من حق العرب ـ والعالم الإسلامي ـ أن يشعروا بالقلق والغضب، من تصريحات دبلوماسي أمريكي، يتولى منصبا رسميا، بكل ما يحمله هذا "المنصب" من دلالة ورمزية، تلزمه ـ بطبيعة الحال ـ بألا يخرج عن النهج الرسمي للدولة.
ليس بوسع أي مراقب أن يجد مقاربة، تفسر التصريحات الصادمة والفجة للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي ـ وهو بالمناسبة قس معمداني سابق ـ والتي أجاز فيها لتل أبيب، السيطرة على مساحة واسعة من الشرق الأوسط، بما فيها أراضٍ لدول عربية صديقة أو حليفة للولايات المتحدة الأمريكية.
ففي حلقة بودكاست صدرت يوم الجمعة 20 فبراير/شباط، ضغط الإعلامي الأمريكي اليميني تاكر كارلسون على هاكابي بشأن معنى آية توراتية تفسر أحيانا على أنها تقول إن إسرائيل لها الحق في الأرض الواقعة بين نهر النيل في مصر ونهر الفرات في سوريا والعراق، والمملكة العربية السعودية، فقال بلا تردد: "سيكون من الجيد لو أخذوها كلها".
اللافت ـ هنا ـ أنها ليست هذه المرة الأولى التي يعرب فيها هاكابي عن دعمه لمواقف تختلف اختلافا حادا عن السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط.
لطالما دعمت واشنطن حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بما في ذلك إقامة دولة فلسطينية. كما صرح الرئيس دونالد ترمب بأنه سيعارض أي محاولة إسرائيلية لضم الضفة الغربية، التي يسعى الفلسطينيون إلى جعلها مركز دولتهم المستقبلية، والتي تحتلها إسرائيل منذ ما يقرب من ستين عاما.
وعلى النقيض من ذلك، فقد رفض هاكابي فكرة حل الدولتين، بل ورفض فكرة الهوية الفلسطينية ذاتها، ويشير عادة إلى الضفة الغربية باسم "يهودا والسامرة"- وهو الاسم التوراتي الذي يفضله المستوطنون اليهود – ويرفض وصف وجود إسرائيل في المنطقة بأنه احتلال.
ومن المثير للدهشة أن وزارة الخارجية الأمريكية لم ترد على الفور على طلب للتعليق على تصريحات هاكابي، كما قال مراسل صحيفة "فايننشال تايمز" بالقدس، جيمس شوتر.
وقد سبق له أن وضع إدارة ترمب في موقف مشابه، في نوفمبر/تشرين الأول 2024، فبعد فترة وجيزة من إعلان ترمب عن اختياره سفيرا لإسرائيل، أوضح هاكابي أنه يدعم ضم إسرائيل للضفة الغربية المحتلة. وقال لإذاعة الجيش الإسرائيلي: "لن أضع السياسة، بل سأنفذ سياسة الرئيس".
وفي إشارة تتسم بالغموض واللغة التحايلية قال: إن الرئيس ترمب أثبت بالفعل خلال ولايته الأولى أنه لم يكن هناك رئيس أمريكي أكثر فائدة منه في ضمان فهم سيادة إسرائيل.
صحيح أن الخارجية الأمريكية لم تعقب ـ كذلك آنذاك عام 2024 ـ على تصريحات هاكابي رغم أنها كانت تشير ضمنيا إلى ما يشبه "التواطؤ" الرسمي غير المعلن مع التوحش والتغول الإسرائيلي على حساب الأراضي الفلسطينية.
بيد أن رد ترمب على سفير بلاده في تل أبيب جاء لاحقا. ففي سبتمبر/أيلول الماضي قال ترمب : "لن أسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية. كلا، لن أسمح بذلك. لن يحدث هذا".
لقد تراجع هاكابي ـ فيما بعد ـ عن فلتات لسانه الخطيرة مع كارلسون، واصفا تصريحه بأنه "مبالغ فيه إلى حد ما"، وأضاف أن إسرائيل "لا تحاول الاستيلاء" على بقية الأرض المشار إليها في الآية التوراتية.
الرجل يتحدث وكأنه معصوم من أي شكل من أشكال اللياقة الوظيفية حال اعتمد علنا ما يناقض السردية الأمريكية الرسمية المعلنة بشأن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن تبنيه التفسير التوراتي لحدود الأرض الإسرائيلية المتخيلة، هو من بين مهام خدماته الرسمية
ليس من الواضح ما إذا كان تراجعه، جاء بضغوط من البيت الأبيض أم مما خلفته تصريحاته من غضب واسع في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تزايد المخاوف من نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
فضلا عن أن تصريحاته قد تثير " العواطف الدينية والوطنية" في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة العمل مع دول المنطقة للتوسط في سلام دائم في أعقاب الحرب التي استمرت عامين بين إسرائيل وحماس في غزة، كما ورد في نص بيان جامعة الدول العربية.
وعلى الرغم من أن مثل هذه التصريحات الفجة والمستفزة، لم تكن جديدة، ولطالما تعمد القادة الإسرائيليون التلويح بها تصريحا أو تلميحا، مقابل صمت أو تعليق خجول، من المؤسسات الإقليمية المعبرة عن العالمين العربي والإسلامي، فإنها هذه المرة أثارت غضبا عربيا رسميا غير مسبوق، حيث أصدرت دول عربية وإسلامية مساء السبت 22 فبراير/شباط من الدوحة، بيانا مشتركا اتسم بلغة خشنة، واعتبر تصريحات هاكابي صكا على بياض بدعم "إسرائيل التوسعية".
يقول المحلل تيم ليستر في "سي إن إن": "إن إبداء أي دعم، ولو اسميا، للسيادة الإسرائيلية على جزء كبير من الشرق الأوسط يعد خروجا غير مسبوق عن السياسة الخارجية الأمريكية، ويتجاوز بكثير ما يطالب به اليمين المتطرف الإسرائيلي علنا".
في السياق، فإن جدل ضم الأرض "التوراتية" أخذ المعلقين بعيدا عن تصريحات أخرى مهمة، جاءت على لسان هاكابي، وتأتي أهميتها ـ بل خطورتها ـ من أنها صدرت من موظف رسمي يشغل منصبا دبلوماسيا رفيعا.
فالرجل يتحدث وكأنه معصوم من أي شكل من أشكال اللياقة الوظيفية حال اعتمد علنا ما يناقض السردية الأمريكية الرسمية المعلنة بشأن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن تبنيه التفسير التوراتي لحدود الأرض الإسرائيلية المتخيلة، هو من بين مهام خدماته الرسمية.
فعندما ألمح كارلسون إلى أن دعم إسرائيل يخلق نوعا من تضارب المصالح بالنسبة لدبلوماسي أمريكي، نظر هاكابي إلى طية صدر سترته وقال: "ما هذا العلم الذي أرتديه؟ إنه علمي. إنه العلم الذي أخدمه".
لقد كان واضحا بنفس القدر فيما يتعلق بالأمور المالية. فالمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تعود بالنفع على مشتريات الدفاع الأمريكية، ما يعني كسب حليف في واحدة من أخطر مناطق العالم.
وإسرائيل، كما قال، هي "رأس الحربة". ولفت إلى أن الفكرة الأساسية تبقى قائمة وهي: أن هذا التحالف يمتلك منطقا إستراتيجيا ستكون تكلفة استبداله أعلى بكثير من تكلفة الحفاظ عليه.
ويبقى أن أشيرـ هنا ـ إلى أن كل ما يقال بشأن التوسع التوراتي على حساب الأراضي العربية، يظل من قبيل " البروباغندا الفارغة"، تخفي تحتها جيشا منهكا، ذهبت هيبته، ونزعت عنه قدرته على إرهاب الآخرين وتخويفهم، فضلا عن مجتمع هش مفكك ومنقسم، ودولة وضعها غرور القوة وحكامها الدمويون، على أول محطات "الهروب الجماعي"، عند أي تهديدات كبرى.
وكما هو الحال، فيما يتعلق بخطاب نتنياهو الدعائي، بشأن قدرته على، إعادة تغيير منطقة الشرق الأوسط، في حين يبدو ـ حتى الآن ـ محض مغامر عاجز عن الخروج بأي انتصار ولو شكليا من قطاع غزة، ذلك الشريط الساحلي على البحر المتوسط، الذي لا تزيد مساحته على 365 كيلو مترا مربعا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة