرأي العام الأمريكي، فهذا سيشكل، دون شك، ضغطا على ترمب والمتحمسين للحرب حوله، لا سيما إن لم تفلح الضربات الجوية في إسقاط النظام، وطال أمد الحرب، ووجد ترمب نفسه في حاجة إلى تفكير في اجتياح بري، تخشاه أمريكا بالفعل، وتعتبره خيارا مرّا.

في كل الأحوال، ومع أي احتمالات أو سيناريوهات قادمة، فإن ما بعد هذه الحرب التي بدأت قبل ساعات غير ما قبلها. فحروب الوجود ذات الخيارات الصفرية لا تترك ندوبا ولا خدوشا على السطح، إنما تحفر آثارا مبرّحة وجارحة في الأعماق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا