لم يكن " إل مينتشو" مجرد زعيم عصابة إجرامية تتاجر بالمخدرات، بل كان مهندسا لإمبراطورية إجرامية عابرة للحدود، قاد من خلالها كارتل (خاليسكو الجيل الجديد) ليصبح، وفق توصيف محللين ومسؤولين أمريكيين، أقوى تنظيم إجرامي عرفته المكسيك في تاريخها الحديث.
فهل يؤدي القضاء على الزعيم إلى انهيار التنظيم، أم إنه يفتح الباب أمام مرحلة أكثر دموية، تتسم بالتفكك الداخلي وتعدد مراكز القوة؟
وقد تناولت صحف أمريكية -نيويورك تايمز وواشنطن بوست ونيوزويك ووول ستريت جورنال- هذا الحدث اللافت، ونوجزها هنا في 3 محاور رئيسية هي: تفاصيل عملية تصفية إل مينتشو، والدور الأمريكي في العملية، ثم المخاطر المقبلة، وعلى رأسها احتمال انفجار دوامة جديدة من العنف، والسؤال الأوسع حول ما إذا كانت تجارة المخدرات قد تلقت بالفعل ضربة إستراتيجية.
كان أوسيغيرا سيرفانتس (إل مينتشو) يُقيم في مجمع من الأكواخ الجبلية، يرافقه حرس شخصي مدجج بالسلاح، لكنه كان تحت مراقبة السلطات المكسيكية لأيام، وتمكنت طائرات مسيَّرة من رصد تحركاته، وبينما غادرت صديقته المكان يوم السبت، بقي إل منتشو في الكوخ، محروسا بمفرزة أمنية مجهزة بأسلحة تفوق قدرات الشرطة.
ومع بزوغ أولى ساعات الفجر، اخترق صمت الجبال هدير المروحيات العسكرية وأصوات الطائرات القتالية، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة من الجانبين.
وأوضح وزير الدفاع المكسيكي الجنرال ريكاردو تريفيا أن القوات الخاصة المكلفة بالمهمة كانت مدرّبة خصيصا لمواجهة كارتلات تمتلك قدرات نارية تفوق أحيانا قدرات الشرطة التقليدية.
واستمرت المواجهة نحو 5 ساعات، أصيبت خلالها مروحية عسكرية بنيران كثيفة واضطرت إلى الهبوط الاضطراري.
وعند انتهاء الاشتباكات، قُتل 5 من عناصر الكارتل في الموقع، بينما أُصيب إل مينتشو واثنان من مرافقيه إصابات خطيرة، قبل أن يلقوا حتفهم لاحقا على متن مروحية عسكرية أثناء نقلهم. ولم تُسجل خسائر في صفوف الجيش، باستثناء إصابة جنديين.
وصادرت القوات الحكومية ترسانة ضخمة شملت قاذفات صواريخ، وقنابل هاون، وبنادق قنص عالية العيار، وكميات كبيرة من الذخيرة، إضافة إلى 8 مركبات، وقد عكست هذه المصادرات الطابع شبه العسكري لكارتل خاليسكو، الذي سبق أن أسقط مروحية عسكرية عام 2015.
غير أن الضربة لم تمر دون رد. فوفق نيويورك تايمز ونيوزويك، اندلعت موجة عنف منسقة في ولايات عدة، حيث أقدم مسلّحون على إحراق متاجر وبنوك، وإغلاق طرق سريعة، وتعطيل مطارات، في مشاهد أعادت إلى الأذهان قدرة الكارتلات على شلّ الحياة العامة خلال ساعات.
رغم تأكيد الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أن العملية نُفذت بالكامل بقوات مكسيكية على الأرض، تُجمع التقارير على أن الدور الأمريكي كان حاسما من حيث الدعم الاستخباري.
فقد نقلت مجلة نيوزويك عن البيت الأبيض قوله إن الولايات المتحدة قدمت "دعما استخباريا" للمكسيك، مؤكدة أن إل مينتشو كان هدفا مشتركا للبلدين، ومسؤولا عن تهريب كميات كبيرة من المخدرات، بما في ذلك مادة الفنتانيل، إلى الولايات المتحدة.
وذكرت وول ستريت جورنال أن معلومات وفرتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ساعدت في تحديد الموقع الدقيق للزعيم المطلوب.
وأكدت نيوزويك وصحيفة واشنطن بوست أن هذه الضربة تمثل لحظة فاصلة في التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والمكسيك، مدفوعة بالضغوط المستمرة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فبعد تصنيف البيت الأبيض لكارتل (خاليسكو) منظمة إرهابية أجنبية، توسعت الأدوات الإستراتيجية لكلا البلدين بشكل كبير.
وقد سبق أن رصدت إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على إل مينتشو.
وتشير واشنطن بوست إلى أن هذا التصعيد الأمريكي لعب دورا مهما في دفع الحكومة المكسيكية إلى تغيير نهجها، مقارنة بسياسة "العناق لا الرصاص" التي انتهجها الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيس أوبرادور سلف الرئيسة الحالية شينباوم، والتي يقول العديد من المحللين إنها سمحت للكارتل بالتوسع دون رادع.
ويُنسب هذا التآزر إلى وزير الأمن المكسيكي عمر غارسيا هارفوش، وكما لاحظت صحيفة نيويورك تايمز، فإن هارفوش رجل لديه ثأر شخصي، ففي عام 2020 نجا من محاولة اغتيال وحشية نفذها كارتل خاليسكو في قلب مكسيكو سيتي.
رغم أهمية الحدث يتفق المحللون على أن مقتل إل مينتشو لا يعني نهاية كارتل خاليسكو ولا تجارة المخدرات
وقد نجح هارفوش في ردم الفجوة بين التنفيذ التكتيكي المكسيكي والاستخبارات الأمريكية، متبنيا "إستراتيجية شاملة" لا تستهدف "الرؤوس" فحسب، بل وأيضا الإدارات الوسطى والهياكل المالية.
ومع ذلك، لا تزال مسألة السيادة تشكّل خطا أحمر في الخطاب الرسمي المكسيكي، فقد شددت شينباوم على أن ما يوجد بين بلادها والولايات المتحدة هو "تنسيق وتبادل معلومات"، وليس مشاركة مباشرة للقوات الأمريكية.
لكنّ واشنطن بوست ترى أن التقليل من شأن هذا التعاون قد يكون خطأ سياسيا، إذ يحرم المكسيك من توجيه رسالة ردع واضحة للكارتلات بأن الدولة لا تواجهها وحدها.
رغم أهمية الحدث، يتفق المحللون الذين استشهدت بهم الصحف الأربع على أن مقتل إل مينتشو لا يعني نهاية كارتل خاليسكو ولا تجارة المخدرات.
ييد أن كارتل (خاليسكو الجيل الجديد) لا يُعدّ عصابة مخدرات تقليدية، بل هو تحالف عابر للحدود يشارك في التعدين غير القانوني بأمريكا الجنوبية، وزراعة الأفوكادو، والاتجار بالبشر من مناطق بعيدة مثل الصين.
وقال الخبير الأمني إدواردو غيريرو لصحيفة نيويورك تايمز إنه "لم تكن هناك قط منظمة في المكسيك تمتلك مثل هذا التواجد أو السيطرة الإقليمية أو التغلغل السياسي" الذي يمتلكه كارتل خاليسكو.
لكن قلّة من المحللين يعتقدون أن هذه هي نهاية الكارتل.
ووفق نيويورك تايمز، فقد وُلد تنظيم إل مينتشو من رحم جماعة مخدرات أخرى تُسمى (كارتل ميلينيو)، الذي تفكك بسبب صراعات داخلية بعد اعتقال قياداته ومقتلهم. وبحلول عام 2009، كان إل مينتشو قد خرج منتصرا، ثم فصل قواته ليؤسس كارتل (خاليسكو الجيل الجديد).
ونقلت الصحيفة عن ديفيد ساوسيدو، وهو مستشار أمني، القول إن معظم كارتلات المخدرات في المكسيك ذات طابع عائلي، وإن أنجح عمليات انتقال القيادة وأكثرها سلاسة هي تلك التي تُبقي السلطة داخل الأسرة.
يعتمد مستقبل الكارتل الآن على سرعة التوافق على قيادة جديدة، فالتنظيم لا يقوم على وراثة عائلية واضحة، وقد اعتُقل أو سُلم عدد من أقارب إل مينتشو إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك نجله الذي كان أحد أبرز قادته. ويرى خبراء أن أي صراع داخلي على الخلافة قد يؤدي إلى تفكك التنظيم إلى فصائل أصغر وأكثر شراسة.
ويحذر محللون من أن هذا السيناريو قد يكون أسوأ للمكسيك، إذ إن الكارتلات الصغيرة غالبا ما تكون أشد عنفا وأقل قابلية للضبط.
وذكرت واشنطن بوست، في هذا الصدد، أن إستراتيجية "قطع الرأس" كثيرا ما تؤدي في المكسيك إلى نتائج عكسية، كما حدث في ولاية سينالوا، حيث فجّر اعتقال أحد كبار القادة صراعا دمويا بين الفصائل المتنافسة.
أما على صعيد تجارة المخدرات نفسها، فتشير نيويورك تايمز إلى مفارقة جوهرية أنه على الرغم من مقتل أو اعتقال عدد كبير من كبار تجار المخدرات خلال العقود الماضية، فإن الاستهلاك العالمي للمخدرات لا يزال في ازدياد. وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن عدد مستخدمي الكوكايين في العالم ارتفع بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير.
ومن جانبها، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن قوات الأمن المكسيكية تسابق الزمن حاليا للحيلولة دون اندلاع حرب كارتلات، سواء كانت بين الحكومة ومجموعة خاليسكو، أو بين فصائل تلك الجماعة التي ستتنافس الآن فيما بينها لفرض السيطرة على المنظمة التي أسسها إل مينتشو.
إستراتيجية "قطع الرأس" كثيرا ما تؤدي في المكسيك إلى نتائج عكسية كما حدث في ولاية سينالوا حيث فجّر اعتقال أحد كبار القادة صراعا دمويا بين الفصائل المتنافسة
وأشارت الصحيفة إلى أن أنطونيو موراليس، عمدة بلدة تابالبا، أعرب عن أسفه لما تواجهه بلدته الهادئة من مستقبل غامض مع احتمال تصاعد عنف الكارتلات.
وأوضح أنه عقب حالة الإغلاق التي شهدتها البلدة أثناء المداهمة وبعدها، بدأ السكان بالخروج تدريجيا يوم الاثنين، وسط مناشدات لهم بالعودة إلى منازلهم لكن بحذر شديد. كما أبدى العمدة قلقه من ذبول قطاع السياحة الذي يمثل شريان الحياة لمجتمعه، مؤكدا ضرورة إيجاد وسيلة لتجاوز هذا الوضع والمضي قدما.
وبمقتل إل مينتشو، تطوي المكسيك صفحة أحد أخطر زعماء الكارتلات في تاريخها الحديث، غير أن هذه الضربة، على أهميتها، لا تمثل نهاية الحرب، بل بداية فصل جديد محفوف بالمخاطر.
فبين احتمال تفكك الكارتل وتصاعد العنف، وبين استمرار الطلب العالمي على المخدرات، تقف البلاد أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل هذا الإنجاز الأمني إلى مسار مستدام لتفكيك الجريمة المنظمة، أم إن دوامة العنف ستدور من جديد؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة