باريس- في لحظة تبدو فيها المنطقة واقفة على حافة الاحتمالات، يعود السؤال الأوروبي القديم بصيغة أكثر حدة: هل الخطر الحقيقي يكمن في إيران قوية تقترب من العتبة النووية، أم في إيران منهكة قد تنزلق إلى فوضى داخلية لا يمكن احتواؤها؟
بين هذين الاحتمالين، تتحرك العواصم الأوروبية بمنطق "دبلوماسية القلق"، وهي تراقب ما يجري في جنيف، حيث تُستأنف المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن و طهران بوساطة عُمان.
وقد انعقدت الجولة الأخيرة من المحادثات في أجواء مشحونة لم تكن فيها أوروبا طرفا مباشرا، إلا أنها حاضرة في كل تفصيل لأنها تعلم أن نتائج هذا المسار لن تبقى محصورة في الشرق الأوسط أو الخليج، بل ستنعكس على أمنها الطاقي واستقرارها الداخلي، وتوازناتها السياسية.
وأوروبا التي اعتادت أداء دور حارس الاتفاقات، تمشي اليوم على خيط رفيع بين ردع الطموح النووي الإيراني، ومنع انهيار دولة مركزية في الإقليم. وفي زمن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحديدا، تجد القارة العجوز نفسها حارسة لمصير أصعب: إبقاء الباب مواربا حتى لا تدخل المنطقة في غرفة بلا نوافذ.
ولم تُنتج الجولة الأخيرة اتفاقا نهائيا، لكنها لم تنهَر أيضا، ووُصفت بأنها "الأكثر جدية"، إلا أن شبح التصعيد العسكري لا يزال حاضرا في الخلفية. فالإدارة الأمريكية، بقيادة ترمب، تلوّح بالخيار العسكري ضمن أدوات الضغط، في حين تواصل إيران تأكيد أن أي اتفاق يجب أن يقوم على رفع العقوبات واحترام حقها في برنامج نووي سلمي.
واتسمت البيانات الصادرة بعد انتهاء الجولة بالحذر رغم تحقيق "تقدم مهم"، في انتظار ما ستؤول إليه المرحلة الفنية التي ستعقد في فيينا، حيث يفترض أن يناقش الخبراء تفاصيل تقنية تتعلق بمستويات التخصيب وآليات الرقابة.
ولعل ما يجعل هذه الجولة مختلفة هو تزامنها مع تصعيد في الخطاب الأمريكي الذي لم يخفِ أن البديل عن الدبلوماسية قد يكون اللجوء إلى القوة. وهذا التوازي بين التفاوض والتهديد أوجد معادلة ضغط قصوى: إما صفقة بشروط صارمة أو مواجهة مفتوحة.
ورأى الباحث في معهد مونتين والمختص في العلاقات الإيرانية الأوروبية، كليمون تيرميه، أن أسلوب ترمب يعيد تعريف الدبلوماسية، لأنه يرفع التهديد إلى المستوى العسكري، مما يُحرج العواصم الأوروبية التي تفضل التدرُّج وبناء الثقة، بدل الصدامات.
واعتبر تيرميه في حديثه للجزيرة نت أنه عندما يصبح التهديد العسكري جزءا من التفاوض، تتقلص مساحة المناورة الأوروبية إذ لا تستطيع معارضة واشنطن علنا، ولا يمكنها -في الوقت ذاته- طمأنة طهران بما يكفي لتقديم تنازلات.
ولا يزال جوهر الخلاف يدور حول ثلاث نقاط محورية؛ أولا، مسألة التخصيب التي تتمسك بها طهران ضمن إطار رقابي، بينما تلوح واشنطن بعدم التخصيب كليا أو قيود طويلة الأمد وصارمة. ثم تأتي ورقة العقوبات، فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إنهاءها بندٌ مؤسس لأي اتفاق. لكن أوروبا تمسك، في هذه الحالة، بخيط آخر يزيد التعقيد لأن العقوبات ليست أمريكية فقط.
وتشير وثائق الخدمة الخارجية الأوروبية إلى أن الأمم المتحدة أعادت فرض عقوبات نووية في 28 سبتمبر/أيلول الماضي، وأن الاتحاد الأوروبي طبّق إعادة فرض القيود والعقوبات.
وتعليقا على ذلك، قال المتخصص في الشأن الإيراني، تيير كوفيل "القوة ليست مطلقة لطرف معين، بل موزعة. فإيران تملك ورقة الوقت والقدرة على التصعيد النووي التدريجي، وهذا يخلق قلقا أوروبيا دوليا. بينما تملك واشنطن الورقة الأثقل اقتصاديا، أي العقوبات والعزلة المالية وإمكانية تقييد الحركة المصرفية".
وفيما يتعلق بانتقال النقاش إلى المسار الفني، أوضح كوفيل للجزيرة نت أن هذه الخطوة لا تضمن الحل ما د امت القرارات السياسية معلقة وفي ظل غياب نقطة تبادل للتنازلات الكبرى.
وقد تكون الصواريخ والملفات الإقليمية أحد أعقد عناصر التفاوض، إذ تسعى الإدارة الأمريكية إلى ربط البرنامج النووي بسلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، بينما ترفض طهران إدخال هذه الملفات ضمن الاتفاق لأنه يوسع نطاق التفاوض ويمس أمنها القومي.
وفي هذه الحالة، تميل أوروبا إلى مقاربة وسطية. فمن جهة، تريد معالجة القلق الصاروخي، لكنها تدرك من ناحية أخرى أن توسيع جدول الأعمال قد يؤدي إلى انهيار التفاوض برمته.
ويبدو أنه لا خلاف بين العواصم الأوروبية في أن امتلاك إيران سلاحا نوويا خطّ أحمر، باعتباره سيؤدي إلى تقويض نظام عدم الانتشار ويضع القارة أمام تهديد إستراتيجي مباشر، فضلا عن فتح سباق التسلُّح الإقليمي. لكن في المقابل، هناك إدراك متزايد بأن انهيار الدولة الإيرانية قد يفتح سيناريوهات أخطر.
وفي وقت لا تزال فيه أوروبا تتعافى من صدمات سابقة واضطرابات بأسواق الطاقة، يبدو أن القارة لا تتبنى منطق "تغيير النظام" أو الرهان على انهيار سريع، بقدر ما تميل إلى سياسة الاحتواء وضبط الإيقاع.
فهل تفضل أوروبا بقاء إيران مستقرة ولو كانت قوية؟ يجيب الباحث الفرنسي تيرميه بـ"نعم"، "فأوروبا، بصورة عامة، لا تحب قوة إيران لكنها تدرك أن الدول الكبيرة تصبح مصدرا للفوضى لسنوات حينما تنهار".
وبالتالي، تفضل أوروبا سيناريو الاستقرار، أي تقييد إيران نوويا تحت الرقابة، مع تخفيف جزئي للعقوبات مقابل التزامات واضحة. وهذا النهج لا يمنح طهران نصرا مجانيا، لكنه يمنع الانهيار والمواجهة. وفي حال تصعيد عسكري أمريكي، رأى المتحدث نفسه أن أوروبا ستدفع فاتورة متعددة البنود، من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات إلى موجات نزوح إضافية.
واللافت أن وثائق الاتحاد الأوروبي تظهر أن أزمة إيران لم تعد نووية فحسب، بل أصبحت متأثرة أيضا بحقوق الإنسان والاحتجاجات وملفات الاعتقال، وأن الاتحاد انتقل إلى مقاربة "موازنة الأدوات" بين الانخراط الدبلوماسي والعقوبات.
لذا، يعتقد تيير كوفيل أن محاصرة القوة قد تتحول إلى سلوك أكثر عدوانية، مما يعني أن دفع طهران إلى زاوية انعدام الخيارات قد يسرع سباق التخصيب أو يرفع احتمالات التصعيد بالوكالة، أو يجرّ واشنطن إلى تصعيد يشعل المنطقة، وهي أمور ستشكل كلفة أمنية على أوروبا.
ومنذ تولي ترمب منصبه داخل البيت الأبيض، وأوروبا لا تتحرك فوق أرض مستقرة على عدة أصعدة. وبالنسبة للملف الإيراني، لا يصب اندلاع حرب جديدة على تخوم الطاقة والهجرة في مصلحة القارة الأوروبية.
كما أن المسؤولين الأوروبيين لا يمتلكون ترف الفصل بين "النووي" و"سلوك إيران" الداخلي والخارجي. في فرنسا مثلا، تحدث وزير خارجيتها جون نويل بارو عن أن أي مسار تفاوضي يجب أن يحمي المصالح الأمنية والحقوق الأساسية للشعب الإيراني، وهي صيغة أوروبية تجمع بين القيم والأمن.
في المقابل، تقرأ طهران الموقف الأوروبي على أنه "أقل اندفاعا" من واشنطن، لكنها تراها أيضا جزءا من منظومة العقوبات الدولية ومعادلة الضغط. ومن ثم تتولد دبلوماسية القلق، إذ تحاول أوروبا البقاء على وفاق مع واشنطن لكي لا تتطور الأوضاع إلى تصعيد عسكري، والقرب من طهران للإبقاء على نافذة النقاش، وعلى تواصل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى تبقى على اطلاع بالوقائع النووية.
من جهة، يتوقع كوفيل أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو تصعيد معاير، أي إنشاء خطوات نووية محسوبة ترفع تكلفة الفشل على واشنطن وأوروبا، لكن دون الوصول إلى نقطة اللاعودة التي تفتح الباب أمام ضربة واسعة، لأن "إيران تجيد سياسة حافة الهاوية عادة على هامش رجوع، إلا أن الخيار العسكري المطروح قد يُقلّص هذا الهامش".
أما الباحث تيرميه فاعتبر أن العالم أمام لحظة اختبار، لا قطيعة بين أوروبا التي تحتاج إلى الأمن، و الولايات المتحدة التي تحتاج إلى سياسة وشرعية أوروبا. لكن الاختلاف يتسع حول الطريقة، فواشنطن تميل إلى حل سريع عبر الضغط، بينما تلجأ أوروبا إلى احتواء طويل عبر التفاوض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة